هل تساءلت يوما لم نحتفل برأس السنة؟

blogs رأس السنة

يفصلنا عن نهاية السنة أيام قلائل، الكثير الآن بدون شك، يعد إنجازات السنة الفارطة، ويضع تقييما لمنجزاته، سواء ذاك الذي يشتغل على مشروع معين، قراءة عدد معين من الكتب، بحث علمي يشتغل عليه، مشروع معين، وهذا شىء جميل ومهم، ولا غرابة في ذلك، ما دمنا مرتبطين بهذا التقويم الميلادي، أوقات عمالنا، ميلادنا، بل وتاريخ دخولنا المدارس، فلا غرابة إذن إن وقفنا لحظة تأمل في نهاية هذه السنة، لكن ما علاقة الاحتفال في هذا الوقت، هل هو احتفال بنهاية سنة من عمرنا مثلا؟ أم هو احتفال بمنجزاتنا؟ أم ترانا لا نعرف حتى لم نحتفل؟

بعيدا عن الجدل القائم حول تاريخ ميلاد المسيج عليه السلام، ومسألة جواز الاحتفال به من عدمها، طبعا مسألة الاحتفال عند الغربيين، هي متعلقة بميلاد المسيح، أي الاحتفال ابتهاجا بازدياد المسيح عليه السلام، وهذا واضح من طقوس احتفالهم بذلك، بمعنى أن الاحتفال له بعد ديني، لكن كيف تحول هذا الطقس من مجرد احتفال بميلاد المسيح الذي هو رمز للطهر، إلى حفلات ماجنة ترتكب فيها جميع المحرمات التي أتى المسيح بغية النهي عنها، في تلك البئة يعتبر ذاك أمرا معقدا، بل وعصيا على الفهم، وليس وليد اللحظة، وإنما هو نتيجة اشتغال أجيال من الفلاسفة على هذا الأمر، والأمر له ارتباط عميق بقضية علاقة الدين بالحياة بصفة عامة.

ذاك الأمر عندهم لكن هناك سؤال يراود كل عاقل، إذا كان الأمر كذلك ما وجه احتفالنا نحن، بل والسؤال المحير أكثر، ما سر إقامة هذه الحفلات الماجنة، طبعا كل هذا يسوق له على أنه مجرد ابتهاج بحلول السنة الجديدة، وكأننا كنا نشك في قدومها، حتى نحتفل لها، طبعا نحن مسلمون ومؤمنون بالمسيح عليه السلام، ونحن أولى بالاحتفاء به كما قال النبي عليه السلام، لكن هل لهذه الحفلات علاقة بذاك الأمر، حتى أنه أصبح الأمر المسلم به هو الاحتفال، ومن خالف ذلك فهو شاد، أم تر أن هناك شيء آخر.

هناك لدينا أزمة خلقية عظيمة بمجتمعنا، هذه الأزمة تدل على هشاشة ارتباطنا بمنظوماتنا القيمية ومبادئنا، ولا ولن تعكس أبدا انفتاحنا أو تسامحنا مع الآخر
إعلان

هناك أموال قد لا تخطر على بال تصرف في هذه الفترة، سهرات يحضر فيها أبرز الفنانين، الذين تصرف عليهم الملايين من أموال الشعوب، لكن الأغرب هو أن ينتقل هذا الطقس إلى عامة الناس، ويصبح أمرا متداولا ومسلما به، بل حتى أصبح عادة عند الناس يقدمون فيه الهدايا، كل هذا كما أسلفت وهم لا يعرفون حتى ما وجه هذا الاحتفال، وهذا طبعا لا يعني البتة أنه مساس بمعتقد شخص ما، لكنه إبراز لأحد وجوه التيه الذي نعيشه، والذي يبدوا أنه لا حد له.

نتيجة كثرة الأفلام المتدفقة علينا في الوطن العربي، من العالم الغربي، وصادف هذا الأمر جهلا تاما بين الشباب بالكثير من القضايا، لكن يكفي أن أشير هنا إلى ما يناسب ما أنا بصدد الحديث عنه، كثيرا منها يصور حياة الشباب هناك كيف يقيمون سهرات الاحتفال، كل ذلك يمارس عندنا بحذافيره، ليلة رأس السنة عندنا وليس عندهم، يصبح فيها كل شيء مباح، خمر حشيش، هروين، وجميع الكوارث يصبح ثمنها مضاعف.

أما حياة الفنادق والضيوف القادمين من الخارج، فتلك مسألة أخرى، في السنة الفارطة ليلة رأس السنة، أصبحت أحد المصحات العمومية مكتظة بالناس، مجموعة من الشباب المختلطين الذين لم يتجاوز عمرهم الخامس عشرة سنة، عثر عليهم وهم فاقدون للوعي، نتيجة إفراطهم في الشرب، وتلك وجدوها على أحد الأرصفة وهي كما ولدتها أمها، ألقاها أحدهم هناك بعدما قضى وطره منها، قد تعتقد أن هذا مبالغ فيه، لكن ربما ما يحدث أسوأ من هذا.

هذه المسألة تدل على أزمة خلقية عظيمة، إنها تدل على هشاشة ارتباطنا بمنظوماتنا القيمية ومبادئنا، ولا ولن تعكس أبدا انفتاحنا أو تسامحنا مع الآخر، فعلا الغرب عاش هذا التيه في زمن ما، أما الآن فإنه وصل إلى مرحلة متقدمة في هذا التيه، ونحن كذلك بدأنا نقتفي أثره، فالدين هناك أصبح مسألة فردية شخصية، وهو في البداية في الحقيقة كذلك، فوجود مثل هذه الأمور يغدوا أمرا عاديا، باعتباره لم يخل بالقانون العام، لكن ما وجه ذلك عندنا، أين من يتبنونا المرجعيات الإسلامية، وأقصد طبعا نظم الدولة بمفهومها الحديث.

طبعا هذه ظواهر اجتماعية، تحتاج إلى حلول ومشاريع فكرية، وليس إلى سلطات زجرية، أو عقوبات أو قوانين أو غيرها، والتي نحن لا نفلح إلا فيها، هذه وغيرها كثير من المظاهر، التي تدل على فشل المهتمين، في خلق جو ثقافي يتناسب وبيئاتنا، كما أنه يدل على فشل كذلك المنظومات التربوية، خاصة في جانبها القيمي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان