كيف تغيّر مفهوم اللون الأرزق عبر العصور؟

ما ندركه اليوم ونصطلح عليه باللون (الأزرق) لم يكن له نفس المعنى ولا له نفس المدلول قديما ..فالأزرق عند عرب الجاهلية وصدر الإسلام يوصف به كل شيء " شديد الصفاء"، كنصل الرمح (قد نصفه نحن اليومَ بالرمادي) والماء الشفيف والعين الواضحة، والعين الزرقاء بمفهوم القدماء هي التي يعتري سوادَها شيء من البياض أو الخضرة لا كما توهم كثير من الشارحين لدواوين الجاهليين أنه اللون المعروف اليوم، وربما سميت زرقاء اليمامة بذلك لزرقة في عينيها أو ربما لصفائهما ولحدة بصرها.

 

مدلول (الأزرق) عند قدماء العرب يتراوح بين الشفّاف والأبيض والأخضر والرمادي..ورد في لسان العرب: "الزُّرْقة البياض حيثما كان، والزُّرْقة: خضرة في سواد العين"، أما عن لون الماء فقال: "الماء يكون أَزْرَقَ ويكون أَسْجَرَ ويكون أَخضرَ ويكون أَبيضَ"، ولا يفهم بالتحديد ما يعنيه بأزرق هنا وربما قصد أن يقول (شفّاف) بلغة العصر.

 

هذه المعضلة ليست جديدة على المطلعين بأسرار اللسانيات، فعلماء اللغة أشاروا منذ مدة غير يسيرة أن اللغات القديمة مثل الصينية والإغريقية والعبرية لا تعرف شيئا اسمه اللون (الأزرق). شاعر الأوديسة مثلا يصف البحر بأنه "داكن كالخمر"، ولم يرد ذكر اللون الأزرق في التوراة مطلقا.

 

بعض العلماء يعتقدون أن القدماء لم يلحظوا اللون الأزرق ولم يروه فالعين ترى ما يدركه الذهن أي ما يوجد له اسم في اللغة. الجدير بالملاحظة أيضا أن كثيرا من العرب خاصة الأميين في عصرنا، لا يفرقون بين اللونين الأزرق والأخضر.. فكلٌّ أخضر، أو كلٌّ أزرق، شأنهم في ذلك كشأن كثير من ساكني البسيطة.

 

عودة إلى لفظ (أزرق) في لغة اﻷسلاف، تلتصق صفة الأزرق بالرمح خاصة. يقول امرؤ القيس واصفا الرماح متهكما على غريمه المخدوع المتوثب للثأر:

أيقتلني والمشرفي مضاجعي .. ومسنونةٌ زُرقٌ كأنيابِ أغوالِ

والمِزراق اسم لرمح قصير، ومنه اللقب الشائع في بعض أصقاع المغرب العربي (بومزراق)، وأشار حمدان خوجة الذي عاصر الغزو الفرنسي لمدينة الجزائر إلى شيء من ذلك حيث قال في كتابه المرآة:

"كما إن باي التيطري كان قد أعلم الباشا بأنه يوجد تحت تصرفه 20 ألف فارس نصفهم من حملة الرماح ولأجل ذلك سمي هذا الباي بومزراق، والمزراق هو الرمح"

 

مع تطور الحضارة العربية الإسلامية واتصالها بما جاورها من حضارات بالتجارة وانتقال المعارف والعلوم في المجالات المختلفة، وباتساع الأسواق لتشتمل على شتى أنواع الجواهر والأحجار الكريمة من لازورد وعقيق وزمرد وياقوت وبهرمان واسمانجوني وغيرها والحرير بأصباغه الزاهية المختلفة وكل ما عرفه العالم القديم من منتوجات اقتناها الأثرياء كما تفننوا في تزيين بيوتهم بالحدائق التي عبقت بأصناف الزهر وألوان الورد الشتى، تطور مدلول (الأزرق) الذي كان أقرب إلى التعبير عن حالة منه إلى التدليل على لون محدد، فمعناه (الشفيف) أو (الصافي) يوصف به الماء والفولاذ معا وانتقل إلى شيء أو مدلول آخر نستشفه من كتابات العصر العباسي وأصقاع المغرب والأندلس في تلكم الفترة فنحن عندما نقرأ قول الشاعر الأندلسي:

يُسفرُ للياقوت عن حمرةٍ .. وإنْ رنا عن زرقةٍ فيه

 

نخال أنه يعني لونا ما داكنا كما أن الأحمر داكن وربما يقاربه في ذلك أو يستعير ظلا من ظلاله ، وقد تعني الزرقة التي عناها تلك الحالة التي عرفها الأوائل أنها اختلاط سواد العين بشيء من البياض، ونقرأ أبيات المحسن بن علي التنوخي البصري ( ت 384 هـ /994 م ):

كأنما نجومُها .. نصبَ عيونِ الرُّمَّقِ

دراهمٌ قد نُثِرتْ .. على بساطٍ أزرقِ

  

فنحتار بين زرقة الصفاء ولون سماوي ليلي حالك يشبه بساطا أزرق والبساط لا يكون بلون الماء ولا الفولاذ حتما إنما يخيل إلينا لون من الوان الفرش الزاهية التي زينت الدور .. لكن اللون المقصود ليس بلون السماء في وضح النهار، ثم يصف الآخر البنفسج بالزرقة:

و قدْ تبدّى أزرقُ البنفسجِ .. كالقرصِ في خدٍّ غزيرٍ غنـجِ

 

الأبيات لـعلي بن الحسن بن محمد العقيلي المعروف اختصارا بالشريف العقيلي (ت 450 هـ / – 1058 م)

فنعلم أنه يقصد بالزرق ما نصطلح عليه اليوم بلون البنفسج أو البنفسجي، وهي زرقة تشوبها حمرة ..

أما قول ابن سهل الإسرائيلي الأندلسي (ت 649 هـ / 1251 م) :

و لازوردٍ باهر نَورُه .. مستظرف الأوراقِ مستحسنِ

كأنه من حسنِ مرآه قد .. ذابت عليه زُرقَةُ الأعينِ

 

فمن الصعب أن نفهم منه أن زرقة الأعين تعني أن بياضها يخالط شيئا من سوادها كما كان اللفظ يعني أيام الجاهلية وفي صدر الإسلام، ومن المتعذر أن يُفهم أنه يقصد إلى لون البنفسج فاللازورد حجر في زرقة السماء، والأندلس بلد تكثر العيون الزرق في نواحيه، فلا بد أن الأزرق هو هو لون السماء الأزرق الذي نعرفه اليوم،

وفي كتاب نخبة الدهر في عجائب البر والبحر لمؤلفه شمس الدين الشيرازي (ت 727هـ. / 1327م) نقرأ:

"وكذلك الياقوت الأزرق الإسمانجوني الشبيه لونه بلون السوسن الأزرق ومعنى الإسمانجوني الذي تشوب زرقته حمرة كما يكون في لون رقاب بعض الحمام الأزرق من التطويس وفي ثياب المروَزي التي سداها أزرق ولحمتها حمراء كما يكون في بعض ريش الطاووس من مثل هذا اللون"

 

و هنا نعلم من الأمثلة التي ضربها أنه يعني ما نعنيه بالأزرق على وجه اليقين لا الظن، و قد تكون كلمة اسمانجوني آرامية أو فارسية ما يعني أن تلك الحضارات عرفت اللون الأزرق أو نوعا منه قبل العرب بأحقاب.

 

لقد عرفت كلمة (الأزرق) تطورا ملحوظا في الدلالة عبر عصورنا العربية فمن صفاء الماء والفولاذ، الأبيض أو الأخضر والرمادي إلى الأزرق الليلي فالبنفسجي أو الأرجواني ثم إلى الأزرق كما نعرفه اليوم لذا وجب الحذر وتبين مدلول اللفظ في النصوص المختلفة حسب موقعها من التدرج الزمني أو الجغرافي، ولقد وقع كثير من شارحي النصوص القديمة خاصة دواوين الشعر في اللبس والغلط ففسروا اللفظ بمقتضى مفهوم الحاضر لأنهم لم يتكلفوا عناء البحث ولم ينتبهوا إلى ضرورة التبين للتغير الحاصل في معنى الكلمة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة