شعار قسم مدونات

خطابات الكراهية.. أداة فعالة للحرب الإعلامية!

blogs - خطاب

شاع في الآونة الأخيرة مصطلح خطاب الكراهية بشكل كبير، وتنامت فحواه في المجتمعات المنغلقة القائمة على الأنا الجمعيّة، بتعدد أشكالها المذهبيّة والطائفيّة والقبليّة والمناطقيّة والأيدلوجيّة والعشائريّة. تتسع كراهية الخطاب في وقتٍ أصبحت فيه مجتمعات الفيسبوك وتويتر وغيرها من المجتمعات الإلكترونية الكثيرة بيئة خصبة لهواة الشهرة المنغمسة بالحقد ونبذ الآخر والتسلّق على حساب اغتيال الشخوص، نتساهل من حيث لا ندري مع نجوم السوشيال ميديا بمزيد من الإعجابات والمشاركات، متغافلين بأيّ طريق نحن نسير وإلى أين!

أصبح الكثير من معتنقي ديانة الكراهية وكلاء حرب يخوضون معارك مفتوحة في ساحات مواقع "الاقتتال" الاجتماعي، ولتصبح مقاتلاً عصريّا؛ لن يكلّفك الأمر شيئاً، فقط؛ اشحن قلبك بالحقد، ارفض الآخر بشدّة، واحفظ عدداً من الألفاظ الشوفينية. كذبة "التواصل الاجتماعي" بمنصّاتها، انطلت على الكثير ممن فرح ورقص طويلاً باتّساع حريّة التعبير وارتفاع السقف السرمديّ الذي طال الخالق المتعال. لم يقف الأمر هنا؛ بل تعدّى ليطلّ علينا من حيث لا ندري هواة التحليل بوابل من التفسيرات، كلّما حدث في الوطن أمر جلل؛ قالوا: أنّ للحكومات فيه مأرب مستتر من تكميم للأفواه والحدّ من سقف التعبير على حساب كلّ الجراح التي تفتقنا كلّما هبّ الهواء وناح.

لنعيد ترتيب الأوراق المتطايرة في الفضاء الإلكتروني الذي خلق حريّة مطلقة بلا ضوابط أخلاقيّة وقوانين رادعة، فأبواب تلك المواقع تعلو وتتّسع أمام من يغذّي الكراهية المتخمة بالحقد على الآخر، حيث أصبح أحدنا ليس بمأمن على نفسه إن عبّر عن رأيه من الاغتيال وهو في عقر داره، فأبناء الطبل متكأ بمقدورهم أن ينالوا من أيّ شخص من أجل حفنة إعجابات وبعض الإطراء والمجاملات من جمهور بعضهم مهترئ!

الارتفاع بوتيرة وحدّة الشتم والقذف في الخطابات يعود لأسباب جمّة، تدور مجملها في فلك التناحر السياسيّ لمختلف الأحزاب والأيدلوجيات، مما جعل من إعلام الكراهية أداة حرب وكسب
الارتفاع بوتيرة وحدّة الشتم والقذف في الخطابات يعود لأسباب جمّة، تدور مجملها في فلك التناحر السياسيّ لمختلف الأحزاب والأيدلوجيات، مما جعل من إعلام الكراهية أداة حرب وكسب
 

الإعلام بمختلف قنواته المتعددة له الدور الرئيس في بثّ خطاب الكراهية بشكل يوميّ للقرّاء، والسوشيال ميديا أصبحت المحطّة الأشمل للنشر وتلقّي الأخبار عبر نشطاء مغمورين وإعلاميين ثرثارين يكثّفون من دسم السلبيّة والتحريض الأعمى بالاستفزاز والإقصاء. تنامى الإعلام المتخصص بالكراهية في ظلّ غياب ملحوظ لإعلام مهنيّ يعزّز من اللحمة الجامعة لمكوّنات الشعب ويدرأ من سمّ الزعاف الضارب في كبد النسيج الوطنيّ، حيث أصبحت الخطابات المعنّفة ذات رواج ومادّة سائغة للقارئ، مما جعل من المجتمع حاضنة خصبة ومتقبّلة، تأثّرت بها وحوّلتها لواقع منقسم يفرّخ مزيداً من العنف بأشكاله المختلفة.

الارتفاع بوتيرة وحدّة الشتم والقذف في الخطابات يعود لأسباب جمّة، تدور مجملها في فلك التناحر السياسيّ لمختلف الأحزاب والأيدلوجيات، مما جعل من إعلام الكراهية أداة حرب وكسب؛ شوطاً يطيح بها الآخر، ويكسب بالشوط الآخر مزيداً من عوام الببغاوات المصاب بحمّى "النسخ واللصق"! لم يعد كثيرون يلقون بالاً لشعرة معاوية الضائعة بين النقد والشتم، والخطاب الناقد أصبح منفّراً لذائقة القرّاء، ولا يستسيغهم إلا الخطابات الشوفينيّة التي تهيّج العاطفة الواخزة. من يموّل إعلام الكراهية من الأبواب الخلفيّة غايته إبقاء الشعوب مغيّبة عن الوعي العميق، وإلهاءها بزخم الأخبار المعلّبة الدائرة في حدود الحريّة الوهميّة، لتنشطر منقسمة، تتناحر بينها كبيادق دون أن تخرج متفرّجة لخارج رقعة الشطرنج وتصبح خارج اللعب، فالهدف أن تبقى لاعب رئيس لتمرير صفقات مربحة وتحقيق غايات هادفة.

حبذا لو دعت النخب المجتمعيّة لحوار وطني يناقش الحالة المتأزّمة اليوم، ويضع استراتيجيّة شاملة وعدد من الحلول اللازمة لاجتثاث كراهية الخطاب القميء السائد ابتداءً من الأسرة للمحيط، والحاجة ملحّة لإعادة النظر بضوابط الإعلام ومضمونه الخطابي، وإنشاء إعلام مهنيّ متخصص يراعي أزمة الحقد الخطابيّة التي تغذّي منابع الإرهاب. كما سهّلت مواقع التواصل الاجتماعي نشر المزيد من خطابات الكراهية والحقد في المجتمع، يسهل أيضاً الكشف السريع عن مصادر تلك الخطابات وأيقوناتها بكبسة زرّ فقط، فالحاصل الآن يستدعي أن نقف مطوّلاً، ونتمعّن قليلاً للوراء، فمن حرّض بالأمس، اليوم هو أوّل من يتباكى على جراحنا، وفي الغرف المظلمة ينهش في قلب الوطن.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.