ما سبب الأزمة الأخلاقية التي تعصف بالمجتمع؟

blogs - أزمة أخلاقية

أكد العديد من الفلاسفة والمفكرين على طبيعة الذات البشرية وحاجتها للتحول من النزعة الفردية إلى الاختلاط الجماعي والبحث عن الاندماج. صلبة مجموعات بشرية تشكل فيما بينها ما يعرف سوسيولوجيا بالمجتمع. المجتمع كرمز هو هيكل يجمع بين طياته عموم البشر، باختلاف الجنس والعمر والدين، تجمع بينهم روابط القيم والأخلاق. إلا أن القيم الإنسانية النبيلة شهدت تدهور واضمحلال كبير داخل المجتمع الذي أصبح في الطريق إلى إعادة إنتاجه وتشكيله.

يستمد الإنسان القيم والقواعد التي يتعامل بها مع أفراد المجتمع من عدة مصادر مختلفة الرؤى ولعل أهم هذه المباحث، المناهج التاريخية كالفلسفة والدين. يأتي الدين كأول مصدر تشريعي للقيم النبيلة، التي أتى بها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في رسالته السماوية والتي كانت مرتكزها الأخلاق ومكارمها. ودعوة الإسلام إلى هدم أصنام الرجعية بما تحمله من مخاطبة غريزة الفرد واعتناق دين جديد، هدفه تكريم الفرد وتهذيب أخلاقه وإرشاده لطريق الحق والسلام. الرسالة المحمدية كان هدفها تحديد العلاقة بين الأفراد من جهة، ومن جهة ثانية دعوة الأفراد لاعتناق قيم التسامح واحترام الآخر والابتعاد عن الرذيلة وجميع المفسدات اللغوية والمادية. الفلسفة اجتمعت مع الدين في هذا السياق، فمن أهداف الفلسفة البحث عن الأفضل في حياة الإنسان ودعوته بالارتقاء بنفسه لعوالم الخير، بعيداً عن الشر، دنيا الفضيلة لا الرذيلة.

تحطم لصورة الأب التاريخية، فلم يعد الأب الشخص القوي والملهم لصغاره، بل قل احترامهم له وأصبح الأبناء خارج السيطرة الأبوية ليكون الشارع هو الحاضن والمربي

أفلاطون بحث عن جمهورية يكون شعبها مثالي، نقي بدون شوائب، إلا أن عصرنا الحالي شهد المجتمع انحداراً أخلاقياً و قيمياً، أصبح الإنسان سجين غرائزه باحثاً عن اللذة والمتعة بأي وسيلة، وسقوط نحو الهاوية بدون توقف أو ردع. أصبحت النزعة العدوانية سائدة كخطاب داخل المجتمع، خطاب العنف والدم رائج بكثرة بسبب أو بدونه، تعبير عن رفض الواقع المعيشي أو الرأي المخالف بسلاح العنف اللفظي والمادي. أصبحنا نشاهد جرائم بشعة في وضح النهار وأعقاب الليل يليه اعتداءات سافرة على المنشآت الصحية العمومية في حالة عجز الإطار الطبي على إنقاذ الضحية من الموت، فيصب أقارب الضحية جام غضبهم على المعدات الطبية أو الطبيب المباشر للحالة.

العنف كخطاب سائد لم يقتصر على عموم المواطنين، فقد انتقل إلى الطبقة السياسية والنخبة المثقفة، أصبحت المنابر الإعلامية ساحة لتبادل الشتائم وهتك الأعراض وحتى التهديد بالاستئصال بعيداً عن التحاور المعقول، والبحث عن مناقشة البرامج وإيجاد الحلول للمشاكل السياسية والاقتصادية. للأسف المجتمع أصبح مسرح كبير لكل المظاهر السلبية الضاربة لكل القيم النبيلة عرض الحائط، فلا صداقة أصبحت رمز للوفاء، ولا الحب ظل مدرسة العشاق، غلبت الانتهازية على طباع البشر، المصلحة الذاتية قبل تماسك المجموعة. البحث عن أسهل الطرق للنجاح بدون تعب أو اجتهاد وذلك لسيطرة الغزيرة على شخصية الفرد، وطمس لمعالم العقلانية في سلوكه الحياتي اليومي.

المصيبة الأكبر أن المدرسة الأولى والحاضن الأول للفرد عرفت تحطيم و تفكيك لها ألا وهي العائلة، فقد أصبحت في وقتنا الحالي فاقدة لكل أهلية ورمزية. صورة سيئة الإخراج للأسرة داخل المجتمع، تفكك مادي ومعنوي ساهمت فيه بصفة كبيرة التكنولوجيات الحديثة. كما شهدنا تحطم لصورة الأب التاريخية، فلم يعد الأب الشخص القوي والملهم لصغاره، بل قل احترامهم له وأصبح الأبناء خارج السيطرة الأبوية ليكون الشارع هو الحاضن والمربي وتكون دروس الرذيلة، الغش والانتهازية أولى الدروس التي يتلقاها الفرد لنحصل على نتيجة وخيمة وكارثية ويتحول قانون الغابة هو السائد، البقاء للأقوى وأي قوة، قوة تحطيم الأفضل، قوة تمجيد السارق والفاسد على حساب المتفوق والمثقف الذي أصبح بلا قيمة ولم يعد يحمل صفة النبوة. إنما الأمم أخلاق، إن ذهبت ذهبوا، يوم بعد يوم يزداد الوضع قتامة وبشاعة، وأصبحنا نعرف انقلاب قيمي وأخلاقي ساهم تدهور التعليم مساهمة فعالة للحالة الاجتماعية، بالإضافة لابتعاد الفرد عن المصادر التي تدعوه إلى الاستقامة وتحدد له سبل الرقي الفكري والأخلاقي. لكن للأسف كان للعولمة دور بارز في تحطيم الدين والفكر الفلسفي لصالح مناهج جديدة أصبحت تخاطب غريزة الفرد.