شعار قسم مدونات

العطاء.. ذلك الشعور الذي يحيينا

مدونات - العطاء الأم التحمل أم وابن

مما لا شك فيه، أن الإنسان مُذ وُجد على هذه الأرض، وحتى أن يشاء الله، كان ومازال يبحثُ عن أفضلِ شيء له، بداية من بحثه في القدمِ عن ماءٍ عذبٍ؛ يشربُ منه ويسكنُ إلى جانبه، حتى شراء سيارةُ أحلامه، مهما كلفته من مالٍ وجهد. الرغبةُ في الوُصُولِ إلى أفضلِ شيٍء، ذاك سببًا كافيًا كي يُحرك الإنسان ليعمل ويجتهد في عملهِ، ذاك هو السببُ الذي جعلَ الإنسانَ في الماضي يُفكر في صُنعِ ما سُمِي اليوم بـ "السيارة"؛ ليحصُلَ على الأفضل مما كان عليه، ثم طارت بِنا عُقُولُنا إلى السحابِ لنصنع الطائرات، ومنها إلى صواريخ الفضاءِ، ولا نعلم إلى أين ستصلُ بِنا رغبتنا وغريزتنا في الوُصولِ إلى ما هو أفضل.

  
كُل ما سبق وأكثر، شيٌء عظيمٌ لا يُنكَرُ فضلهُ أبدًا على الإنسان، ولكني هُنا أبحثُ عن شيٍء يختلفُ تمامًا عما سبق، أبحثُ عن الأفضل للمُحركِ الأول والأخير للإنسان، ألا وهو القلب، ذاك الجُزءُ الصغيرُ الذي يسكنُ في صدرك، يُريد أيضًا أن يُشعر بأفضل شيٍء على الاطلاق، فله عليك حُقوق؛ حتى يُكمل معك رحلتك في الدنيا بسلام. رُبما الحديثُ عن القُلوبِ وشعُورِها، شيء ليس بالدقيقِ أبدًا، فالقلوبُ تتقلبُ كما يتقلبُ الليلُ والنهار، بل أسرع وبلا تنبؤاتٍ، ولكن رغم ذلك؛ أؤمن من داخل قلبي- رغم تقلُباته- أنني وجدتُ أفضل شيًء قد يشعرً به كل قلبٍ ينبض في صدر كائن حي على وجه الأرضِ، ألا وهو العطاء. كلمة تقشعرُ لها الأبدان، وتبكي من شدة جمالِها القُلوب عندما تُذكر فقط، فكيف إذا شَعُرَ قلبُك بالعطاء جمالُه!
 

للعطاءِ أشكالٌ وألوانٌ كثيرةً، فهناك عطاءٌ معنوي، ومنه المادي، وأحب منه العطاء الأخلاقي، ولكن كُلها بلا استثناء تحمل الكثير من الدواءِ والسعادةِ للقلبِ

عقولنا البسيطة لم ولن تستطيع أن تُفسر كل ما تراه في حياتنا، ولكن دائمًا تشعُر قلوبنا- ولو غاب عنها الفهمِ-، فكم مِنا لم يفهم عقلُهُ ولم يُدرك تصرفاتٍ رأي منها الكثير على مر حياتهِ، فمثًلا تصرف أمٌ فقيرة تدّعي أنها أكلت وشبعت لتترك باقي الطعام حتى يشبع أبنائُها. أو تصرف نفس الأُم أيضًا وهي تقف طُوال الليل البارد في الشرفةِ، تقاوم النوم بكل قوتها وهي تنتظر مجيئك للبيت حتى تطمئن عليك. أو الأب الذي يعمل بكدٍ وجهدٍ طوال يومه، ورُبما أيضًا لبضع الوقت من ليله؛ ليشتري لأولادهُ ثيابًا جديدةً بينما ثوبه بُلي. صديقك، صديقك أيضًا الذي وقف بجانبك وأضاء لك نورًا –كان هو في أمس الحاجة إليه منك- بينما ذهب الاخرون وتركوك في ذاك الظلام المُوحش.

 

تلك المواقف، وأعظم منها بكثير يعجزُ العقلُ عن إيجاد نمطٍ لتِلك الأفعال، ولكنَ القلبَ يشعرُ بكلِ لحظةِ مما سبق، فلربما يفهم أكثر شيء يشتاق إليه! في ظاهر الأمرِ، لم تحصُل الأم على ما يُشبعها من الطعام، ولكن أشبعها ذاك الشُعور بالعطاء، أشبعَ قلبُها بأفضلِ شيءٍ لهُ، فلم يكُن هُناك فُرصة للشُعورِ بأي شيء آخر.

 

ويُسعدني أن أُخبرك بأن مُحاربة الأم لنومها وهي تنتظرُ في الشرفةِ رغم بُرودة الجو، تحولت إلى أفضلِ شُعورٍ قد تشعُر به عندما اطمأنت عليك، وتغلبَ هُنا القلبُ على العقلِ؛ فلم تشعُر بالبردِ ولم تُدرك حاجتها إلى النوم. لا أعلمُ كيف جعل الله ذاك الأب يرى جمال ثوبهِ رُغم قدمهِ، ولكن من المؤكد أن شُعُور العطاءِ هُنا أيضًا استحوذَ عليه، فانعكسَ جمالُ ثياب أولادهٌ في قلبهِ، كم كان مسرورًا عندما احتضنوا ثيباهُم الجديدةِ عند النومِ! رغم أنه ليس بأخٍ لك، ولا حتى يربُطهُ بك صلة قرابةٍ، ولكنهُ عندما أضاء لك ظُلمتك شعُرَ قلبُه بشعورِ الأُخوةِ، وكثيرًا من الحُب والاطمئنانِ، وكان ذلكَ أفضلَ شيٍء قد شعرَ بهِ على الإطلاق.
     
للعطاءِ أشكالٌ وألوانٌ كثيرةً، فهناك عطاءٌ معنوي، ومنه المادي، وأحب منه العطاء الأخلاقي، ولكن كُلها بلا استثناء تحمل الكثير من الدواءِ والسعادةِ للقلبِ. وحتى أشعرُ بأفضل شيء يمكنني أن أشعر به، سأخبرك بأن تُعطي كثيرًا، وقتما تُريد أن يشعرَ قلبُك أنت بالعطاءِ من أحدهِم. عندما سألني أحدهُم عن العطاءِ قُلت لهُ: "العطاءُ هو كشيٍء حيٍ، يُعيدُ كل ما هو ميتٌ إلى الحياةِ مرةً أُخرى، العطاءُ، هو أجملُ شيءٍ قد يشعرُ به الإنسان طُوال حياتهِ".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.