شعار قسم مدونات

غسان كنفاني.. رائد دراسة الأدب المقاوم والأدب الصهيوني

blogs - غسان كنفاني

في العقد السابع من القرن العشرين، أصدر غسان كنفاني ثلاث دراسات اكتشف فيها لأول مرة الإنتاجات الأدبية من الأرض المحتلة التي كانت صلتها بالعالم العربي قد انقطعت بعد الاحتلال الصهيوني، ففتح للعرب نافذة على الأدب العربي الفلسطيني الذي مليئ بالحيوية والأفكار الثورية، ورغم كل أسباب القمع لا يخلو عن الأمل والإيمان بالنجاة، وكذالك اكتشف لأول مرة الكتابة الصهيونية التي لعبت دورا مهما في تمهيد الطريق لقيام دولة إسرائيل المحتلة.

 

أدب المقاومة

أما الدراسة الأولى، فقد صدرت من دار الآداب بـ”بيروت” عام 1966م بعنوان “أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948-1966″، وهي تحتوي على ثلاثة فصول، الفصل الأول يتناول الإنتاجات الأدبية الفلسطينية بعد النكبة، والثاني يدرس البطل العربي في الرواية الصهيونية مقابل الأدب العربي الفلسطيني، والثالث يعرض نماذج من الشعر الفلسطيني.

 

وهذه الدراسة تعطي غسان مكان الريادة من ناحيتين، في ناحية إنه وضع مصطلحا خاصا للانتاجات الأدبية الثورية التي وجدت في فلسطين المحتلة لأول مرة، وهو مصطلح “أدب المقاومة” كما يبدو من عنوان دراسته. فقد عبر غسان عن الأدب الفلسطيني بـ”أدب المقاومة” لأن هذا الأدب يقوم ضد جميع أسباب القمع، ويشجع على الوقوف في وجه الاحتلال، ويحرض على الثورة، والمشي في سبيل الحرية رغم أن الطريقة شائكة. وهذا المصطلح الخاص لم يقتصر على الأدب العربي، بل سرعان ما سرى إلى الآداب العالمية الأخرى وتلقي بالقبول في الدول المحتلة من العالم. وقد اعترف بريادة غسان في

لم يقصر كنفاني "مصطلح أدب المقاومة" على الأدب العربي الفصيح فقط بل أطلقه على الشعر الشعبي أيضا الذي يمثل عنده قلعة المقاومة التي لا تهدم

هذا المجال النقاد الكثيرون، بل لا أبالغ إذا قلت أنه لا تخلو أية دراسة من دراسات أدب المقاومة عن ذكر غسان، فهو يمثل اللبنة الأولى التي قام عليها القصر الشامخ لأدب المقاومة.

 

ومن ناحية أخرى، إنه عرض الأدب العربي الفلسطيني أمام العالم العربي لأول مرة وأتاح الفرصة لقراء العربية أن يتعرفوا على هذا الأدب الفلسطيني الذي أكثر مقاوما من الأدب العربي في أي مكان آخر.

 

كان غسان قد كتب هذه الدراسة قبل نكسة 1967 التي انهزمت فيها القوات العربية على يدى إسرائيل وأتاحت لها الفرصة أن تحتل غزة، و نهر الأردن، و الضفة الغربية. وبما أن المصادر لم تكن متوفرة بسبب الحدود الإسرائيلية المغلقة على العرب، والقمع الإسرائيلي للعرب في داخل إسرائيل، إنه سمى الأوضاع التي كان الفلسطينيون يعيشون فيها في الأرض المحتلة بـ”الحصار الثقافي”، وفي الحقيقة دراسته هذه تبدو كأنها نقب في هذا الحصار إذ حاول أن تكون دراسته هذه وثيقة أكثر من أن تكون تحليلا نقديا للنص الوارد فيها.

 

ولم يقصر كنفاني "مصطلح أدب المقاومة" على الأدب العربي الفصيح فقط بل أطلقه على الشعر الشعبي أيضا الذي يمثل عنده قلعة المقاومة التي لا تهدم، فقد تناقلته الأجيال عن طريق الحفظ، وتغنت بها الأمهات لأبنائهن الناشئين، والفتيات لإخوانهن الصغار.

 

إنه يميز في هذه الدراسة بين الأدب الذي كتب في الأرض المحتلة وسماه بـ“أدب الاحتلال”، والأدب الذي كتب في أرض الشتات وفي المنافي والمخيمات وسماه بـ”أدب المنفى”، وعنده أدب الأرض المحتلة أدب الإشراق والثورة والأمل حينما أدب المنفى عبارة عن النواح والبكاء، واليأس والحنين إلى الوطن. و تقول باربارا هارلو: “هذا التمييز يدل على علاقة أناس الخاصة بالأرض المشتركة، وبالهوية المشتركة، وبالقضية المشتركة بينهم، وعلى أساس هذا الاشتراك، يمكن الفصل بين شكلين من الوجود التاريخي والسياسي، وهما الاحتلال والمنفى. وهذا التمييز يدل على قوة محتلة أخضعت شعبا أو نفتهم، وبالإضافة إلى ذلك، إنها تدخلت في التطور الأدبي والثقافي للذين سلبت أراضيهم، واحتلت مناطقهم. وفي ألفاظ أخرى، إن الناقد (غسان كنفاني) قد عرض الأدب كمجال للكفاح".

 

في عام 1966 عندما كتب كنفاني دراسته هذه، كان أدب الأرض المحتلة مجهولا في العالم العربي وغير معروف خارج الحدود الإسرائيلية بسبب القيود الرسمية والقمعية. ولذلك ركز كنفاني عمله وجهوده على توثيق الإنتاجات الأدبية الفلسطينية التي ولدت تحت السلطة الإسرائيلية التي أطلق عليها غسان مصطلح “الحصار الثقافي”. ونفس الأوضاع السياسية التي قامت بتحديد الإنتاجات الأدبية في إسرائيل، أدت دورا مهما في تحديد الموازين والمناهج في الكتابة النقدية الأدبية الفلسطينية في المنفى.

 

الأدب الفلسطيي المقاوم

أما دراسته الثانية التي صدرت عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، لأول مرة عام 1968 بعنوان “الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948-1968″، فكانت خطوة ثانية في هذا المجال وجاءت بعد الدراسة الأولى بسنتين، واستفاد غسان في كتابتها من الحدود الإسرائيلية المفتوحة حديثا بين إسرائيل والضفة الغربية، و أكد على العلاقة المتكاملة بين المقاومة المسلحة والمقاومة الأدبية، وادعى على أنه “ليست المقاومة المسلحة قشرة، هي ثمرة لزرعة ضاربة جذورها عميقا في الأرض.” وقال “إن الشكل الثقافي في المقاومة يطرح أهمية قصوى ليست أبدا أقل قيمة من المقاومة المسلحة ذاتها”.

 

خلال دراسته للأدب الصهيوني المكتوب أو المترجم بالإنجليزية، أدرك غسان الدور الهام لهذا الأدب الذي استخدمه الصهاينة في حملاتهم الدعوية، و نشر رؤيتهم في العالم

ومن ميزات هذه الدراسة الفصل الذي يدرس الوضع الثقافي لعرب فلسطين المحتلة، وغسان قد تكلم عن نوعية هذا البحث في المقدمة فيقول “إن ما يهم هذه الدراسة، في الأساس، هو أنها تحاول تقديم وثيقة أخرى للأدب الفلسطيني المقاوم بعد الوثيقة الأولى التي جاءت قبل ثلاث سنوات في كتاب أدب المقاومة في فلسطين المحتلة، فإذا حققت ذلك فإنها لا تطمع إلى شيئ آخر”.

 

في الأدب الصهيوني

هذه الدراسة التي صدرت لأول مرة عام 1967 بعنوان “في الأدب الصهيوني”، في بيروت، تأتي بين الدراستين المذكورتين أعلاه، فنشرت بعد الدراسة الأولى بسنة، و قبل الدراسة الثانية بسنة، و يبدو أن هذه الدراسة جاءت مكملة أو امتدادا للفصل الثاني من الدراسة الأولى، الذي تناول “البطل العربي في الرواية الصهيونية مقابل الأدب العربي الفلسطيني”، وكذلك يبدو أن غسان كان يدرس الأدب الصهيوني أيضا بالإضافة إلى دراسته للأدب الفلسطيني المقاوم.

 

وقد ساعد غسان في دراسته للأدب الصهيوني إلمامه باللغة الإنجليزية، فقد كان تعلم في مدرسة في يافا كانت تركز على الإنجليزية. و خلال دراسته للأدب الصهيوني المكتوب أو المترجم بالإنجليزية، أدرك غسان الدور الهام لهذا الأدب الذي استخدمه الصهاينة في حملاتهم الدعوية، و نشر رؤيتهم في العالم، وإقناع دول أوربا في إقامة دولة لهم، فالأدب الصهيوني -بغض النظر عن لغة الكاتب، وبلده، ودينه، وعرقه- ليس إلا السلاح الذي خدم حركة الصهاينة لاستعمار فلسطين.

 

ومن خلال دراساته المذكورة أعلاه، قام غسان كنفاني بتجسيد حكمتين: أولا “اعرف نفسك”، و ثانيا “اعرف عدوك”. فعن طريق دراستيه في أدب المقاومة إنه جسد الحكمة الأولى أى “اعرف نفسك” حينما عن طريق الدراسة الثالثة “في الأدب الصهيوني” إنه قام بتجسيد الحكمة الثانية يعني “اعرف عدوك”، كما يقول بنفسه عن دراسته: “وكل ما تطمح إليه هذه الدراسة هو أن تلقي ضوءاً آخر على الشعار الصعب اعرف عدوك.” وذلك ليس للمعرفة الباردة أو التأملية فقط، بل للرصد، والاستعداد، والصراع.

 

خلاصة القول

من خلال هذه الدراسات الثلاث، ظهر غسان أمامنا رائدا في دراسة الأدب المقاوم وكذلك رائدا في دراسة نقيضه المعروف بالأدب الصهيوني كما يقول محمود درويش في مقدمة المجلد الرابع للأعمال الكاملة لغسان كنفاني: “في الوقت الذي كان يكشف فيه غسان كنفاني غطاء السر عما يكتبه كتاب الأرض المحتلة العرب، كان يدرس نقيض هذه الكتابة وإحدى مواد محاوراتها: الكتابة الصهيونية، ودورها في تشكيل الوعي والكيان، الصهيونيين. وبكلمات أخرى كان يدرس فاعلية الكتابة لدى العدو، فقدم بذلك أول دراسة عربية عن واحد من أخطر الموضوعات الصهيونية.

 

فكان غسان كنفاني في كتابته عن الأدب الصهيوني أيضا كاشفا و رائدا مثلما كان في كتابته عن الأدب المقاوم الفلسطيني، ومثل محمود درويش قد نعته عادل الأسطة أيضا بالريادة في الدراسة عن الأدب الصهيوني فيقول: “قد كان كنفاني أول من كتب دراسة باللغة العربية حول الأدب الصهيوني.” وفي الحقيقة، كان غسان قد بدأ دراسة الأدب لدى العدو قبل أن يبدأ دراسة الأدب المقاوم في الأرض المحتلة، ويدل على ذلك بحثه الذي أعده بعنوان “العرق والدين في الأدب الصهيوني” عندما كان طالبا بجامعة دمشق في وقت مبكر من حياته.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.