كيف يتأثر سلوك الإنسان بالمجتمع المحيط به؟

"الناس يسببون المرض للناس وبالتالي عليهم أن يأخذوا بأيديهم إلى السواء والصحة النفسية".. عبارة أو مقولة استنتجها عالم النفس الاجتماعي هــــــاري ستاك سوليفـان من تجربته الشخصية المريرة؛ حيث عانى في طفولته وشبابه من مشاعر الوحدة والقلق والإدمان والاضطراب النفسي، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن لشخص عانى من مشكلات نفسية حادة أن يقدم نصائح مفيدة للآخرين؟ 

لطالما استوقفتني نظرية سوليفان في العلاقات البين شخصية، هذه النظرية التفاعلية والتي تناقش تطور الشخصية بعدها وظيفة ونتاج التوقعات الفردية والاجتماعية، والتي أوجز بعضا من أبعادها التربوية فيما يلي:

* إن الفرد يسلك السلوك الذي يتوقعه منه الآخرون، أي أن السلوك هو نتاج ورد فعل لتوقعات المجتمع منه والتي تؤثر بشكل مباشر في توقعاته وتنبؤاته المستقبلية وهذه نقطة مهمة للتربويين من آباء ومعلمين وأقارب ومجتمع ككل توضح أهمية التوقعات والصور الذهنية والأحكام المسبقة التي تطلق على الفرد فيتقولب بقالبها ويسلك سلوك ينسجم معها وقد تكون هذه التوقعات إيجابية توقظ جذور الإبداع والتميز أو سلبية تخمدها.

* الشخصية ليست ثابتة بل متغيرة، فليس هناك شخصية واحدة وهذا ما أطلق عليه سوليفان مصطلح "وهم الفردية"؛ أي أن هناك شخصيات كثيرة لدى الفرد بحسب طبيعة العلاقات البين شخصية (العلاقات مع من لهم أهمية سيكولوجية للفرد) ودرجة تأثيرها، وهذا ما يفسر وجود تقييمات مختلفة لنفس الفرد من قبل المجتمع، فقد يكون طيبا في نظر البعض وقاسيا في نظر البعض الآخر، نشيطا وكسولا، معطاء وأنانيا، أي أن الفرد قد يسلك سلوكا مختلفا في بيئات مختلفة ومع أشخاص مختلفين لذلك بعض التغييرات في الحياة مؤثرة في الشخصية ومنها مكان السكن، والمدرسة، والعلاقات الشخصية الجديدة والأصدقاء، والتخصص الدراسي وطبيعة العمل والخبرات الجديدة.

النقد المستمر للطفل من قبل الوالدين والمعلمين والأقارب يشعره بالقلق والتوتر مما يؤدي إلى الكبت وإنكار الذات وعزل الخبرات وظهور الاضطرابات النفسية لاحقا

* الأطفال بحاجة إلى الاتصال الجسمي الحميم مع الوالدين خاصة الأم أو من يقوم مقامها مثل المربية في مراكز الأيتام في مرحلة الرضاعة وفي مراحل متقدمة أيضا، ويتضح أهمية وجود الأم المتوازنة حيث أن الأم القلقة تنقل مشاعر القلق لابنها الرضيع، وينتقل القلق ويزداد بتوسع العلاقات الشخصية في الأسرة والمدرسة والمجتمع.

* النقد المستمر للطفل من قبل الوالدين والمعلمين والأقارب يشعره بالقلق والتوتر مما يؤدي إلى الكبت وإنكار الذات وعزل الخبرات وظهور الاضطرابات النفسية لاحقا، مما يشير إلى أهمية الابتعاد عن التوبيخ والنقد والسخرية والنبذ فالأطفال حساسون جدا لمواقف الكبار منهم يشعرون بالأمان عندما يتم تقبلهم واستحسانهم، بينما يشعرون بالتوتر عندما لا يتم تقبلهم واستحسانهم، وعلى الأهل تجنيب أبنائهم العلاقات والمواقف التي تدمر تقديرهم الإيجابي لذواتهم وتوعيتهم بما يدور حولهم وبأهمية إحاطة أنفسهم ببيئات اجتماعية تدعم تطورهم ونموهم .

-الحصول على الاستحسان والتقبل الاجتماعي والرضا والأمان وإشباع الحاجات الفسيولوجية هو هدف السلوك الإنساني ، والشخصية تنمو من خلال مجاولات الفرد التغلب على مشاعر القلق الناجمة عن الحاجة إلى إشباع الرغبات الفسيولوجية مثل الطعام والشراب النوم والجنس، وأيضا تنمو من خلال التغلب على التوترات ذات الصلة بالمصادر النفسية والاجتماعية الناشئة عن العلاقات الشخصية وانعدام الأمن الاجتماعي.

* مع أهمية مرحلة الطفولة في تشكيل الشخصية ألا أنها قد تتغير كثيرا في السنوات اللاحقة، والمرحلة الأهم والأخطر هي المراهقة حيث يؤدي مجتمع الرفاق دورا مهما في تشكيل الشخصية وصحة الفرد النفسية من خلال التقبل أو الرفض الاجتماعي، وعلى الأهل مساعدة الأبناء على تكوين الصداقات الجيدة والمثمرة ودعمها وتيسيرها، ومرونة الشخصية تمنح الأمل بإمكانية التغيير الإيجابي في السلوك إذا ما أتيح للفرد تكوين علاقات جديدة أكثر انفتاحا وتقبلا.

الإنسان يكون شخصيته من خلال تكرار السلوكيات والتي تتأثر بالعلاقات الشخصية المؤثرة والتوقعات الاجتماعية، ويطور إدراكه من خلال الانتباه الانتقائي لما يدور في بيئته
 

* العلاقات الإيجابية المفعمة بالحب والمرونة والتقبل غير المشروط تساعد الأفراد على تجاوز كثير من المشكلات، وعلى المجتمع تجنب الوصم وإعادة النظر في كثير من المصطلحات التي تطلق على الأفراد فتحد من تقديرهم لذواتهم ومن فرص تقدمهم.

* التوتر الخفيف جيد ومفيد لأنه يدفع الإنسان إلى العمل على تجاوز هذا القلق وخفضه وبالتالي الإنجاز، فقلق الطالب الخفيف من الامتحان يدفعه إلى الاجتهاد لتجاوز هذا القلق.

خلاصة ما سبق أن الإنسان يكون شخصيته من خلال تكرار السلوكيات والتي تتأثر بالعلاقات الشخصية المؤثرة والتوقعات الاجتماعية، ويطور إدراكه من خلال الانتباه الانتقائي لما يدور في بيئته، وما يتلقاه من عوامل دعم نفسي وبناء وتقبل واستحسان، لذا على المجتمع بكافة مؤسساته التربوية إتاحة فرص النجاح للجميع في جو من العدالة والشفافية والاحترام.

ربما كانت تجربة العالم سوليفان الشخصية غنية جدا وعميقة، تؤكدها تجربة الممرضة الأسترالية "بروني وير" التي كانت تعتني بالناس في الفترات الأخيرة من حياتهم، فسجلت أكثر الأمور التي ذكروا أنهم ندموا عليها، كان أبرزها "ليتني كنت أملك الشجاعة لأحيا حياة صادقة مع نفسي، لا الحياة التي توقعها الآخرون مني".



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة