رواية "ساحر أوز العجيب".. عندما نقع ضحايا بائع الأوهام

مدونات - ساحر أوز العجيب

في رائعة فرانك باوم الشهيرة "ساحر أوز العجيب"، فتاةٌ صغيرة من كنساس تدعى دوروثي تملُّ العيش في مزرعة عمّها وتتمنى مغادرتها، فجأةً تجدُ نفسها وسط إعصار هائل ينقلها إلى عالم سحري جميل يدعى عالم اوز. لكن ما تلبث أن تشتاق لبيتها وأهلها وترغب بالعودة بشدة لمزرعتها في كنساس. يخبرها الأقزام ان الشخص الوحيد الذي يقدر على تلبية أمنيتها هو ساحر أوز العظيم، ويرشدونها إلى طريق الآجر الأصفر المؤدي إلى مدينة الزمرد حيث يقيم الساحر العظيم أوز.

  
في طريقها للبحث عن ساحر أوز العجيب تلتقي فزاعة طيور تنشد الحصول على عقل، فترافقها في رحلتها إلى الساحر علّها تجد ضالتها هناك، ينضم إليهما لاحقا رجل صفيح يريد قلبا ليشعر بالحب وأسدٌ ينشد الحصول على شجاعته المفقودة لكي يستشعر (أسديته). يجتازون درب الآجر الأصفر بمشقةٍ بالغة، ويصلون أخيراً إلى مدينة الزمرد حيث يشترط الساحر أوز عليهم أن يأتوه بمكنسة ساحرة الغرب الشريرة لكي يحقّق حاجاتهم وأمنياتهم العزيزة. بعد رحلة بحثٍ مضنية يتعرضون خلالها لعقبات ومصاعب مهولة ينجحون بإحضار المكنسة إلى الساحر العظيم. لكن يشعرون بخيبة أمل بالغة عندما يكتشفون أن ساحر أوز العظيم كان يخدعهم ولم يكن سوى عجوزٍ ضئيل البنية لا يملك من أمره شيئا يختبئ طوال الوقت خلف ستارة، يحرك آلاته وينفث أدخنته ليوهم الجميع بعظمته الزائفة وأن ما أعطاهم إياه ليس سوى كيس من نخالة الشعير على أنها عقل، ووسادة على شكل قلب محشوة بنشارة الخشب، ولم يجد للأسد سوى وسام نحاسي ليمده بالشجاعة!
   
لتعزيتهم تذكرهم دوروثي أنهم ليسوا بحاجة الساحر من البداية وأنهم يملكون اصلا ما يبحثون عنه. فالأسد أظهر شجاعته اثناء دفاعه عنها وعن رفاقه، ورجل الصفيح لم يكن بحاجة لقلب وهو الذي احاطهم طوال الرحلة بالطيبة والحرص، أما الفزاعة فهي من كانت تأتي بأذكى الحلول كلما تعرضوا لمشكلة. حتى دورثي كانت تملك حذاءً سحرياً أهداه لها الأقزام عند وصولها لهذا العالم العجيب يمكنها من الانتقال إلى أي وجهة تريد. فيعود إيمانهم بأنفسهم وتعود دوروثي إلى مزرعتها في كنساس.

 

حتى تجار الدين والكهنة على مر العصور كانوا يوهمون العامة أنهم قاصرون عن الاتصال بالإله وأن طريق النجاة الوحيد هو طريق الآجر الأصفر الممتد عبرهم

ما يحاول باوم إيصاله بروايته هو أننا كبشر، وفي سعينا للبحث عن السعادة وتحقيق ذواتنا واستشعار أهميتنا، دائما ما نقطع أبعد المسافات ونقع ضحيةً لبائعي الأوهام وتجار الأحلام لنكتشف في النهاية أننا الوحيدون القادرون على تحقيق ذلك، وأن الأمر يتطلب فقط الإيمان بأنفسنا وإدراك عناصر قوتنا وخوض تجاربنا ومعاركنا لتحصيل غاياتنا، إن لم نكن نملكها أصلا طوال الوقت.
   
في عالمنا الواقع، إذا نظرت حولك ستجد أنّ ساحر أوز يتجسد في كل مكان؛ الشركات العملاقة وجيوش التسويق الخاصة بها يرشقونك بالإعلانات التجارية حيثما يمّمت وجهك، في الشارع والتلفاز وحتى داخل تطبيقات هواتفنا الذكية، يشعرونك أن جمالك وأناقتك لن يكتملا إلا بشرائك لذلك العطر الرجالي باهظ الثمن الذي سيجعل الفاتنات يتراقصن حولك، او بأحمر الشفاه (الماركة) الذي سيعطل حركة المرور من حولِك ويجعل الرجال يصطدمون بالواجهات الزجاجية عند رؤيتك تصبغين به شفاهك. بل إن أساليب التسويق الإلكترونية وبعد انتُهِكت خصوصياتنا في العالم الافتراضي صارت تعرف ماذا نريد قبل أن نعرف نحن ماذا نريد. فمثلا عندما تستشعر المجسّات البرمجية في الشبكة العنكبوتية أن مستخدميها قد رزقوا بمولود جديد ستمطرهم بإعلانات حليب الأطفال وألعابهم وملابسهم الجميلة المزركشة وستشعرهم الفيديوهات التسويقية أنهم لن يكونوا أولياء أمور محبّين لأبنائهم ما لم يشتروا تلك الحاجيات من شركتهم تحديدا.
    
تعتمد الشركات الكبرى أسلوب ساحر أوز بالتعظيم الإيهامي من خلال تدشين اسم الماركة أو البراند في عقول الزبائن، الذين بدورهم يشترون المنتج بأضعاف سعره المستحق فقط لينعموا بشعور امتلاكهم لهذه الماركة. طبعا يغفل الأفراد في هذه الضوضاء السيكولوجية أن الجمال الحقيقي هو جمال الأنسان الداخلي وثقته بنفسه التي تنشر الألق والجاذبية حوله، وأن السعادة التي اكتسبوها باقتناء تلك الكماليات سرعان ما تنضب ولن تدوم ما لم تكون نابعة من الداخل مرفودة بالقناعة والشعور الداخلي بالاكتمال.
 

undefined

  
القادة السياسيون أيضا يزرعون بوجدان شعوبهم أنهم بحاجتهم باستمرار ليعيشوا آمنين ويجدوا لقمة عيشهم في حين أنهم هم من يحتاجون شعوبهم لكي يعيشوا ويقتاتوا من أصواتهم وأموال ضرائبهم. ودائما ما يختلقون عدوا خارجيا يتجهز للانقضاض على بلدهم ليصوروا أنفسهم على أنهم الحصن الحامي والدرع الواقي لشعوبهم الذين بدورهم يبدؤون بالتنازل عن حقوقهم وحرياتهم فقط لاستمرار بقاء تلك الأنظمة.
   
حتى تجار الدين والكهنة على مر العصور كانوا يوهمون العامة أنهم قاصرون عن الاتصال بالإله وأن طريق النجاة الوحيد هو طريق الآجر الأصفر الممتد عبرهم. في العصور الوسطى كان القساوسة يبيعون صكوك الغفران للناس واعدين أياهم بالتطهير الأبدي تماماً مثل ساحر أوز الذي أعطى رجل الصفيح وسادة على شكل قلب محشوة بنشارة الخشب على أنها القلب الذي سيمدّه بالحب. أغلب أساطين الدعاة النجوم والذين يتكاثرون كالفطريات على المحطات الفضائية يستخدمون أسلوب الساحر أوز بالإيهام مستخدمين آلاتهم البلاغية وستارا من الخشوع المتكلف ليحج الناس إلى قنواتهم وصفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى أن أحدهم ظهر مؤخرا بفيديو يدعو الله أن يغفر حصريّا لمتابعيه على صفحته بالفيسبوك! طبعا هم لن يخبروا أتباعهم أبدا أن الله أقرب إليهم من حبل الوريد وأنهم ليسوا بحاجة لوسيطٍ يقربهمم إلى خالقهم، لأنهم بذلك سيجدون أنفسهم عاطلين عن العمل.

  
إنّ من ينشد الكاريزما والسعادة والشعور بالاكتمال عبر سلعة يبتاعها أو استجداء مباركة الآخرين هو تماما مثل شخصيات الرواية السالكين لطريق الآجر الأصفر صوب ساحر أوز العجيب، ولهم يحاول فرانك باوم القول: عودوا من حيث أتيتم، فما تنشدونه لن تجدوه في مدينة الزمرد، ولكن إن بحثتم جيِّدا ستجدونه في داخل وجدانكم وأعماق ذاتكم.