الفيمينست.. من عداوة الاضطهاد إلى عداوة المرأة

blogs النسوية

(Feminism) أو "النسوية" مصطلح لطالما كان سببا في كثير من اللغط والشد والجذب فما أن يتم ذكره في موضع حتى تتعالى الأصوات بين مدافع ومعارض، ويطلق على هذا الصنف المدافع عادة بـ"الفيمنست" (Feminist).

نشأت الحركات النسوية في العالم في زمن كانت تعاني فيه المرأة من أشد أنواع الاضطهاد والتفرقة التي كانت تصلى بها المرأة وتكوى، واختلفت التواريخ والآراء حول بداية الحركات النسوية بشكلها المنظم والموجود حاليا والتي ارتفعت فيه أصوات المرأة للمطالبة بحقوقها جهارا، فذلك حسب المؤرخين يعود إلى نهاية القرن 19 وبداية القرن 20؛ وإن كانت هناك دعوات سبقت هذا التاريخ من كتاب وأدباء ومفكرين خلال عصر التنوير وبعد الثورة الفرنسية التي غيرت نظرة المجتمع داعية إلى الحرية، فكان لزاما على تلك الدعوة أن تشمل جميع أفراد المجتمع.

تختلف التعاريف التي تحاول أن تصف الحركات النسوية، فعلى ألسنة ناشطاتها وبين محاولة القواميس تعريفها تدور الفكرة حول حقوق المرأة والمحافظة عليها أو استردادها، وحفظ حقها كإنسان متفرد مسؤول. تقول الناشطة النسوية ميليسنت غاريت عن الحركة النسوية: "هي إعطاء كل امرأة الفرصة لتحقيق أفضل ما تجعلها ملكاتها الطبيعية قادرة على أن تحققه"، وهو تعريف ربما يكون فضفاضا ولكنه يلخص لمفهوم النسوية بشكل عام، بينما تأخذ بعض التعاريف طابعا أكثر حدة متهمة فيها الرجل بأنه أساس المشكلة فتقول أليس ديوير لتصيغ تعريفها في شكل حوار:

* أمي ما هي النسوية؟

** النسوية يا ابنتي هي أي امرأة الآن تهتم بأن تفكر بمشاكلها الخاصة بحيث يعتقد الرجال بأنها لا شيء.

بدأت الحركات والدعوات إلى إنصاف المرأة في العصر الحديث على يد رجال دعوا إلى إنصاف المرأة وحفظ حقوقها كفرد كامل وليس كجزء أو قطعة من المجتمع

أما لويز توبان إحدى ناشطات منتصف القرن الماضي فتقول: هي انتزاع وعي فردي بداية، ثم جمعي متبوع بثورة ضد موازين القوى الجنسية والتهميش الكامل للنساء في لحظات تاريخية محددة. 

ولقد مرت الحركات النسوية بشكلها الحديث بثلاث مراحل أو موجات؛ أولها كانت في نهايات القرن التاسع عشر يطالبن فيها بحقهن في التصويت والمشاركة السياسية وحقهن في التعبير، تلتها الموجة الثانية وقد كانت مواصلة للموجة الأولى حيث جاءت في منتصف القرن الماضي تدعو إلى العمل ضد هيمنة الرجال دون النساء، وانتشار التعصب، والتمييز الجنسي. أما الموجة الثالثة والتي ظهرت في نهايات القرن الماضي فهي مواصلة ومحاولة لترسيخ فكرة الموجة الثانية، وهي ربما تكون أشدها إزعاجا للبعض وأشدها تطرفا في أفكارها بحيث تدعو إلى المساواة المطلقة.

وكما تختلف التعاريف تختلف الأيدولوجيات والمدارس النسوية؛ وهي مهمة لفهم الطريقة التي تنظر بها النسويات إلى النسوية ومشاكلها، فبين حركات نسوية أخذت أفكارها من الحركات السياسية فتلونت بلونها؛ كالنسوية الاشتراكية التي ترى المشكلة في النظام الذي يستغل ضعف قوة العمل وتحقيرها من خلاله، سواء كان مدفوع الأجر أم لم يكن، وبذلك يكون الحل في تغيير النظام كليا، أما الليبرالية منها ترى مشكلة المرأة كفرد بعيد عن المجتمع، ومتى ما استطاعت المرأة كفرد النهوض بنفسها تحققت المساواة بينها وبين الرجل.

وباختلاف وجهات نظر الفريقين الأولين تظهر بعض المدارس الأشد تطرفا، فبين المدرسة الراديكالية التي ترى المشكلة في النظام الذي يفضل الرجل، وللحصول على المساواة لا بد من هدم هذا النظام كليا، وبين المدرسة اللادينية التي ترى أن أساس المشكلة هي الدين؛ والتي يكتسب منه الرجل سلطته، وهو السبب الرئيس في اضطهاد المرأة. تظهر اليوم حركات نسوية مختلفة حتى تطرفت بعضهن بفكرة النسوية للدرجة التي دعت إلى عدم الزواج لما في الجنس والإنجاب من الخضوع للسلطة الرجولية، وألفت بعضهن بعض الأعمال كسيمون دي بوفوار صاحبة كتاب الجنس الاّخر، وجيرمين غرير صاحبة كتاب الخصي المؤنث.

ولأن العالم العربي ليس معزولا عن العالم؛ كان لزاما أن تمتد أمواج النسوية إلى العالم العربي في مجتمع كان يزخر في القرون الماضية بتلك الأسباب التي قامت من أجلها هذه الحركات النسوية، في مجتمع له إرث قديم ربما اندثر مع الأيام لحفظ حقوق المرأة وصيانتها وإعطائها حقوقها، في زمن كانت الأنثى لها كيانها القائم بينما كانت تعتبر إنسانا ناقصا ومشوها لدى بعض المفكرين والأوساط، لتنتج عن ذلك أولى الحركات النسائية في بداية القرن العشرين بتأسيس الاتحاد النسائي المصري عام 1923.

 

ثم تتوالى النشاطات والحملات منذ ذلك الحين مدافعة عن حقوق المرأة بين المحفوظ منها وبين ما يعتبره البعض تعديا وتجاوزا؛ ليتعدى مرحلة الحقوق. فبعد هدى شعرواي إحدى أشهر الناشطات وإحدى مؤسسيها وبين المعاصرات منهن كنوال السعداوي أو فاطمة المرنيسي منجية السوايحي وغيرهن مهما جعلهن عرضة للهجوم والتهديد بالقتل أحيانا، ولتنشأ مدرسة جديدة تسمى بالنسوية الإسلامية تدعو إلى عدد من الأمور؛ كمعارضتهن لتعدد الزوجات ودعوتهن للمساواة في الميراث وإيمانهم بإمكانية قيادة المرأة للدولة والسماح لها بإمامة الصلاة، أو حق الطلاق في المحكمة. ويتطرق البعض إلى الملبس ولا يرى وجوب الحجاب أو حتى رؤية البعض له كقيد ونوع من اضطهاد المرأة.

والملاحظ لتسلسل الأحداث ورحلتنا خلال تاريخ ونشأة الحركات النسوية إلى يومنا هذا يرى التغير الواضح ومرحلة الانصهار والتشكل الذي مرت به الحركات النسوية إلى وصولها إلى هذا الشكل الموجود حاليا؛ والذي كان نتيجة لمخاض طويل وصراعات طويلة جعل الحركات الأنثوية تختلف في الوجهات وطرق الوصول إلى تلك الحقوق فكان بعضها خصما عليها.

undefined

بدأت الحركات والدعوات إلى إنصاف المرأة في العصر الحديث على يد رجال دعوا إلى انصاف المرأة وحفظ حقوقها كفرد كامل وليس كجزء أو قطعة من المجتمع، وتتالت في القرن 19 والقرن 20 الكثير من الأعمال الأدبية والمسرحية التي تدعو إلى إنصاف المرأة وبذل حقوقها غير منقوصة؛ قبل قيام النسوية الحديثة ليجد الرجل أو بعض الداعيين إلى ذلك أنفسهم فجأة عرضة لشظايا نيران النسوية ويصبح جزء من المكون الذكوري عرضة للهجوم بعد أن اتخذت بعض الحركات النسوية موقفا أكثر تطرفا، ويتحول الأمر من مهاجمة الاضطهاد والقهر إلى مهاجمة الرجل وجعله الهدف الأول للحملات النسوية.

ثم تطورت الحركات النسوية وأصبح بعضها أكثر تطرفا؛ فانشغلت الحركات النسوية وبعض ناشطاتها في حروب هامشية شتت الرأي العام وأبعدت القضية النسوية عن مغزاها الحقيقي، وشوهت نظرة البعض لها وأفقدها بعض التعاطف الذي كان يبذله ويكنه لها جزء لا بأس به من المجتمع؛ بل أكدت مخاوف البعض؛ بل أصبح بعضهن تجسيدا دقيقا لما كن يحاولن ضحده كمفهوم التشيئ.

اتسمت بعض الحملات النسوية بالعنف وأحيانا بالتطرف في مهاجمة بعض المعارضين للفكرة أو لأجزاء منها، فجعلوها لزاما مقدسا لا يتجزأ، ينبغي الإيمان بها جملة وتفصيلا، واقتباسا أو انزالا للنموذج الغربي وإسقاطه على مجتمع مختلف التركيب والمرجعية؛ فنتج عن هذا صورة مشوهة وسبّب خللا في المفهوم العام؛ مما ضرها فانشغلت بحروب كان أولى بها السعي إلى مشاكل كانت تواجه المرأة العربية، فاندثرت الأساسيات نتيجة للفروع التي كانت نتاجا لإسقاط الفكرة من دون مراعاة الاختلاف بين المجتمعات ومشاكلها.

تطرف أدى بالحركات الأنثوية إلى إقصاء بعد فئات المجتمع الأنثوي نفسه بحجة عدم مواكبتهن لفكرة النسوية أو إيمانهن المطلق بها؛ مما جعلهن يتهمن بعضهن بالرجعية أو التخلف أو حب الذل والخضوع وافتراض عدم أهليتهن لاتخاذ القرار ليسمحن لأنفسهن بالتحدث نيابة عنهن، وضحد الفكرة الأساسية التي قامت عليها النسوية الحديثة ،وإجبارهن للقبول بالفكرة مطلقة دون التركيز على حل بعض المشاكل التي تواجههن بغض النظر عن بعضها الآخر، مما جعلهن يخسرن جزءا آخر كان من المفترض أن يكون داعما للوقوف ضد ما خرجن له.

تبقى فكرة النسوية -إن اختلفنا أو اتفقنا معها- واقعا معيشا، وهي نتاج لبعض التحديات التي تواجه المرأة عالميا وعربيا في بعض حقوقها؛ كحقها في التعليم واختيار الزوج أو الوقوف في وجه بعض طموحاتها المشروعة، ولكن بين القضايا التي تواجهها وبين طريقة الوصول إليها تنتج الكثير من التحديات؛ بين حقوق مشروعة ودعوات ربما تكون غاية في التطرف، ومحاولة إزالة ذلك الاختلاف الجبلي من ذكر وأنثى ناظرين إلى هذه النعمة والسنة الكونية كنقمة، ودعوة إلى مساواة كاملة لا تستقيم لخلقين مما أبدع الخالق، كونهما مختلفين لا ينقص ذلك من أحدهما، ولا يرفع طرفا على آخر؛ لتصبح إحدى ضحايا تلك الحركات الأكثر تطرفا من الحركات النسوية النساء أنفسهن، أمر تجلى في دعوات بعض الناشطات إلى رفض مصطلح النسوية نفسه، وتصنيف كل شيء إلى نحن وهم داعيات إلى خصوصيتهن فيما لا يتعارض مع مطالبهن وحقوقهن، وتعلق على تلك الحالة من الفوضى الناشطة الأميركية غلوريا ماري ستاينم: "لقد أصبحنا الرجال الذين أردنا أن نتزوجهم".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان