التواصل الشُرطي عبر الإعلام الجديد

مدونات - وسائل مراقبة
عندما تتبنى الأجهزة الشرطية شعار: "الشرطة في خدمة الشعب" في بلد ترتكز فلسفة الحكم فيه على احترام الأفراد والحفاظ على الصورة الذهنية الإيجابية، يصبح التواصل هو الوجه المشرق لهذه الخدمة. أي أن الشرطة تتخذ من العمليات التواصلية وسيلة وغاية معا.

إن جوهر خدمة الشعب يتجلى في توفير الأمن، والذي تنبني عليه الحياة السليمة في كافة أرجاء الدولة. والأمن يبدأ من تداول البيانات والمعلومات والأفكار بين أفراد المجتمع قبل أن تتحول المعرفة إلى سلوك يهدد الأمن أو يعززه. وبعبارة أخرى، يمكن القول إن غايات الشرطة هي تحقيق الأمن والطمأنينة لأفراد المجتمع حتى يتسنى لهم ولبقية أجهزة الدولة أن تقوم بأدوارها الهادفة إلى تحقيق الرفاهية المستدامة.

من هنا تكون الشرطة أحق باتباع السبل الكفيلة بجعلها تتواصل تواصلا فعالا مع مكونات المجتمع، من حيث توظيف الأساليب الفنية والعلمية والتكنولوجيا التي تُجنِّب المجتمع آفات التواصل من سوء ترميز وسوء فهم وسوء تقدير وسوء توظيف وسوء تفاعل. ولعل الاستفادة من فضاءات الإعلام الجديد التي تلجها أعداد كبيرة من أفراد المجتمع المعاصر، خير دليل على وعي الشرطة بالتحولات التي طرأت على مستوى العلاقات داخل المجتمع.

الرسائل التواصلية الوقائية الفعالة هي تلك التي يتم صياغتها انطلاقا من رصد للتغيرات المجتمعية والاقتصادية والسياسية والدولية، فضلا عن نتائج الدراسات المستقبلية التي تستشرف المآلات على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية.

لقد أصبح انغماس الأجهزة الشرطية في فضاءات الإعلام الجديد حتميا بسبب هيمنة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على الحياة المعاصرة، الأمر الذي فرض على بعض الأجهزة الشرطية أن تتخصص في هذه التكنولوجيات إن أرادت القيام بدورها في الحفاظ على الأمن على أكمل وجه، عندما يُساء استخدام هذه التكنولوجيات فتوظف في ارتكاب الجرائم. فضلا عن كون تطبيقات الإعلام الجديد  -كالصحافة الإلكترونية والمنتديات وشبكات التواصل الاجتماعي- أصبحت فضاء رحبا للتواصل اليومي لكثير من الناس الذين يتوفرون على خدمة الإنترنت.

يمكن تقسيم الرسائل التواصلية التي تسعى الشرطة لإيصالها لأفراد المجتمع إلى: رسائل تطمينية؛ ورسائل تثقيفية على الصعيد القانوني والبيئي؛ ورسائل وقائية؛ ورسائل تحذيرية. تستطيع الأجهزة الشرطية أن تمارس التواصل الشرطي الفعال عبر الإعلام الجديد من خلال هذه الرسائل وفقا لما يلي:

1 – بث الرسائل التطمينية:
تزداد أهمية الرسائل التطمينية في حالات الأحداث والظروف التي قد ينتشر فيها الفزع والإحساس بضعف الأمن. هنا تبرز شبكات التواصل الاجتماعي (كالواتساب والتويتر والفيسبوك واليوتيوب) ووسائل الإعلام الرقمية (صحف إلكترونية ومدونات ومواقع ويب رسمية) في النشر المتزامن السريع للرسائل التواصلية المُصاغة بكيفية فعّالة من حيث الشكل والمحتوى لتبث روح الطمأنينة في المجتمع وتحد من انتشار الشائعات السلبية. ويستحسن أن يُنظر – في هذه الحالات – لأفراد الشرطة باعتبارهم متواصلين لهم شبكاتهم التواصلية الخاصة بهم والتي يمكن أن تُمرَر عبرها هذه الرسائل فتجد طريقها لقطاعات واسعة من الجمهور. كما أن تمرير هذه الرسائل من لدن أفراد الشرطة يضمن لها حماية من آفة التحريف والانتحال.

2 – بث الرسائل التثقيفية على الصعيد القانوني والبيئي:
يجب أن تستفيد أجهزة الشرطة من الخصائص التواصلية لفضاءات الإعلام الجديد في التعريف بالنصوص القانونية التي تحكم أنشطة أفراد المجتمع في حياتهم اليومية (كقوانين المرور والدفاع المدني والتستر على المجرمين واحترام النظام العام وعدم الاعتداء على المنشآت العامة والموظفين العموميين)؛ وكذا القوانين واللوائح التي تنظم البيئة وتحافظ عليها، بالإضافة إلى الرسائل التثقيفية التي تنشر السلوك المتحضر وتبيّن محاسنه.

تجدر الإشارة إلى ضرورة الاستفادة من خصائص هذه الفضاءات المتمثلة في سهولة تداول الرسائل التواصلية النصية والصورية والصوتية والفيديوية والرسائل التي تُعَدّ وفقا لأسس الوسائط المتعددة (حيث الاندماج فيما بينها والتكامل وتحقيق الوحدة)، الأمر الذي يجعلها قابلة للتلقي من لدن أكبر عدد من الجماهير. كل ذلك دون تكلفة مادية كبيرة كما كان عليه الشأن في الماضي بفضل توفر الأجهزة الشخصية القادرة على إنتاج مثل هذه الرسائل (هواتف وساعات ذكية وأجهزة رقمية محمولة أخرى).

3 – بثّ الرسائل الوقائية:
يقصد بالرسائل التواصلية الوقائية تلك التي تشتغل على مستوى البنية الثقافية والفكرية للمجتمع لتقي أفراده من آفات التطرف والتخلف والفوضى. تُصاغ هذه الرسائل بذكاء واحترافية (على الصعيدين العلمي والجمالي) لتظهر الشرطة كأحد سدنة رِفعة الدولة وتنميتها المستدامة. يضمن هذا النوع من الرسائل التواصلية للشرطة حضورا دائما في المشهد التواصلي المجتمعي الذي تهيمن عليه وسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى الفضاءات التواصلية التقليدية (كالإعلانات الخارجية ووسائل الإعلام التقليدية).

إن الرسائل التواصلية الوقائية الفعالة هي تلك التي يتم صياغتها انطلاقا من رصد للتغيرات المجتمعية والاقتصادية والسياسية والدولية، فضلا عن نتائج الدراسات المستقبلية التي تستشرف المآلات على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية.

تستطيع أجهزة الشرطة أن تتواصل بكيفية فعّالة عبر الإعلام الجديد في كافة الأوقات، وتزداد حاجتها لاستراتيجية مخصوصة تواكب الأحداث الكبرى مثل تنظيم إكسبو 2020 (في دبي) وكأس العالم 2022 (في قطر).

4 – بث الرسائل التحذيرية:
إن هدف الرسائل التواصلية التحذيرية التي يمكن أن تصدر عن أجهزة الشرطة هو تجنيب أفراد المجتمع مغبّة الانسياق وراء كل ما من شأنه تقويض أركان المجتمع سواء كان المصدر داخليا أو خارجيا خاصة على الصعيد الأمني بمفهومه الشامل. وقد تكون هذه الرسائل استباقية أو مواكبة لظاهرة ما أو لاحقة لها، مع أفضلية الرسائل الاستباقية. وبحكم الانسيابية بين قنوات التواصل الرقمي، ستجد هذه الرسائل طريقها إلى أفراد المجتمع سواء في شكل تغريدات ووسمات أو مقاطع فيديو أو رسائل واتساب أو صور على الإنستغرام.

أكبر تحد يمكن أن يواجه الشرطة في إعداد الرسائل التحذيرية، وهو كيفية صياغة رسائل تواصلية تحذر من الإرهاب سواء تعلق الأمر بتجنيب الأفراد تبني السلوك الإرهابي، أو تحذير الأفراد من الوقوع ضحايا للإرهاب. لأن هذا النوع من الرسائل يحتاج إلى صياغات متقنة استنادا إلى القيم الدينية والإنسانية والقانونية.

تستطيع أجهزة الشرطة أن تتواصل بكيفية فعّالة عبر الإعلام الجديد في كافة الأوقات، وتزداد حاجتها لاستراتيجية مخصوصة تواكب الأحداث الكبرى مثل تنظيم إكسبو 2020 (في دبي) وكأس العالم 2022 (في قطر) بحكم المراهنة الكبرى على استغلال مثل هاتين الفعاليتين في بناء الصورة الذهنية الإيجابية وترسيخها على الصعيد العالمي.