ما بعد الحركية الإسلامية

بُعيّد سقوط الخلافة العثمانيّة في عشرينيات القرن المنصرم، ووقوع العالم العربيّ تحت نير الاستعمار الغربيّ وظهور ما يعرف بـالجماعات الإسلاميّة التي حملت على عاتقها المشروع الإسلاميَ، وحاولت حشد الجماهير لإعادة تمكين الدين بوصفه نظاماً شموليّاً للحياة، والتي انتهت المقاربات الحركية لديها إلى اتجاهين واضحين.

اتجاه بات مقتنعاً بنظريّة التغيير من داخل المنظومة العالميّة الضاربة بأطنابها، الراسخة بقواعدها، الصلبة بمكوّناتها، المتماسكة بمصالحها الكبرى ومن داخل منظومة الدول الوظيفية، لكنّ هذا التيّار مع امتناعه عن المواجهة العسكريّة مع النظام الدوليّ العالميّ لكنّه يخوض معارك فكريّة شرسة مع منظومته الفكريّة وقيمه الأخلاقيّة، ممّا يجعل كثيراً من أوراقه مقروءة للعالم، وكثيراً من طاقته منصرفة في الجهود الدعويّة والجدل الأيديولوجي والبحث عن تمايز الهوية الإسلامية.

هذا التيّار يرى أنّ الوسيلة المتاحة للتغيير هي المشاركة السياسيّة، والنضال السلميّ ضدّ الأنظمة الحاكمة، واعتبار الخصومة معها خصومة سياسيّة، تحلّ وفق السبل السياسيّة، من خلال تشكيل الأحزاب والتظاهرات، والمشاركة باللّعبة الديمقراطيّة، ودخول البرلمانات، وكثيراً ما يدلّل أقطاب هذا التيّار على عدم فائدة المواجهة المسلّحة مع الأنظمة المستبدّة، بسبب النهايات المأساويّة التي خلّفتها تجارب القتال معها.

تعاني هذه الجماعات من تنامي الفكر التكفيري في صفوفها، وتكوّن لديه نظريّة أولويّة قتال المرتدين على الكفار الأصليين ممّا يجعل معركته الأساسيّة هي مع تيارات الصحوة الإسلاميّة، التي يحكم عليها بالردّة أو العمالة.

النتائج الكارثيّة التي خلفتها بسبب اختلال ميزان القوى اختلالاً طاغياً لصالح الأنظمة، ولعلّ من يعبر عن هذا التيّار هم عموم تيّار ما بات يعرف بـالإسلام السياسيّ، الذي يحاول أن يقدم برنامجاً سياسياً مستمداً من الإسلام. وهي عموم التيّارات التي خرجت من رحم جماعة الإخوان المسلمون أو المتأثّرة بها لكنّ هذا التيّار لايزال يعاني من جدل الهويّة والأيديولوجيّة ودمج السياسة بالدعوة، وهو مرهق بتبعات الحزبيّة الدعويّة والخصومات التاريخيّة مع الأنظمة والإرث الشائك والاستقطاب الحدّي مع القوى العلمانيّة والليبراليّة المعاديّة للهويّة.

اتجاه يرى استحالة التغيير من داخل المنظومة العالمية أو المحلية لأنها تتكون من حلقات محكمة الإغلاق، ولأنَّ ممارسة السياسيّة مهما يكن لن تكون إلا من الثغرات التي يسمح بها هذا النظام، والنتائج لن تكون إلا بناء على المقدّمات التي تحدد قواعد اللعبة السياسية، والقواعد التي يفرضها النظام العالميّ، بل هذا التيّار لا يرى جواز المشاركة السياسية أصلاً، ولو كان ممكناً واقعاً، باعتبار أن الديمقراطية والمجالس البرلمانية وسيلة كفرية غير شرعيّة، والشريعة تؤكد دائماً على شرعيّة الغاية والوسيلة معاً، وهو يعتبر كلّ مكسب في إبراز الهويّة والشريعة يأتي من خلال السقوف التي تتيحها الأنظمة الجاهليّة في حكم المرفوض.

لا يرى إلا الوسيلة الخشنة في الجهاد والصراع المسلّح متى أمكن ذلك ويدخل الخصومة مع الأنظمة المستبدة في نطاق الصراع العقدي الصفري ولا يرى في هذه الأنظمة إلا حكومات وظيفيّة مرتدة تشكل امتداداً وذراعاً للأنظمة الاستعماريّة وعليه فإن هذا التيار لا يقبل أي نوع من الحوار أو المشاركة أو الإصلاح السياسي بالوسائل الديمقراطيّة، وطالما كان يستدلّ بانقلاب جيوش هذه الأنظمة على نتائج الانتخابات التي تفرز فوز الإسلاميّين على عبثية هذا المسار وعدم فائدتها.

يعبّر عن هذا التيّار ما بات يعرف بـ (السلفيّة الجهاديّة) و(القاعدة) و(داعش)، وهذا التيّار كذلك يعتمد في استراتيجيّته الحركيّة على نظريّة إدارة التوحّش وفي بنيته النظريّة على أدبيّات سلفيّة جهاديّة، وهو مرهق بالاختراق الاستخباراتيّ، نتيجة المجهوليّة لقياداته وعناصره المتخفية في الأسماء الحركية مما يسهل على المخابرات العالمية دس عناصرها بين صفوف هذه الجماعات.

تميّز الدعويّ عن السياسيّ، بدون فصل مطلق للدين عن الدولة، يجعل من الدولة معادية للدين ولا اتصال مطلق يجعل من الدولة دولة دينية.

كما تعاني هذه الجماعات من تنامي الفكر التكفيري في صفوفها، وتكوّن لديه نظريّة أولويّة قتال المرتدين على الكفار الأصليين ممّا يجعل معركته الأساسيّة هي مع تيارات الصحوة الإسلاميّة، التي يحكم عليها بالردّة أو العمالة، لذلك كان هذا التيار تياراً مرغُوباً فيهِ من القوى الدوليّة والإقليميّة، لقدرته على إثارة الصراع السنيّ السنيّ، والإسلامي الإسلاميّ أينما حلّ وهذا كان مفيداً جدّاً للأنظمة الاستبداديّة في ضرب التيّار الإسلامي بنفسه ومشاغلتها ومفيدة للدول الاستعماريّة، في إثارة الحروب التدميريّة في المنطقة العربيّة، وفق التكلفة الصفريّة للحرب وجعل هذه الدول في دوامة الفوضى التي تضرب كل مشاريع التنمية والتحرير.

أمام هذا الاستقطاب الحادّ بين التيّارين السالفيّين يظهر لدينا تيّار ثالث، وهو ما بات يسمّيه بعض الباحثين ما بعد الإسلام الحركيّ، وهو التيار الإسلامي الذي خرج من دائرة التنظيمات الإسلاميّة وابتعد عن الإسلاميّ السياسيّ، إلى مرحلة ما بعد الإسلام الحركيّ، والذي تمثّله اليوم "العدالة والتنمية" في تركيّا و"بيغو فيتش" في البوسنة والنهضة في تونس والحركة الإسلامية في ماليزيا.

أبرز ملامحهم الفكريّة تقوم على أربع معالم أساسيّة:
أوّلاً: إعادة النظر في التاريخ الإسلاميّ السياسيّ، والمثاليّة التمجيديّة الطاغية عليه، وبخاصّة جيل الصحابة كما فعل سيّد قطب الذي نزع السمات البشريّة عنهم، وإعادة قراءة تاريخهم السياسيّ على أنّه تجربة بشريّة محضة، تقبل الأخذ والردّ، وليست محلَّ اقتداء ملزم بعمومها، خصوصاً فيما يراعي المصلحة والمفسدة لكلّ عصر وظروف الخاصّ.

ثانياً: إعادة الاعتبار لشأن العقل، وحلّ إشكاليّة العلاقة بين النقل والعقل، واعتبروا أنّ النقل يفهم من خلال العقل، وليس هناك أفهام جاهزة لكلّ مسألة علينا التسليم به، أو قولب مسبقة يجب التأطر بها.

الرئيس التركي "رجب طيّب أر دوغان" في ردّه على سؤال مذيع الجزيرة "علي الظفيري" عن العلمانيّة، هل أنت علمانيّ؟ فقال مجيباً: أوّلاً أنا مسلم، ثانياً: لقد قمنا بإعادة تفسير العلمانيّة، وإعادة تفسير الديمقراطيّة، وفهمنا العلمانيّة أنّها حريّة التديّن للجميع.

ثالثاً: رفض اختزال العلاقة مع الغرب في سياق الصراع السياسي فحسب بل هم يعتبرون الغرب جزءاً من الذّات، نتيجة الثورة الثقافيّة والصناعيّة والاتصال التي تجتاح العالم، وهو برفض تفسير الصراع مع الغرب في عمقه أنّه صراع دينيّ، بل يعتبره صراع نفوذ ومصالح، وهم يرون أنّ في الثقافة الغربيّة ما يمكن الإفادة منه في عمليّة إعادة بناء الفكر الإسلامي.

رابعاً: تبنّت هذه المجموعة الديمقراطيّة والتعدديّة السياسيّة والثقافيّة مبكّراً، وآمنت أنّ الشعب هو مصدر الشرعيّة للسلطة، وهو أساس النظام السياسيّ، وقبلت بتحييد الدولة عن الصبغة الأيديولوجيّة، ورفضت مقولة الشرعيّة الدينيّة للنظام، كما لجأ هذا التيّار لخيار آخر، أكثر حنكة ودهاءً في نضالها السياسيّ، فلم يتورّطوا بحرب استنزاف مع الفكرة الأيدولوجيّة التي تصوغ شكل النظام العالميّ كالديمقراطيّة والليبراليّة والعلمانيّة. وإنّما سلكوا طريقاً مغايراً، واستراتيجيّة تقوم تفتيت الفكرة من داخلها، وإزاحة هذه الصخرة الكأداء من طريق نهضتهم دون مصادمة مكلفة، وذلك من خلال حيلة بسيطة تجمع بين الحرب والصلح مع هذه الفكرة.

التصالح مع الفكرة في الملعب السياسيّ، والدخول في ملعبها في إطار التنافس السياسيّ الديمقراطيّ، والاستفادة من أدواتها وآليّاتها المتاحة، للدخول في مسلك الإصلاح، معتبرين أن الدولة المدنية الحديثة دولة محايدة يمكن تغذيتها بالقيم التي نحملها. وفي الوقت نفسه مواجهة هذه المفاهيم من خلال القوّة الناعمة بالدعوة والإعلام والتربية والتعليم بما يتوافق مع هويتنا الإسلامية.

يقوم هذا على مبدأ مهم للغاية وهو تميّز الدعويّ عن السياسيّ، بدون فصل مطلق للدين عن الدولة، يجعل من الدولة معادية للدين ولا اتصال مطلق يجعل من الدولة دولة دينية. وهذا ما أشار إلى جزء منه الرئيس التركي "رجب طيّب أر دوغان" في ردّه على سؤال مذيع الجزيرة "علي الظفيري" عن العلمانيّة، هل أنت علمانيّ؟ فقال مجيباً: أوّلاً أنا مسلم، ثانياً: لقد قمنا بإعادة تفسير العلمانيّة، وإعادة تفسير الديمقراطيّة، وفهمنا العلمانيّة أنّها حريّة التديّن للجميع.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

افتتحت المؤسسة العامة للحي الثقافي (كتارا) بالعاصمة القطرية الدوحة ثلاثة معارض فنية متنوعة ومختلفة في تقنياتها وأساليبها لكنها متقاربة بمواضيعها، حيث يربطها البعد الثقافي الإسلامي في مختلف تجلياته وأشكاله.

أبرز المشاركون في المؤتمر العالمي الأول لتاريخ العلوم التطبيقية والطبية عند العرب والمسلمين، الذي تتواصل أعماله في العاصمة السعودية الرياض، تأثير الثقافة العربية والإسلامية في النهضة الأوروبية والحضارات الأخرى.

الأكثر قراءة