بلازا مايور.. أشهر ساحة في مدريد

على مقربة من ساحة بلازا مايور أقمت في مدريد، دقيقتين من المسير تفصلني عن واحدة من أهم ميادين إسبانيا والتي اشتهرت بمحارق الأندلسيين وغيرهم من "الهراطقة"، هذا يعني أني لو عشت في زمن آخر كنت لأسمع بوضوح صوت المعذّبين في ساحة الموت تلك وأنا مستلقية على وسادتي.

 

يأتي السياح من كل مكان لزيارة الساحة الكبرى أو "بلازا مايور" في مدريد، يرون فيها ملمحًا مشرفا من الماضي الذي يحتضن اليوم كل مُتع الحياة، محال تجارية شعبية، مقاهي عتيقة، مطاعم محلية، فرق موسيقية، رقصات غجرية.. والكثير من العروض الباعثة على البهجة.

 

 قد لا يعرف جلّهم أن هذه الساحة لطالما احتضنت في أمس ليس ببعيد مهرجانات احتفالية يشهد عليها خمسون ألف متفرج لحرق الأندلسيين أحياءا. وبالرغم من تصالحنا مع ماضي إسبانيا بكل ما فيه من ألم، إلا أنك لم تقدر على تجاوز هذه المفارقة الغريبة هناك، ما أقسى أن تعرف تاريخ المكان!

 

صميم الميدان على طراز كاثوليكي باعث على العظمة بدلا من الساحة العربية القديمة، وتغير على إثر ذلك اسمها من "بلازا ديل آرابيل" إلى "بلازا مايور".. وآرابيل هي كلمة إسبانية محرفة عن مفردة "الربض" بالعربية

خلال فترة حكم المسلمين لم يكن موقع الساحة سوى سوق خارج أسوار المدينة، وفي خمسينيات القرن السادس عشر طلب فيليب الثاني من "خوان دي هيرايرا" – مهندس الإسكوريال الذي أخبرتكم عنه في المدونة السابقة-، طلب منه تحويل هذه الساحة إلى أخرى تعكس عظمة ملكه، والغرض من ذلك هو جعل مدريد عاصمة ذات شأن ومقر لحكمه. إلا أن الساحة لم تعرف وجهها المعهود اليوم إلا بيد "خوان غوميز دي لامورا"، خليفة المهندس السابق، في عهد الملك فيليب الثالث.

 

صميم الميدان على طراز كاثوليكي باعث على العظمة بدلا من الساحة العربية القديمة، وتغير على إثر ذلك اسمها من "بلازا ديل آرابيل" إلى "بلازا مايور".. وآرابيل هي كلمة إسبانية محرفة عن مفردة "الربض" بالعربية، إذ بُني فيما مضى حول الساحة حيّ سُمّى بحي الريض يحاكي فكرة الجيتو الإقصائية بجمع وتمييز أهل الأندلس عن الغزاة الجدد، وكلمة "الربض" في التاريخ تعبير يستخدم عادة للأحياء المبنية خارج أسوار المدينة ونجده مألوفا في المدن المغاربية حتى هذا اليوم.

 

حاولت عبثا التحلل من ذاكرتي تجاه الساحة، أعد الأبواب التسعة بارتفاعها الشاهق، ألمح المباني ذات الطوابق الثلاثة التي تتالى بناؤها إثر الحرائق، سيشد انتباهك في المنتصف تمثال برونزي لفيليب الثالث، يقف مزهوا بنفسه على صهوة جواد، يطيل النظر في امتداد الأفق لا مباليا بما صنعه في هذا المكان، إنه الرجل الأسطورة الذي أصدر في عهده أكثر قرارات إسبانيا الفتية حماقة، بطرد أهلها من الموريسكيين عن بلادهم.

 

إلى جنب تمثال فيليب الثالث هناك نصب تذكاري موازي له، سيدفعك الفضول وربما الملل للمسه أو متابعة النقوش المرسومة أسفله، بشكل واضح ستقرأ النقوش التي تجسّد في مشهد كامل محاكمات المهرطقين العلنية، ملابس محاكم التفتيش وحفلات الإعدام وما اتصل بها، نُقشت على قاعدة النصب لتخلّد ذاكرة المكان. لاحقا أصبحت الساحة مرتعا لمصارعة الثيران، ماذا اختلف؟ توحشّ ضد الإنسان والحيوان معا.

 

في الركن الجنوبي الغربي من الساحة، تقع البوابة الشهيرة بقوسها الضخم، للبوابة حظوة في التاريخ إذ فيها نقطة جذب سياحية تقود لشارع متصل بمطعم "سوبرينو دي بوتين" الذي تأسس عام 1725، وهو أقدم مطعم في العالم حسب موسوعة "غينيس"، تعود شهرته لأطباق اللحم الفريدة خاصة الحملان المشوية منها، والتي تستجلب من مراعي مدينة "شقوبية" الأندلسية. تطهى في أفران خشبية تقليدية يبلغ عمرها قرابة الثلاثة قرون! وبالمناسبة فإن هذا المطعم هو المفضّل لدى الكاتب السوداوي آرنست همنجواي الشهير.

 

الساحة تعد الأهم في إسبانيا لما تحفل به من ذاكرة، تغير اسمها تبعا للأحداث الفارقة في التاريخ الإسباني، سميت ذات مرة "ساحة لا كونستيتوسيون" تكريما لدستور إسبانيا 1812، ثم تغيرت لـ "بلازا رويال" ثم "بلازا لا ريبوبليكا" تبعا للأحداث السياسية الجسام، من دكتاتورية إلى حرب أهلية وحسب مزاج السلطان. تبدل الاسم حتى استقر بها الحال عقب نهاية الحرب المأساوية لتعود بلازا مايور التي نعرفها اليوم. 

 

العواصم تخنق الإنسان وتسحق ذاكرته، لكن في مدريد ستجد تحت كل حجر وعند كل زاوية قصة لحقبة مختلفة، المسلمون قد بدأوا نقشها لكنها لم تنتهي عندهم قطعا، مازلت معكم من هناك، سأخبركم أكثر عنها في التدوينة القادمة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قالت أسرة الشاب المصري أحمد الخطيب (22 عاما) المصاب بمرض "الليشمانيا الحشوية" النادر، الذي يقضي حكما بالسجن عشرة أعوام، إن السلطات أصدرت قرارا بوقف علاجه وإعادته إلى السجن.

الأكثر قراءة