أهمية الفراسة وقراءة الوجوه

عندما تنظر أحيانا إلى شخص ما وتقول: واضح من وجهه أنه ذكي، وترى شخصا آخر فتقول: عرفت من عيونه أنه لئيم، هذا ببساطة ما يعرف بقراءة الوجوه. لكن طبعا ًقراءة الوجوه أو ما يسمى بالفراسة -بكسر الفاء- هو علم قائم بذاته له أسس وقواعد ومعايير.

والعرب في قديم الزمن كانت تعتني بهذا العلم، حيث كانوا يمضون السنين في تعلمه وجمعه وكتابته، ومن ألمع من برع في هذا المجال الإمام الشافعي رحمه الله، فقد سافر إلى اليمن ومكث فيها ثلاث سنين يتعلم فن الفراسة، ويوجد كثير من القصص والمواقف تروي مدى قوة فراسته لمن أراد أن يتبحر في هذا المجال.

ومن طريف ما قرأت في قراءة الوجوه، أن علاقة الوجه بالشخصيه تسري في اتجاهين، فكما أن ملامح وجهك من الممكن أن تحدد شخصيتك فأي تغير في شخصيتك قد ينتج عنه تغير في شكلك، وهذا ما يفسر تشابه المتزوجين بعد فترة من زواجهم.

وقد انتقيت هذا الموضوع بالذات لأكتب فيه لأنه موضوع غايه في الأهمية، وقد غفل عنه كثيرون، فهو يختصر كثيرا من الوقت والجهد في معرفة الأشخاص وكيفية التعامل معهم وتجنب غدرهم. لكن في عصرنا هذا قل من يكتب في هذا المجال، ونادرا ما نسمع عن محاضرات أو دورات تعلم الفراسة وقراءة الوجوه، مع أن هناك دراسة إحصـائية تقول إن حوالى 68 صفة شخصية يمكن معرفتهـا من الوجه بدقة تصل إلى 90%، وهذه نسبة لا يمكن تجاهلها.

التعامل مع شخص المسافة بين عينيه ضيقة معاملة مختلفة عن الذي بين عينيه مسافة متوسطة أو واسعة، فالأول شخص سريع الانفعال على عكس الثاني فهو أكثر هدوءاً وأكثر تسامحاً.

فلو تفكرنا قليلا في أهمية هذا المجال لاعتكفنا عليه حتى نتقنه.. فهو يفيدنا في حياتنا أكثر من علوم كثيرة تهدر من وقتنا وجهدنا دون أن يكون لها الأثر البالغ في واقعنا. والأمثلة على أهمية تعلم قراءة الوجوه كثيرة:

فيمكن أن يكون لإتقان قراءة الوجوه بالغ الأهمية في أسس اختيار الشريك، فكثير من الأشخاص يتزوجون وبعد فترة يتفاجأ الكل من سلوك بعضهم وتصرفاتهم، فلا يستطيعون التأقلم مع تلك السلوكيات وربما يتفاقم الوضع بعد ذلك ويؤدي إلى الطلاق.. فلو أنهم كانوا على دراية بقراءة الوجوه لربما علموا أنهما غير مناسبين لبعضهما، وأنه لن يكون هناك فرصة ليتكلل زواجهم بالنجاح.

فعلى سبيل المثال: إذا اجتمعت سمات الفك العريض التي تدل على الشخص المتسلط الذي لا يعترف بخطئه مع الذقن المثلث المعاند دائما أو الذقن المربعة التي تدل على كثرة الجدال، فهذا الخليط من السمات إذا اجتمع في شخص فهو إنسان عنيد جدا وعدائي، بل إنه قد يستخدم أسلوبا قتاليا للحصول على ما يريده.
 
أما من تجتمع لديه سمة الأنف المحدب التي تدل على اهتمام الشخص بالقيم المادية أكثر من المعنوية مع الآذان البارزة التي تدل على الميل للادخار والتملك، بالإضافة إلى الشفاة النحيفة التي تدل على العطاء الانتقائي المتحفظ، هذا الخليط من الملامح ينتج عنه شخص بخيل لا يحب صرف المال.

وهناك نواحي أخرى أيضا تفيدنا جراء فهم تقنية قراءة الوجوه، فمن خلالها يمكننا اكتشاف النهج والسلوك المناسب في التربية والتعامل مع الأبناء، فيمكن أن نتعرف على ميول الطفل وسلوكياته ومعرفة الأسلوب الأنسب في التعامل معه، فمثلا الطفل ذو الحواجب الدائرية لديه مهارات التنظيم والتركيب، فاكتشاف هذه المهارة لديه تسهل علينا فهم ميوله وتوجيهه لمجال الدراسة المناسب له.

حتى المدير أو صاحب العمل يستطيع أن يستخدم هذا المجال ويضع الشخص المناسب في المكان المناسب، فمثلا الشخص الذي يكون الجزء العلوي منه أي من عند الخصر أطول من الجزء السفلي هو شخص يميل للعمل الميداني الذي يحتاج إلى الحركة، على عكس من يكون الجزء السفلي أطول فهو يميل للعمل المكتبي. حتى في تعاملاتنا اليومية وتكوين الصداقات سيفيدنا هذا العلم كثيرا، وسيختصر كثيرا من المشاكل بسبب فهمنا لطبائع الشخص الذي نتعامل معه.

من لديه ذقن مثلث فهو شخص يميل للمعارضة والعناد، التعامل معه بأسلوب المشاركة وليس إلقاء الأوامر. ومن لديه شعر ناعم جدا غالبا يكون حساساً جدا.

ومن خلال تجربتي الشخصية وبحثي المستفيض في هذا المجال، أصبحت طريقتي في التعامل مع الناس تختلف من شخص لآخر، فعلى سبيل المثال أنا أتعامل مع شخص المسافة بين عينيه ضيقة معاملة مختلفة عن الذي بين عينيه مسافة متوسطة أو واسعة، فالأول شخص سريع الانفعال والغضب على عكس الثاني فهو أكثر هدوءاً وأكثر تسامحاً، وأتجنب انتقاد الشخص الذي زاوية عينه الخارجية منخفضة فهو شخص يحب أن ينتقد الأشخاص لكن لا يحب أن ينتقده أحد أبدا.

وقد أفادتني أيضا قراءة الوجوه كثيرا في وظيفتي كوني معلمة، فأصبحت أراعي الفروق الفردية بين الطلاب وأعرف من يتمتع بذكاء عال ومن لديه ذكاء متواضع، ومن يستجيب للأنشطه الحركية في التعلم ومن يحب الأنشطه الذهنية، ومن هو سمعي ومن هو بصري ومن حسي.. وهكذا…
فمثلا من لديه ذقن مثلث فهو شخص يميل للمعارضة والعناد، أتعامل معه بأسلوب المشاركة وليس إلقاء الأوامر. ومن لديه شعر ناعم جدا غالبا يكون حساساً جدا، ولا يتحمل أي تجريح فأتعامل معه بهدوء ورويّة أكثر من الذي يمتلك شعراً أقل نعومة مثلاً.

والأمثلة على أهمية تعلم قراءة الوجوه كثيرة لا مجال لحصرها. وأنا أتمنى فعلا أن يقنن هذا العلم ويدرّس في الجامعات ويعترف به على أنه علم قائم بذاته له أسسه ونظرياته.

ولكن يجدر بي أن أنوه أنه من أراد أن يمخر عباب بحر الفراسة ويغوص في أعماقه ويكتشف جميل مكنوناته، فعليه أن يكون كيساً فطنا، لا يصدر أحكاماً عشوائية دون أن يكون متيقناً من معلوماته، بل يجب أن يبني أحكامه على أسس وقواعد مثبتة، وأن ينتقي مصدرا موثوقا يستند إليه في معلوماته، ويجب أن يكون هدفه من هذا العلم هو سبر غور الأشخاص ليسهل التعامل معهم، لا ليجرحهم به.. ويصدر أحكاما على هذا وذاك. ويجب أ ن لا نغفل عن نقطة مهمة، وهي أن لكل قاعدة شواذ.. وليس بالضرورة أن يكون تحليلك وقراءتك دائما صحيحين.

وأخيرا أتمنى أن يوضع هذا العلم في موضعه الصحيح وأن لا يهمش، لأن حيازة هذا العلم وفهمه سيعود بخير كثير على صاحبه إن أحسن استخدامه.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

من الشائع اليوم بين المدربين والإعلاميين وعلماء النفس وأطباء الأعصاب محاولة فك رموز لغة الإشارات والإيماءات, فهم يركزون على حركات من قبيل وضع اليد على الذقن أو رفع الحاجبين إلى الأعلى أو حك الأنف بوصفها رسائل تنبئ عن مواقف أو مشاعر صاحبها.

توصل باحثون إلى أن الإيماءات البسيطة مثل المصافحة تخلق تعاونا وثقةً أفضل بين البشر حتى وإن قام بها إنسان آلي، كما أظهرت التجربة التي أجراها علماء بريطانيون.

الأكثر قراءة