شعار قسم مدونات

متى تبدأ التربية؟

blogs - father
الأولاد زينة الدنيا وبهجتها، وهم أمانة الله لدينا، وفوق ذلك وقبله هم هبة الله المنعم لنا، وصلاح الأبناء هو دعوة الصالحين وغايتهم: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) وقد قيل: نعم الإله على العباد كثيرة.. وأجلهن نجابة الأبناء.. ولأن شكر النعمة يكون من جنسها أي بالحفاظ عليها ورعايته حق الرعاية.. فأداء شكر نعمة الأبناء يكون بتربيتهم تربية سليمة.

فالتربية هي عملية بناء الطفل شيئا فشيئا إلى حد الكمال الإنساني، وهي واجب ديني؛ قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "قوا أهليكم نارا: علموهم وأدبوهم"، وقال الحسن: "يأمرهم وينهاهم فيعلمهم الحلال والحرام ويجنبهم المعاصي والآثام الى غير ذلك من الأحكام"، وقال السمرقندي: "قوا أهليكم نارا أي بتعليمهم ما ينجيهم منها"، وقال البيضاوي: "قوا أهليكم نارا بالنصح والتأديب".


إن كثيرا من الآباء والأمهات يبتهجون بالطفل ويلاعبونه ويدللونه ولا ينتبهون لتربيته إلا مع ظهور أول مشكلة، والتي ربما تكون في سن الخامسة أو السابعة أو التاسعة.. وبعضهم ينتبه مع دخول طفله مرحلة المراهقة في الثانية عشر مثلاً، وهنا يكون قد ضاع حظٌ عظيمٌ من التربية؛ فقد كبر الغصن الغض وصار شجرة تستعصي على التقويم! إن الغرس له مواسم. فإذا فات الموسم فاتتك فرصة أن يخرج ما تغرسه قوياً سليماً معافىً؛ لأنك إذا غرست زرعاً في غير موسمه خرج ضعيفاً هزيلاً هشاً.. والسؤال هنا هو: إذا أردتُ ولدا يكون قرة عين لي، وأردتُ تربيته فمتى تبدأ التربية؟


التربية ليست موروثا توارثناه قد فات زمانه، ولا اجتهادات تحتمل الصواب والخطأ، ولا مجرد ثقافة ننظر بها؛ إنما التربية علم وتدريب ومهارة إلى جانب كونها رسالة ومسئولية ولها ميمات أربع، المنزل، المسجد، المدرسة، والمجتمع.

يُذكر أن الإمام العابد "سهل التستري" كان يتعهد ولده وهو في صُلبه، فيباشر إلى العمل الصالح رجاء أن يرزقه الله الولد الصالح، وكان يقول: "إني لأرعى أولادي قبل أن يخرجهم الله إلى الدنيا" ويُحكى أن رجلاً ذهب إلى أحد العلماء (يُقال مالك بن نبي) يسأله: كيف تكون التربية؟ فسأله العالِم: كم عمر ابنك الآن؟ فقال: أربعة أشهر، فقال العالِم: لقد فاتتك التربية! والمقصود هنا أن تربية الأولاد تبدأ مبكراً، قبل الإنجاب بل وقبل الزواج.. متى تبدأ التربية إذن ؟


إن تربية الأولاد تبدأ بـ:

1. صلاح الوالد ودعاءه ورجائه من الله تعالى أن يرزقه ذرية صالحة فهو دعاء الأنبياء والصالحين؛ (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) (رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ)، (فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا)، (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ).
2. اختيار الزوجة الصالحة واختيار الزوج الصالح، فمن المعلوم أن اختيار الأم الصالحة من حقوق الأبناء على الآباء! قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم" رواه ابن ماجه، وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: "اختاروا لنطفكم المواضع الصالحة" رواه الدارقطني. وقال سيدنا على -رضي الله عنه-: "إياكم وتزوج الحمقاء؛ فإن صحبتها بلاء و ولدها ضياع"، وقال أبو الأسود الدؤلي لبنيه: "قد أحسنت إليكم صغارا وكبارا وقبل أن تولدوا، قالوا: وكيف أحسنت إلينا قبل أن نولد؟ قال: اخترت لكم الأم من لا تسبون بها"

3. وبعد الزواج وحينما يأذن الله بالحمل يكون من تربية أولادنا دوام الذكر وتلاوة القرآن، وتحري الرزق الحلال فلا يدخل للجنين طعام حرام، وكذلك تبعد الأم نفسها عن التوتر والقلق، فقد ثبت أن الجنين يتأثر بما تتأثر به الأم.
4. وبعد أن يولد وخلال السنة الأولى، يبدأ الرضيع في الوعي تدريجياً، وهنا يكون قد برز لنا متربي جديد في المنزل، نبدأ نمارس عليه عملية التربية من تكوين سلوكيات وغرس قيم وملاعبة وملاطفة. وهنا ننبه إلى أمر خطير يغفل عنه الكثير من الآباء والمربون؛ وهو أن 80% من القيم التي يحيا بها الإنسان في حياته يتم تشكيلها في السنوات الخمس الأولى من العمر! فلنستعد ولننتبه جيد، فإن ما يدخل مع اللبن لا يخرج إلا مع النَفَس.


وإذا قلنا أن محاور التربية هي المُرَبِّي والمُتَرَبِّي والبيئة، ولكي تنجح التربية؛ فلا بد من تكامل هذه العناصر الثلاثة والعمل عليها جميعا، فيجب علينا أن نعمل على تهيئة المربي والبيئة إلى أن يصل المتربي ويعي، وحينها نبدأ نلقنه ونعلمه وندربه ونربيه.


وفيما يلي أدناه بعضٌ من المنطلقات في تربية الأبناء:

– التربية مسؤولية الوالدين معا.
– التربية من جنس الدعوة الى الله؛ فأنت في عبادة.
– التربية لابد أن تكون شاملة، متوازنة، ومستمرة.
– التربية ميماتها أربع: المنزل، المسجد، المدرسة، والمجتمع، لكن أهمها جميعا هو المنزل.
– صلاح الوالدين سر من أسرار النجاح في التربية.
– لتكن نيتك في تربية أولادك نية مثمرة؛ بمعنى أنك تؤدي الواجب الشرعي، وأن تحصل على الأجر والمثوبة، وأن ترى ثمرتها في الدنيا تعميراً للأرض وإصلاحاً.
– التربية السليمة هي أنجع الطرق لتغيير حال الأمة؛ نعم التربية طويلة الأمد لكنها عميقة الأثر.
– التربية بناء وأهم ما في البناء الأساس، وأهم ما في الأساس أن يكون على تقوى من الله؛ (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).
– التربية ليست موروثا نتوارثه قد فات زمانه، ولا اجتهادات تحتمل الصواب والخطأ، ولا مجرد ثقافة نتنظر بها؛ إنما التربية علم وتدريب ومهارة إلى جانب كونها رسالة ومسؤولية.
– لن تنجح في التربية إلا إذا اعتبرت أن ولدك هو استثمار عمرك؛ فهو أثر بعد مماتك وعمرٌ بعد عمر، ورفيقٌ في الجنة بإذن الله تعالى.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.