وقد ذَكرت الآيةُ بعضَ المحرَّمات، وهي: الخمر التي تُذهب العقلَ وتُسقط المروءةَ وتُفسد الأخلاقَ الحميدة. والميْسِر (القِمار) فقد كان أهلُ الجاهلية يتقامرون فنهاهم الإسلامُ عن هذا الخُلق الذميم. والأنصاب (حجارة كان المشركون يذبحون قرابينهم عندها). والأزلام (قِداح كانوا يستقسمون بها). وكل هذه المحرَّمات هي قاذورات ونجسٌ من إغواء الشيطان وتزيينه للمعاصي. فعلى المسْلم أن يبتعد عنها بشكل كامل، ولا يقترب منها بأية حال من الأحوال.
والخمرُ والقِمارُ تؤدِّيان إلى نشر العداوة في المجتمع، وزراعةِ الحقد بين الناس. وبالتالي تنهارُ الوَحدةُ المجتمعية، وتتمزق الروابط الإنسانية، وتصبح الحياةُ كتلةً من المشكلات والصراعات. ومن المعروف أن الأشخاص إذا شَربوا الخمرَ سَكروا وتشاجروا بسبب زوال عقولهم. وإذا زالَ عقلُ الإنسان، فإِنه قد يَفعل أيَّ شيء. لذلك تُسمَّى الخمر أُم الخبائث. أمَّا القِمارُ فيؤدي إلى خسارة المال، فيظل الخاسرُ حزيناً حاقداً على الذين سَلبوه مالَه.
| كنتُ سَاقي القوم في مَنْزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فَأَمَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مُنادياً يُنادي: ألا إن الخمر قد حُرِّمتْ، قال: فقال لي أبو طلحة: اخرجْ فَأَهْرِقها، فخرجتُ فَهَرَقْتُها، فَجَرَتْ في سِكك المدينة. |
وفي زاد المسير (2/ 418)عن قتادة قال: ((كان الرَّجلُ يُقامِر على أهله وماله فَيُقْمَر ويبقى حزيناً سليباً، فينظر إلى ماله في يد غيره، فيُكسبه ذلك العداوة والبغضاء)). وقال الْمُنَجِّد في كتابه مُحرَّمات استهان بها الناس (ص 52): ((وكان أهل الجاهلية يَتَعَاطَوْنَ الميْسِر، ومن أشهر صوره عندهم أنهم كانوا يشتركون في بعير عشرة أشخاص بالتساوي، ثم يُضرب بالقداح وهو نوع من القُرعة، فسبعة يأخذون بأنصبة متفاوتة مُعيَّنة في عُرفهم، وثلاثة لا يأخذون شيئاً)).
وفي صحيح مسلم (4/ 1876): عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: ((وأتيتُ على نفَر من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمراً، وذلك قبل أن تُحرَّم الخمر، فأتيتُهم في حَش _ والحش البستان _ فإذا رأس جَزور مشوي عندهم، وزِق من خمر، فأكلتُ وشربتُ معهم، فذكرتُ الأنصار والمهاجرين عندهم، فقلتُ: المهاجرون خيرٌ من الأنصار، فأخذ رَجلٌ أحد لَحْي الرأس فضربني به، فَجَرح بأنفي فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرتُه، فأنزل اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيَّ _ يعني نفْسه _ شأن الخمر: "إنما الخمر والميسِر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ من عمل الشيطان")).
فالخمرُ كانت مباحة بلا نكير قبل تحريمها النهائي الحاسم، لكنها قادت إلى مشكلات عديدة بسبب إفسادها للعقل، فبعد أن شرب سعد بن أبي وقاص الخمرَ، قال إن المهاجرين خيرٌ من الأنصار، وهو محقٌّ في هذه الكلمة، ولكن لكل مقام مقال، فاغتاظ أحد الرجال، ويظهر أنه كان أنصارياً، فضرب سعداً على أنفه بِعَظْم الْجَزُور (ما يصلح للذبح من الإبل)، فجرح أنفَه، وَهُمْ في مجلس الأكل وشرب الخمر. وكانت هذه الحادثة سبب نزول الآية الكريمة التي تُحذِّر من الخمر والقِمار والأنصاب والأزلام، لِمَا فيها من كوارث مُدمِّرة لحياة الفرد والجماعة، وتأثيرات سلبية في كل المجالات. وهي بالطبع قاذوراتٌ من عمل الشيطان.
وعن أنس رضي الله عنه قال: كنتُ سَاقي القوم في مَنْزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فَأَمَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مُنادياً يُنادي: ألا إن الخمر قد حُرِّمتْ، قال: فقال لي أبو طلحة: اخرجْ فَأَهْرِقها، فخرجتُ فَهَرَقْتُها، فَجَرَتْ في سِكك المدينة. (متفق عليه).
لقد كان الصحابةُ رضوان الله عليهم وَقَّافين عند أوامر الله تعالى، وأوامرِ رسوله صلى الله عليه وسلم. وما إِن سَمعوا بخبر تحريم الخمر، حتى تخلَّصوا من كل الخمر التي كانت لديهم، وتَمَّ سَكْبُها في طرقات المدينة. وقد كان تحريمُ الخمر شديداً على العرب، فالخمرُ ذات حضور أساسي في حياتهم بكل تفاصيلها. لذلك جاءَ تحريمها بالتدريج، وليس مَرَّةً واحدة.
والجديرُ بالذِّكر أن هناك أشخاصاً في الجاهلية قاموا بتحريم الخمر اعتماداً على تقبيح العقل لها. ومن هؤلاء قيس بن عاصم المِنْقَري، فقد كان سِكِّيراً في الجاهلية، ثم حَرَّمَ الخمرَ على نفْسه، وكان سبب ذلك أنه غَمَزَ عُكْنة ابنته وهو سكران، وَسَبَّ أبويه، ورأى القمر فتكلم بشيء، وأعطى الخمَّارَ كثيراً من ماله، فلمَّا أفاق أُخبر بذلك، فَحَرَّمها على نفْسه، وفيها يقول:
| العرب تفتخر بالميْسِر لأنه مُلْتَقَى الأجواد الذين لا يُقيمون وزناً للمال. والشاعرُ شخصياً يَفتخر بأنه مَنَحَ قِدْحَه كَفَّ رَجلٍ معروف بالخيبة وعدم الفوز. |
رأيت الخمرَ صالحةً وفيهـا خِصالٌ تُفسِد الرَّجلَ الحليما.فلا والله أَشربها صحيحاً ولا أُشْفِي بها أبداً سقيمـا.. ولا أُعطي بها ثمناً حيـاتي ولا أدعو لها أبداً نديمــا.فإن الخمر تَفضح شاربيهـا وتجنيهم بها الأمر العظيما
انظر تفسير القرطبي (3/ 50)، وأُسد الغابة (1/ 921)، وتهذيب الكمال للمِزِّي (24/ 63)
والقِمارُ (الْمَيْسِرُ) مِن أركان الحياة الاجتماعية في الجاهلية. إِنهُ ثقافةُ مجتمعٍ ضاربة جذورها في أعماق الحياة الروحية والمادية. والعربُ تَفْخر بالميسِر لأنه لا يقوم به إلا الرِّجال الكِرام أصحاب الهِمَّة العالية. يقولُ الشاعرُ طَرَفة بن العبد:
وأصْفَرَ مَضْبوحٍ نَظَرْتُ حِــوارَهُ على النارِ واسْتَوْدَعْتُه كَفَّ مُجْمِدِ
يَصِفُ الشاعرُ القِدْحَ (أحد سِهام الميْسِر) بأنه أصْفر مَضْبوح (قُرِّب من النار حتى أثَّرت فيه). والقِدْحُ يتم تقريبه من النار لكي يَصْلب، ويَكْتسب اللونَ الأصفرَ. لذلك، تُوصَف سِهامُ الميْسِر بالصُّفرة. ويَبدو أن هذا اللون بحد ذاته يُشكِّل عالَماً سِحرياً مُتكوِّناً من الأحلامِ والإِغراءِ والمتعةِ والنَّشوةِ. ولاعبو القِمار يَعْتنون بهذه التفاصيل الساحرة التي لها تأثير كبير في الذهنِ والسلوكِ الاجتماعي.
ولاعبُ القِمار محصورٌ بين خِيَارَيْن لا ثالث لهما: الفوز أو الخسارة. وقد انتظرَ الشاعرُ فَوْزَ قِدْحِه أو خَيْبته، أي أنهُ نَظَرَ حِوارَه (مراجعة الحديث)، وكأن هناك حِواراً خفياً بين الشاعر وقِدْحِه. وبالطبع، فهذا الحِوار يتجلى في الفوز أو الخسارة. وانتقلَ الشاعرُ إلى الجو العام المحيط بلعبة القِمار، فقد كان مجتمِعاً مع ندمائه على النار، وذلك مِن أجل متابعة أخبار القِدْح، ومعرفة إِمكانية فَوْزه أو خَيْبته. وكما يقال: المكتوبٌ ظاهرٌ من عنوانه. فقد أَوْدَعَ الشاعرُ القِدْحَ كَفَّ رَجل مُجْمِد (الشخص الذي لا يَفوز). وهكذا، يتجلى الفخرُ جماعياً وفَرْدياً. فالعربُ تفتخر بالميْسِر، لأنه مُلْتَقَى الأجواد الذين لا يُقيمون وزناً للمال. والشاعرُ شخصياً يَفتخر بأنه مَنَحَ قِدْحَه كَفَّ رَجلٍ معروف بالخيبة وعدم الفوز. وهذا يدل على أنه لا يُقيم وزناً للمال، ولا يَحرص على كَسْبه، فغايته هي المتعة والنَّشوة فقط.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

