شعار قسم مدونات

التغافل كمهارة تربوية

blogs- التربية المثالية
جاءت امرأة، فسألت حاتماً عن مسألة، فخرج منها صوتٌ في تلك الحالة فخجلت، فقال حاتم: ارفعي صوتك.. فأوهمها أنه أصمّ.. فسُرّت المرأة بذلك، وقالت: إنه لم يسمع الصوت. فلُقّب بحاتم الأصم. إنَّ التغافل خُلقٌ كريم، وهو أدب السادة. فكيف نجعله مهارة تربوية يستخدمها الوالدان لنزع فتيل الأزمات، ومعالجة كثير من المواقف مع الأطفال؟!

ما هو التغافل: 
هو أن تغض الطرف عن الهفوات وألا تحصي السيئات، وأن تترفع عن الصغائر، ولا تُركِّز على اصطياد السلبيات.

قال الإمام أحمد " تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل"،وقال الحسن البصري "ما استقصى كريم قط !"، وورد عن معاوية بن أبي سفيان "العقل ثلثه فطنه وثلثاه تغافل"، وقال الإمام الشافعي "الكيس العاقل؛ هو الفطن المتغافل"، وقال ابن المبارك: المؤمن يطلبُ المعاذير، والمنافق يطلب الزلات. وكذلك قال الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم لمّا أخطأت بعض أزواجه: (عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ)..التحريم(آية 3)


لكي نكتسب التغافل كمهارة تربوية يجب علينا التدرب مرات ومرات، وستجدون مدى الراحة النفسية التي عمّت المنزل وتمتع به الكبار والصغار؛ ما بين والد كظم غيظاً، وتحلى بالحلم والصبر، وولدٍ شعر بأمان فاطمأنت نفسه وسكنت بعدما شعر بحب والده وحكمته

الحاجة إلى التغافل في التربية:

– لابد للمربي التحلّي بهذا الخُلق، فأولادنا يختبرون الحياة ويجرّبون قدراتهم، ويقلدون أصحابهم، وينقلون للمنزل ما يتعلمونه خارجه، وهنا تكثر الزلات وإصابة السيئات.. ولو وقف المُربي موقف المُحصي المتصيد للزلات والأخطاء لتعب وأتعب..!

– في أغلب الأحوال لا يتعمد أولادنا فعل الخطأ؛ ففي كثير من الأحيان يكون الأمر خارجاً عن سيطرة الطفل؛ كأن يتعثر في سجاد المنزل، أو يصطدم بالمنضدة أو يُسقط كوباً.. وذلك لأنه في بعض مراحل النمو الجسدي، تجد جزءاً ينمو بسرعة بالمقارنة بجزءٍ آخر؛ فلا تنمو أجزاء الجسم بسرعة واحدة؛ فتجد مثلاً أن معدل النمو بين الساقين والجذع والذراعين مختلفاً، وهنا يحدث حالة من عدم التآزر الحركي، ويفقد الطفل السيطرة جزئياً على أطرافها ريثما يتعود على حجمه وأبعاد جسمه الجديدة.. وهنا تتجلى قيمة التغافل.

– ممارسة التغافل تُقلّل من انتقاداتنا لأولادنا؛ فإن كثرة تعليقاتنا على تصرفات أولادنا تضعف ثقتهم بأنفسهم، كما تجعلهم يتجنبون مجالستنا والتحدث إلينا، ويصابون بالعزوف عن ممارسة الجديد مخافة التعليقات السلبية، فيركنون للمنطقة الآمنة!

– إن كان التغافل لازماً في التربية بشكل عام، فهو ولا شك ألزم حينما نتعامل مع المراهقين حيث الحساسية المفرطة والنفس القلقة المتحيرة..


ما هي فوائد التغافل؟

1. يمنحك وقتاً للتفكير، ودراسة المشكلة من جميع جوانبها وسبر أغوارها، بينما انشغالك بإيقاف السلوك السيء يفقدك تلك الفرصة ويعزز من استمراره.
2. يمنح الابن فرصة للتراجع والمراجعة والإصلاح.
3. يشعر به الابن و يقدّره ويُجلّه في والديه.
4. يجعل الجو الأسري إيجابياً، بعيداً عن المشاحنات والتربص.
5. يوفر لك فرصة التركيز على الإيجابيات وتبنّي لغة التشجيع والترغيب.


انتبه!

– تجاهل السلوك الخاطئ وليس الابن. فحينما يتعرض الطفل لموقف إحباط فإنه يكون أحوج ما يكون إلى الدعم النفسي والمواساة.
– هناك فرق بين التغافل والغفلة؛ فالتغافل هو تجاهل لسلوك ابنك الخاطئ فقط حتى ينتهي ومن ثم محاورته بلطف لمعالجة الموقف.
– ليس كل سلوك خاطئ يُفضَّل تجاهله، فمواقف التعدّي على الغير أو انتهاك حقوق الله تستلزم التدخل المباشر "الحكيم".. قرار التغافل بيدك وعليك أن تأخذه في ثوان وفقاً للموقف وخبرتك مع ابنك.
– التغافل ليس غباءً؛ لكن أحياناً يعتبر التغابي من الحكمة.. فكما قال الشاعر: ليس الغبي بسيِّدٍ في قومه.. ولكن سيّد قومه المتغابي.


أيها الآباء؛ لكي نكتسب التغافل كمهارة تربوية يجب علينا التدرُّب مرات ومرات، وستجدون مدى الراحة النفسية التي عمّت المنزل وتمتع به الكبار والصغار؛ ما بين والدٍ كظم غيظاً، وتحلى بالحِلم والصبر، وَوَلَدٍ شعر بأمان فاطمأنت نفسه وسكنت بعدما شعر بحُبِّ والده وحكمته وأصبح يمارس حَقَّهُ في الخطأ والتعلم من أخطائه. 
أيها الآباء؛ فلنرقَ ولنتغافل ولنتجاوز، فكم من أزمة ماتت في مهدها بالتغافل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.