النوستالجيا والذات المغرَّبة

blogs-Nostalgia

النوستالجية مفهوم يوناني الأصل مركب من كلمتين "nostos" وتعني عودة و "algos" وتعني معاناة النوستالجية إذاً معاناة تسببها الرغبة غير المشبعة للعودة، فهي تعبر عن الحنين للماضي والألم الذي يعانيه الإنسان في حنينه للعودة لبيته وموطنه وخوفه ألا يتمكن من العودة أبدا.

هوميروس في ملحمته الأوديسة يصف نموذج عوليس (أوديسيوس) في الثقافة اليونانية القديمة ويعتبره أكثر نموذج يمثل الحنين؛ عندما خرج عوليس إلى حرب طروادة حيث بقي هناك عشر سنوات، ثم سارع للعودة إلى مسقط رأسه إيثاكا لكن الأقدار أطالت رحلته لعشر سنوات أخرى مرتهناً عند الحورية كالبيسو.

ويقول عوليس في أحد فقرات النشيد الخامس ".ما أتمناه كل يوم أن أعود إلى هناك وأن أرى في منزلي نور العودة.."، وبعد معاناة طويلة رست به السفينة على الساحل وأعادته إلى إيثاكا وهو غائب عن وعيه، فهل من سفينة تعيدنا إلى إيثاكانا ونحن في هذه الغيبوبة!؟

هذا ليس سؤالا بكائيا ولا محاولة لتصوير واقعة خيالية تجعلنا نخوض في مثالية لا منفعة إزاءها، وإنما هي محاولة للتساؤل والبحث عن تلك الذات التي تخصنا والتي ما عاد القليل يعرفها، فالحنين لا يقوي نشاط الذاكرة ولا يوقظ الذات، وإنما يكتفي بذاته بعاطفته الخاصة مستغرقا تماماً في معاناته الخاصة.

فالمكنسة العملاقة المشوهة التي تبدل وتشوه وتمحي المشاهد تعمل منذ آلاف السنين فهل لنا من فرصة للتعرف على ذاتنا الكبيرة بعد ما فعلته هذه المكنسة بعقولنا؟

هل لنا أن نتعرف على ذلك التاريخ الذي لم نسمع له ذكراً في حياتنا؟ أليس ظلما للعالم ولأنفسنا أن ندعي أننا عالميوا الهوية؟ عندما تظن أنك عالمي الهوية تحكم بلا شك بنكران ذاتك، لأن العالم ليس ذاتا وإنما هو محل للذوات المتعددة.

إن الإنسان الحالي أصبح يخشى من ذكرياته وما عاد يطيق ثقلها فانقلب ذلك الحنين إلى ضيق تجاه الذاكرة

لكي تكون عالمي عليك أن تنسى أين ولدت ومن هو أباك وجدك، عليك أيضا أن تنسى لغتك المختلفة، باختصار عليك أن تستأصل ذاكرتك وتعيش آلة ضائعة توجهها رياح الحاضر كنبتةٍ فصلت عن جذورها العميقة.

إن الإنسان الحالي أصبح يخشى من ذكرياته وما عاد يطيق ثقلها فانقلب ذلك الحنين إلى ضيق تجاه الذاكرة، إن هذا الإنسان يريد أن يتحرر من كل شئ حتى من ذلك الماضي الذي يحمِّله مسؤولية ربما يخاف من عدم تأدية واجبها، فبذلك يبقى الشجعان وحدهم من يستطيعون مجابهة ماضيهم وتراثهم الدفين في الأعماق بكل شجاعة مدركين أنها معركة الحرية إنها الطريق الوحيدة للانتصار على المستقبل، فالمستقبل ليس كما يفهمه هؤلاء التقليديون طريق نحو الأمام فقط، المستقبل عملية مركبة وليست خطا مستقيما كما تصورناه.

نحن تأثرنا بنموذج لا يريد أن يتذكر تاريخه أو بالأحرى يخاف منه لأنه متوحش مرعب فماذا ستتذكر أمريكا مثلا؛ إبادتها لأمة من المواطنين الهنود الأصليين واستعبادها لأمة من السود وبنائها  ناطحات سحاب على جثثهم، أم ماذا ستتذكر أوروبا؛ توحشها في البلدان الإفريقية والآسيوية والأمريكية قديما وإعلانها إبادة العباد ونهب البلاد، إن التخلص من التاريخ عند هؤلاء يعني التخلص من الخطيئة.

إن واقعاً كما كان عندما كان لم يعد موجودا واستعادته مستحيلة، لكن الوسيلة الوحيدة لمعرفة الطريق نحو المستقبل هي معرفة ذاتنا والتعرف عليها على موقعها، ولا يمكن التعرف على هذه الذات إلا بفهم شئ في تاريخها -فالتاريخ ليس ماضٍ فانٍ وإنما تراث نحمله معنا في حاضرنا- لأن فيه تقع ذاكرة كل الخرائط التي يمكن للذات أن تستند عليها لتشكل طريقها نحو المستقبل وبدونها ستحكم على نفسها بالضياع في الظلام وسط الوحوش العاوية.