هل تدويل الأزمة السورية يبعدها عن الحل؟

تدويل الأزمات المعقدة والمشاكل الكبرى في بؤر التوتر الملتهبة في العالم، لا ينظر إليه دائما بعين الرضا والارتياح، لاسيما والعلاقات الدولية لازالت خاضعة لمقتضيات ظلت متحكمة في موازين القوى منذ الحربين العالميتين الأولى والثانية؛ أي المصالح الحيوية و لاشيء غيرها، من هنا ينتاب كثير من المراقبين والملاحظين، وحتى المواطنين العاديين على الدوام، شعور بالشك المريب بعد حشر بعض الدول الاقليمية والعالمية، أنفها في النزاعات والحروب التي تفتك ببعض المناطق والدول.
 

وحتى هيئة الأمم المتحدة التي يفترض أنها منظمة خرجت للوجود؛ من أجل إقرار السلام والأمن العالميين؛ صدرت عنها في كثير من المناسبات، قرارات بشأن التدخل في حل بعض المعضلات، لكن انبعثت من قراراتها رائحة البحث عن مواطئ قدم من أجل المنافع، ثم المنافع و لاشيء غيرها.
 

ماذا عن الأزمة السورية، لماذا تم تدويلها؟ من بادر بتدويل الأزمة السورية، هل النظام السوري نفسه، أو دول الجوار الاقليمي، أو القوى العظمى، أو هيئة الأمم المتحدة؟
لماذا عجز العرب، وجامعة الدول العربية، عن إيجاد الحلول المناسبة للنزاع قبل تفاقمه واستفحاله؟
هل المعضلة السورية خرجت عن السيطرة العربية باعتبار حجمها وبعدها الاستراتيجي؟
 

قام الأسد بتدويل المشكلة السورية من أجل استطالة حكمه وتأبيده، وذلك بإقحام الدب الروسي في النزاع؛ بعد استغلاله الذكي للتردد الأمريكي في عهد إدارة الديموقراطي أوباما

لاشك أن فكرة تدويل الأزمة السورية، ساهم فيها بالدرجة الأولى؛ النظام السوري؛ وفظاعاته الخطيرة وغير المسبوقة؛ عالميا، حين لجأ لاستعمال الغازات الكيماوية السامة، ضد أفراد شعبه؛ وضد مقاوميه .كما أن نظام الأسد هو الذي فسح المجال لإيران الجار الصديق؛ عدو الخليج؛ لتصبح لاعبا استراتيجيا في الرقعة السورية.
 

وقد قام الأسد بتدويل المشكلة السورية من أجل استطالة حكمه وتأبيده، وذلك بإقحام الدب الروسي في النزاع؛ بعد استغلاله الذكي للتردد الأمريكي في عهد إدارة الديموقراطي أوباما؛ الذي يعاب عليه تذبذبه الشديد في اتخاذ مواقف صارمة ضد الغطرسة الأسدية، لاسيما والولايات المتحدة الأمريكية لاتزال غارقة في المستنقع الأفغاني والعراقي الذي تورطت فيه على أيدي الجمهوريين في عهد بوش الابن.
 

كما أن تعاظم دور المجموعات المسلحة المقاتلة لقوات النظام؛ وتحول بعضها للتنسيق مع الجماعات المتشددة المتهمة بالإرهاب، والتعاون مع القاعدة مثل النصرة و داعش؛ كل ذلك شجع القوى العظمى؛ وفي المقدمة أمريكا وفرنسا وبريطانيا وروسيا؛ على التدخل بأساطيلها الجوية، وحاملات الطائرات؛ لاسيما بعد النجاح غير المسبوق لتنظيم الدولة الإسلامية في نقل هجماته خارج دولة العراق والشام؛ خاصة بفرنسا وبلجيكا.
 

يبدو أن الأسد ونظامه وقواته هم المستفيد الوحيد من تدويل المعضلة السورية، حيث استطاع إقناع العالم بشرعية معركته ضد الإرهاب، وأنها تستوجب المساندة من العالم؛ بعدما اكتوى في بعض مناطقه الحيوية بنيران الإرهاب وضرباته الموجعة. ومن أكبر مظاهر تدويل الأزمة السورية؛ تنافس الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية، داخل الأراضي السورية تحت غطاء محاربة الإرهاب الذي تقوده داعش وجبهة النصرة.

لقد تبين للعالم بأسره بعد فشل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية مؤخرا، في تثبيت الهدنة، ووقف إطلاق النار، بين قوات النظام السوري والمقاتلين من شتى أصناف المجموعات، والجماعات المسلحة، أن تدويل المسألة السورية من لدن بشار الأسد من جهة، وتنظيم الدولة الإسلامية داعش والقاعدة من جهة ثانية، لم يساهم إلا في تعقيدها والنأي بها عن الحل المأمول والمنتظر.
 

ولعل أكبر مظاهر التعقيد في الملف السوري، وصعوبة الوصول للحل، عدم تمكن القوى العظمى المتدخلة في سوريا، من التنسيق خلال توجيه قصفها وضرباتها الجوية، لخصوم الأسد.. إن تدويل الأزمة السورية، فسح المجال واسعا أمام اللاعبين الكبار، للتصارع من أجل تحصيل مزيد من المكاسب في المنطقة المشتعلة بما يطيل أمد سيطرتهم ونفوذهم.

إن الموقع الجغرافي لسوريا، مغري جدا للروس الباحثين عن موقع على البحر الأبيض المتوسط، وكذلك هو بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية.. دون أن ننسى إيران التي تملك أجندتها الخاصة لدى جارها الشامي، لاسيما ودول الخليج العربي لا تبادلها الود.. دون إغفال الجار التركي الذي يحسب الحسابات لعدوه الاستراتيجي "الأكراد".
 

لابد من الاعتراف، أن نظام الأسد تفوق وبكفاءة عالية على خصومه من الجماعات المقاتلة؛ بعدما قام بتدويل الأزمة، وقد استطاع بدهاء أن يجعل معركته ضد المطالبين برأسه وبنظامه، مشروعة ومدعومة من ألد خصومه وأعداه في الخارج؛ بعدما أقنع العالم بأسره بأن معركته الحاسمة والمصيرية ضد خوارج هذا العصر بحسب توصيفه، هي معركة مشرفة وتقاد بالنيابة عن الإنسانية، لأنها تحارب الإرهاب العالمي الذي تسببت داعش في إشعال فتيله حتى أصبح خطره كونيا وعابرا للحدود.
 

إن تدويل الأزمة السورية لن يساهم أبدا في حلها، في القريب العاجل على الأقل، لماذا؟
لأن الدول العظمى التي أعلنت مشاركتها في الحرب على الإرهاب داخل التراب السوري، لم تأتي لسوريا من أجل مساعدة الأسد على استرداد حكمه الذي جرى تهديده من لدن الجماعات المسلحة المقاتلة، ولكنها أتت باحثة عن موقع لها في الرقعة السورية الحيوية والاستراتيجية بالنسبة للغرب والشرق على السواء.
 

إن النزاع السوري بعد تدويله سيعمر زمنا بعيدا جدا، يعلم الله، والقوى المهيمنة في الميدان مدته ومنتهاه، وكل هذا على حساب الشعب السوري الأبي الذي يقدم يوميا عشرات الشهداء

إن تلك الدول العظمى، لن توافق على أي حل، مهما كانت الجهة المقترحة له، وسيستمر الخلاف الكبير بين روسيا وأمريكا حول الحرب في سوريا، لماذا؟ 
لأن روسيا أخذت تفويضا مفتوحا من الأسد بمثابة شيك على بياض، للتصرف في سوريا بحرية، وهي دائمة الدفاع عن النظام السوري ضد المقاومة الشرعية، وضد المجموعات التي تتهم بالإرهاب.. كما أن الولايات المتحدة الأمريكية تستبيح التراب السوري وأجواءه؛ من أجل تقديم الدعم للجيش الحر، والجماعات التي تتحالف معها؛ مثل الأكراد، في إطار محاربة داعش.
 

إن تدخل روسيا و الولايات المتحدة الأمريكية بدون تنسيق دولي؛ تحت مظلة هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، سيؤبد الخلاف والاختلاف بين القوتين المتنافستين على إحكام السيطرة على الرقعة السورية؛ كما أن تضارب المصالح التركية والإيرانية في التراب السوري.

كل ذلك سيعقد المشكل ويبعده عن الحل المأمول، هذا في الوقت التي جامعة الدول العربية عاجزة عن المبادرة لحل المعضلة السورية، لاسيما والنظام السوري يتهم دول الجوار العربية بدعم بعض المجموعات المسلحة؛ التي جرى تسليحها عبر تركيا من أجل إسقاط الأسد.
 

مع الأسف الشديد، لقد فات أوان إيجاد حل داخلي بين الأطراف المتنازعة، كما أن العرب فشلوا في تطويق الأزمة عربيا؛ لكل هذه الأسباب نقول متشائمين، إن النزاع السوري بعد تدويله سيعمر زمنا بعيدا جدا، يعلم الله، والقوى المهيمنة في الميدان مدته ومنتهاه.. وكل هذا على حساب الشعب السوري الأبي الذي يقدم يوميا عشرات الشهداء.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

حذّر رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الأميركي جون ماكين من الحرب المستعرة بسوريا، وقال أوقفوا الأسد الآن وإلا فتوقعوا سنوات من الحرب، ودعا إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المدنيين.

يدرس الرئيس الأميركي باراك أوباما عقوبات جديدة على سوريا يمكن أن تكون لها وطأة شديدة على النظام وتستهدف أيضا روسيا الداعمة له، مع تعثر الجهود الدبلوماسية لإيجاد تسوية للنزاع هناك.

الأكثر قراءة