"عائد من الموت".. قصة جندي مصري حاصرته إسرائيل وظنه أهله شهيدا
تمثل ذكرى العبور في السادس من أكتوبر/تشرين الأول محطة سنوية تستعيد قصصا إنسانية ظلت مكتومة رغم مرور أكثر من نصف قرن، ومن بينها حكاية الجندي حسن البنا محمد جمال، الذي ترك ورشة الأثاث في حي باب الشعرية بالقاهرة، ليرتدي الزي العسكري ويجد نفسه لاحقا في حصار الدفرسوار.
وتسرد قصة، أعدها الصحفي عبد العزيز والي للجزيرة، حكاية حسن -الأخ الأكبر لـ8 أشقاء- الذي نشأ في أسرة تحترف صناعة الأثاث، إذ تعلم المهنة عن والده وجده، وفي يونيو/حزيران 1971، ترك الورشة مؤقتا لأداء الخدمة العسكرية، دون أن يدرك أن فترة تجنيده ستمتد لنحو 4 أعوام ونصف.
قصص مقترحة
list of 2 itemsوفي حديثه للجزيرة، يستعيد حسن بداية التحاقه بالخدمة في 6 يونيو/حزيران 1971، خادما في سلاح الدفاع الجوي بالقوات المسلحة المصرية. ويوضح أنه كان يترقب المشاركة في القتال ويتبادل مع زملائه توقعات المعركة، قبل أن تتحول تلك الأحاديث إلى واقع ميداني في أكتوبر/تشرين الأول 1973.
ويروي حسن أن الأيام السابقة للحرب مرت بصورة اعتيادية داخل معسكرهم بالسلوم، حيث ساد الهدوء، قبل أن تتغير الطبائع مع بدء القتال. ويوضح أنهم عبروا قناة السويس بالمركبات العسكرية، ليشاركوا في المعارك الضارية التي تلت العبور.
وشارك جمال ضمن قوات الفرقة الرابعة المدرعة، التي ارتبط جانب من تحركاتها بعملية تطوير الهجوم يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول 1973. ولم يمضِ وقت طويل حتى وجد نفسه وسط المعارك المتلاحقة التي أعقبت تسلل العدو عبر ثغرة الدفرسوار والحصار الذي رافقها.
فترة الحصار
وعن ذكريات تلك الفترة، يصف جمال أيام الحصار بأنها الأشد حفرا في ذاكرته عن الحرب، في ظل صعوبة وصول الإمدادات وانقطاع الأخبار بين الجنود وعائلاتهم. ويجمل حالة المقاتلين داخل الحصار بقوله: "كنا محاصرين ومعنوياتنا منخفضة".
غير أن أمله الراسخ واقتناعه التام بأنه سيعود إلى أهله منحه القوة على الصمود. ويؤكد أن تفكيره لحظة انفكاك الحصار اتجه مباشرة نحو أسرته، حيث غلبه الشوق لرؤية أشقائه وأهله بعد فترة طويلة من الانقطاع التام.
في المقابل، عاشت الأسرة في القاهرة الفترة نفسها تحت وطأة الغموض؛ فلا أخبار تصل عن ابنها، ولا وسيلة لمعرفة مصيره. وتروي شقيقته سامية أن والدتها ارتدت السواد طوال غيابه، بعدما استقر في يقينها أن ابنها استُشهد في المعركة.
وتضيف سامية أن أجواء الحزن ظلت تخيم على المنزل خلال فترة الحصار، حيث قوبلت محاولات طمأنتها بالرفض من الأم المقتنعة باستشهاد ابنها. ويعكس هذا الانقطاع المتواصل للأنباء عن جمال حجم اللوعة التي كابدتها الأسرة.
واختار جمال بعد فك الحصار أن يتوجه إلى شقيقته سامية في مقر عملها، لتكون المفاجأة تجاوزت توقعات الجانبين. وتستعيد سامية لحظة اللقاء المباغت، مبينة أنها شعرت بيد على كتفها، وحين التفتت لتجد أخاها غابت عن الوعي من الصدمة.
وسارع زملاؤها إلى مساعدتها عقب رؤية شقيقها الذي انقطعت أخباره طوال فترة الحصار، مستحضرين طمأنتها وإقناعها بأن اللحظة تستحق الاحتفاء. ويصف جمال الاستقبال الحار بمقر عملها بأنه كان أشبه بزفاف، قبل أن يكمل طريقه نحو بيت أسرته.
واحتفظ جمال بعد انتهاء خدمته بشهادة التقدير التي نالها، ليعود إلى مهنته التي سبقت التجنيد. غير أن سنوات الحرب ظلت حيّة في الحكايات التي نقلها لاحقا إلى أبنائه وأحفاده، لتبقى شاهدة على جيل عاش المعركة وعاد منها.