إعلان

من النيل إلى السوق.. مهنة صيد الأسماك تستعيد عافيتها في أم درمان

بعد عودته من رحلة صيد في النيل، يجلس الصياد بابكر ضحوي أمام محله في سوق الموردة بأم درمان، يتابع حركة السوق وما حملته المراكب من أسماك.

هنا أمضى بابكر أكثر من 26 عاماً في مهنة ورثها عن أبيه متنقلا بين النهر والسوق، قبل أن تستعيد أم درمان نشاطها ويعود هو إلى ممارسة مهنته في سوق الموردة.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

يقول في حديثه للجزيرة نت إن عودته هذه المرة كانت مختلفة؛ فقد بدأ نشاطه بأربعة مراكب تنزل إلى النيل للصيد، ثم أخذ العدد في الارتفاع تدريجيا حتى بلغ عشرة مراكب، فيما وصل ما يصطاده يوميا، وفق حديثه، إلى نحو طن ونصف.

لم يكن بابكر يعمل للصيد وحده، فالمراكب التي يقودها صيادوه كانت تمد السوق بالأسماك، فيما امتد نشاطه التجاري من أم درمان إلى الولاية الشمالية، ضمن شبكة من الصيادين والتجار ارتبطت بالنيل وبما يجود به من رزق.

وبينما يجلس أمام محله، يستعيد بابكر سنواته الطويلة مع المهنة، كيف ورثها عن أبيه، وكيف بدأ من عدد محدود من المراكب، حتى أصبح الصيد بالنسبة له عملا يمتد من النهر إلى السوق.

يكتسب سوق الموردة دلالته من علاقته بالماء وما يأتي منه (الجزيرة)

مورد لا ينضب

لكن حكاية بابكر لا تتعلق بمهنته وحدها؛ فخلف عودته إلى النيل قصة مورد طبيعي ظل حاضرا خلال سنوات الحرب، بينما تراجعت حركة الصيد في مناطق واسعة.

وفي سوق الموردة حيث يلتقي الصيادون والتجار، يكتسب المكان دلالته من علاقته بالماء وما يأتي منه.

ويقول رئيس اتحاد تجار وصائدي الأسماك في أم درمان سيف الدين محمد هلال إن اسم الموردة ارتبط بفكرة "الوِرد والمورد"، في إشارة إلى المكان الذي تَرِد إليه الأشياء ويقصدها الناس.

ومن هذا المورد ظلت الأسماك تشق طريقها من النيل إلى السوق، حاملة معها حكاية مهنة ارتبطت بالمكان وأهل أم درمان جيلا بعد جيل.

وأضاف هلال في حديثه للجزيرة نت، أن الحرب أوقفت نشاط صائدي الأسماك والتجار، ما دفعهم إلى نقل السوق إلى محلية كرري شمال أم درمان. وبعد سيطرة الجيش على العاصمة الخرطوم عاد الصيادون والتجار إلى نشاطهم في سوق الموردة من جديد.

إعلان

مهنة متوارثة عبر الأجيال

يقول ياسر علي أحد تجار الأسماك في سوق الموردة، إن ارتباطهم بالمكان يتجاوز التجارة، إذ إنهم ورثوا المهنة عن أجدادهم وتناقلوها عبر أجيال.

ويضم السوق أنواعا مختلفة من الأسماك النيلية بحسب التاجر، بينها البلطي والفرايد النوك والقرقور والعجل، وتتراوح أسعارها، بحسب النوع، بين 12 ألفاً و18 ألف جنيه.

وأضاف علي في حديثه للجزيرة نت أن الموردة لا تعتمد على صيد محيطها وحده؛ فجزء من الأسماك يصل من مناطق قريبة يصطاد فيها الصيادون حول السوق، بينما تأتي كميات أخرى من ولايتي النيل الأزرق والنيل الأبيض.

ويحضر البلطي بمختلف أنواعه في ذاكرة سوق الموردة، الذي ارتبط اسمه بهذا النوع من الأسماك. وعلى مدى 18 عاما، ظل عبد المولى بابكر يمارس البيع والشراء في السوق، ويتابع من موقعه حركة الأسماك وما يطرأ على أسعارها.

ويقول عبد المولى إن وفرة الأسماك في السوق هي التي تحدد مسار أسعارها؛ فحين يرتفع إنتاج الصيادين ويزداد المعروض، تميل الأسعار إلى الانخفاض، بينما ترتفع مع تراجع الكميات الواصلة إلى السوق.

الحرب خففت من ضغط الصيد

لكن ما يظهر في السوق لا يعكس بالضرورة ما يحدث داخل المياه. وتوضح خبيرة الثروة السمكية تهاني الحسين أن تراجع نشاط الصيد في بعض المناطق خلال الحرب خفف من ضغط الصيد على الأسماك، وهو ما قد يمنح بعض الأنواع فرصة أكبر للنمو والتكاثر.

غير أن الحرب في الوقت نفسه أثرت في قدرة الصيادين على الوصول إلى مناطق الصيد، إلى جانب ما تعرضت له القوارب ومعدات الصيد من أضرار، وما طرأ على حركة النقل والتجارة.

وأشارت الحسين في حديثها للجزيرة نت، إلى أن انخفاض كميات الأسماك الواصلة إلى الأسواق لا يعني بالضرورة تراجع المخزون داخل المياه، فقد تكون الأسماك موجودة، لكن الوصول إليها ونقلها إلى الأسواق أصبح أكثر صعوبة.

ولا تقتصر الثروة السمكية في السودان على مياه النيل التي تمد سوق الموردة بما يصل إليها من أسماك، إذ تتوزع مواردها بين النيلين الأبيض والأزرق ونهر النيل وروافده، إلى جانب البحيرات والخزانات والسدود، فضلا عن مياه البحر الأحمر.

وتظل الاستفادة من هذه الموارد مرتبطة بقدرة الصيادين على الوصول إليها ونقل إنتاجهم إلى الأسواق.

وبين النهر الذي يعود إليه بابكر بمراكبه، والسوق الذي يستقبل ما تحمله المياه، تستمر حكاية مهنة ارتبطت بمورد واسع ومتعدد المصادر، لكنها تحتاج إلى استدامة هذا المورد وحسن إدارته حتى يظل قادرا على إعالة أجيال أخرى من الصيادين والتجار.

المصدر: الجزيرة