إعلان

قسوة أم إحباط عابر.. لماذا يحتاج طفلك إلى مواجهة بعض الخيبات؟

جيل جديد من الآباء والأمهات تعلم أهمية مراعاة الاحتياجات النفسية للأطفال (غيتي)

تخيل أن ينفجر طفلك غضبا ويجهش بالبكاء لأنك رفضت شراء لعبة جديدة له. ربما لا يحتاج إليها لأنه يملك بالفعل الكثير من الألعاب، أو قد يكون هدفك تعليمه أن الحصول على كل ما يريده ليس ممكنا دائما، وأن تقبل الإحباط مهارة يحتاج إلى تعلمها.

مع ذلك، قد تسأل نفسك: هل أسبب تروما (صدمة نفسية) لطفلي؟ هل ينسى كل ما اشتريته له من ألعاب ويتذكر هذا الموقف عندما يتمدد على أريكة الطبيب النفسي بعد 20 عاما؟

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

على مدار السنوات الماضية نجحت جهود التوعية في تغيير أساليب التربية القديمة المؤذية، وتعلم جيل جديد من الآباء والأمهات أهمية مراعاة الاحتياجات النفسية للأطفال وحدودهم ومشاعرهم، لكن على الجانب الآخر سقط بعضهم في فخ المبالغة في القلق ومراعاة المشاعر.

من تجاهل المشاعر إلى الخوف منها

لفترة طويلة ارتبطت التربية الصارمة بالسيطرة على المشاعر، فاعتُبر البكاء ضعفا، والخوف تدللا، وقول "لا" "قلة أدب".

وركزت وسائل التربية على تقويم السلوكيات وتجاهلت مشاعر الطفل، كما عاش أطفال كثر في بيوت كان الضرب والإهانة فيها مفردات يومية معتادة.

تغيرت هذه الأساليب بمرور الزمن، وتراجع تأييد العقاب البدني. يظهر ذلك في توصيات الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال عام 2018 بتجنب أساليب الضرب والصراخ، والتي أكدت على عدم فاعليتها وارتباطها بزيادة مخاطر المشكلات السلوكية والمعرفية والعاطفية، ودعت إلى بدائل مثل وضع الحدود وإعادة التوجيه وإدارة التوقعات.

لقد أدت هذه التغيرات إلى زيادة وعي الآباء والأمهات وتراجع العنف الجسدي واللفظي تجاه الأطفال في أغلب البيوت. لكن تصحيح هذه المفاهيم الخاطئة دفع بعض العائلات إلى الطرف النقيض، فأصبح القلق من تأثير الضغوط اليومية على الطفل مبالغا فيه، وكأن أبسط التجارب الصعبة قد تترك لديه صدمة نفسية طويلة الأمد.

القلق من تأثير الضغوط اليومية على الطفل أصبح مبالغا فيه لدى بعض العائلات (غيتي)

ليست كل المشاعر السيئة (تروما)

تعرف الجمعية الأمريكية لعلم النفس الصدمة النفسية بأنها تجربة مؤلمة تثير مشاعر الخوف أو العجز أو الارتباك، وتترك آثارا سلبية طويلة الأمد في سلوك الفرد أو نظرته إلى الحياة.

إعلان

وينبغي التمييز بين التعرض لتجربة صادمة وبين الإصابة باضطراب كاضطراب ما بعد الصدمة (PTSD). وبحسب مراجعات سريرية يعد الحدث صادما حين يظهر لدى صاحبه نمط ملحوظ من إعادة المعايشة والتجنب وفرط اليقظة الذي يعطل الحياة اليومية.

إلا أن استخدام مصطلح "الصدمة" اتسع مع الوقت، في ظاهرة وصفها عالم النفس نيك هاسلام بـ"زحف المفاهيم"، في إشارة إلى توسع مفاهيم الضرر النفسي، مثل الصدمة والإساءة والتنمر والاضطراب النفسي، لتشمل أفقيا أنواعا جديدة من التجارب، ورأسيا حالات أقل حدة مما كانت تشير إليه في السابق.

ولهذا الاتساع جانب إيجابي هو توسيع الاعتراف بالتجارب المؤذية التي اعتاد الناس على التهوين من أثرها. لكنه حذّر من أن امتداد المفاهيم أكثر من اللازم قد يضعف جدية المفهوم حين تستخدم الكلمة نفسها لوصف كل ألم عابر.

التحديات القابلة للإدارة كجزء من النمو

يميز مركز نمو الطفل بجامعة هارفارد بين 3 أنماط من استجابة الجسم للضغط:

  • الضغط الإيجابي: استجابة قصيرة تزداد فيها ضربات القلب وهرمونات التوتر زيادة طفيفة ثم يعود الجسم إلى حالته الطبيعية، وهو جزء أساسي من النمو مثل التوتر الناتج عن اليوم الأول في الحضانة.
  • الضغط القابل للتحمل: استجابة أشد وأطول تنشأ عن تجارب مثل فقد عزيز أو كارثة طبيعية. وهي أحداث مؤلمة لكن يمكن تجاوزها بوجود علاقات داعمة تساعد الطفل على التكيف.
  • الضغط السام: ينتج عن شدائد قوية ومتكررة أو ممتدة، في غياب علاقة داعمة تخفف أثره. وقد يضر ببنية الدماغ ويرفع من مخاطر الإصابة بالأمراض لاحقا.

وتصف هذه المصطلحات تأثير الضغوط لا الحدث نفسه؛ بمعنى أن الفارق بين الضغط السام والضغط القابل للاحتمال لا يرتبط بسبب الضغط وإنما بكيفية تعامل الطفل معه، وهو ما يحدده بدرجة كبيرة وجود علاقة داعمة تحمي الطفل.

ويشير مركز نمو الطفل بجامعة هارفارد إلى أن تعلم التعامل مع التهديدات والضغوط القابلة للإدارة أمر حاسم لبناء المرونة النفسية، وأن الطفل الذي يعيش في كنف علاقات رعاية داعمة تكون استجاباته للضغط قصيرة ويعود بعدها سريعا إلى طبيعته، فتنمو لديه استجابة صحية واقية للضغط.

فمشاعر مثل الخسارة في مباراة، أو الخوف من تجربة جديدة أو التعرض للرفض، كلها تجارب غير مريحة لكنها جزء طبيعي من عملية النمو النفسي.

ووفقا لتقرير الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال عام 2021، فإن العلاقات الآمنة والمستقرة والراعية ضرورة بيولوجية لكل الأطفال، لأنها تخفف استجابات الضغط السام وتبني مهارات التعامل مع الشدائد لاحقا.

هناك مواقف تستدعي الحماية الفورية أو اللجوء لمتخصص مثل الإساءة أو الإهمال أو التعرض للعنف (غيتي)

الاعتراف بالمشاعر لا يعني تلبية الرغبات

يعد الإقرار بمشاعر الطفل (Validation) من أكثر المفاهيم التربوية التباسا، حيث يخلط الكثير من الآباء بين إقرار المشاعر وتلبية رغبات الطفل أو قبول السلوكيات الخاطئة، فعلى سبيل المثال إقرار حزن الطفل لأنه لم يحصل على اللعبة لا يعني شراءها، وإقرار مشاعر الغضب لا يعني أن بإمكانه ضرب أخيه.

إعلان

وفقا لعالم النفس جون جوتمان، هناك 4 أنماط في التعامل مع مشاعر الأبناء:

  • الأب المستخف: يعامل المشاعر السلبية على أنها تافهة.
  • الأب المستنكر: ينتقد التعبير عن المشاعر السلبية ويشدد على الالتزام بالسلوك الصحيح.
  • الأب المتساهل: يتعاطف مع الطفل لكنه لا يضع حدودا ولا يوجه.
  • مدرب المشاعر: يتعاطف ويضع حدودا واضحة في الوقت نفسه.

ويقترح جون جوتمان ما يعرف بنموذج تدريب الانفعالات عبر 5 خطوات عامة:

  • ملاحظة مشاعر الطفل.
  • النظر إليها كفرصة للتقارب والتعليم.
  • الإصغاء بتعاطف والاعتراف بما يشعر به.
  • مساعدة الطفل على تسمية مشاعره.
  • وأخيرا وضع الحدود مع مساعدته على حل المشكلة.

متى نحمي الطفل ومتى نتركه لمواجهة الألم

لا توجد قاعدة فاصلة لكافة المواقف لكن يمكنك أن تطرح على نفسك الأسئلة التالية:

  • هل الضغط مزمن ومتكرر أم عابر؟
  • هل علاقة الطفل بالبالغين من حوله آمنة؟
  • هل هناك أشخاص يمكنه الرجوع إليهم لتلقي الدعم؟
  • هل يتعافى الطفل ويستعيد توازنه بعد نوبة القلق أو التوتر؟

في المقابل، هناك مواقف تستدعي الحماية الفورية أو اللجوء لمتخصص مثل الإساءة أو الإهمال أو التعرض للعنف، والتغيرات المستمرة في النوم والسلوك، والتجنب الشديد، وتراجع الأداء في الحياة اليومية.

الحماية النفسية لا تعني تجنيب الطفل كل ألم، لكنها تعني الوقوف إلى جانبه في ألمه. يحتاج الطفل إلى الدعم لا الإنقاذ الدائم، كما يحتاج إلى بعض الإحباطات الصغيرة التي تعلمه أن الحياة لن تسير على هواه دائما.

يتعين عليه تقبل الخسارة أحيانا، والرفض، والانتظار، والملل، والفشل وإعادة المحاولة، أن يخطو في أراض جديدة دون قلق من السقوط لأنه يعرف أنك ستظل إلى جانبه حين يقف مجددا وينتهي ألمه ويبدأ من جديد.

المصدر: الجزيرة