إعلان

فرنسا عالقة في حلقة اقتصادية مفرغة.. الديون وعدم اليقين يخنقان النمو

الدين العام الفرنسي ارتفع إلى 119% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الثاني من 2026 (الفرنسية)

تدخل فرنسا مرحلة اقتصادية أكثر هشاشة، بعدما تحول عدم اليقين بشأن قدرتها على ضبط ماليتها العامة من مشكلة سياسية ومالية إلى عامل يضغط مباشرة على الاستثمار والاستهلاك والنمو، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى اقتصاد أقوى لكبح تسارع ديونها.

وحسب صحيفة وول ستريت جورنال، أفلت الاقتصاد الفرنسي بالكاد من الركود في الربع الثاني من 2026، مع ركود النشاط تحت تأثير موجات الحر التي أضرت بالإنتاج الزراعي، وصدمة أسعار الطاقة الناجمة عن الحرب في إيران.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

لكن المشكلة الأعمق داخلية، فالضبابية المحيطة بالمستقبل السياسي والمالي أصبحت عبئا على الاقتصاد، بينما اقتربت عوائد السندات الفرنسية الأسبوع الماضي من مستويات مرتبطة بأزمات الديون عقب استقبال سلبي لمشروع الموازنة، مما زاد مخاوف المستثمرين من بقاء البلاد عالقة في دوامة الدين، وفق الصحيفة.

ويرى هولغر شميدينغ كبير الاقتصاديين في بنك بيرنبرغ أن المشكلات تراكمت على مدى سنوات، وأن عدم اليقين السياسي أصبح عبئا كبيرا منذ دعوة الرئيس إيمانويل ماكرون لانتخابات برلمانية مبكرة منتصف 2024، والتي أفرزت برلمانا منقسما وصعّبت على الحكومات المتعاقبة تمرير الموازنات والإصلاحات.

فرنسا تفقد زخمها وألمانيا تتعافى

وتشير "وول ستريت جورنال" إلى انقلاب لافت في الأدوار داخل أوروبا. فبعدما شكلت فرنسا مصدرا نسبيا للاستقرار خلال فترة عانت فيها ألمانيا، بدأ الاقتصاد الألماني يستعيد زخمه بدعم من زيادة الإنفاق الحكومي وانتعاش الصناعة، بينما تفقد فرنسا قوة الدفع.

ويظهر الاستثمار بوصفه إحدى أبرز ضحايا الأزمة. فالشركات تؤجل الإنفاق بسبب عدم وضوح مسار الضرائب والتنظيم والسياسة الاقتصادية، بينما ظل استثمار الشركات شبه راكد منذ 2024، بعدما نما 4.5% عام 2023، وفقا لبيانات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية.

إعلان

وانخفض الاستثمار 0.8% في الربع الأول من 2026 ثم 0.3% في الربع الثاني، بينما يتوقع بنك فرنسا بقاء نموه محدودا مع استمرار الشركات في وضع "الانتظار والترقب".

وتكشف استطلاعات الأعمال مستوى أعمق من القلق. فقد أظهر مسح لاتحاد أرباب العمل الفرنسيين "ميديف" -أوردته الصحيفة- أن 82% من الشركات متشائمة بشأن تأثير السياسة الاقتصادية للحكومة المقبلة، بينما قالت 66% إن شركاتها قد تصبح معرضة للخطر أو الإفلاس إذا لم تتغير السياسة الاقتصادية خلال 5 سنوات.

وامتد التشاؤم إلى الأسر، ونقلت "وول ستريت جورنال" عن ليو بارينكو الاقتصادي في "أكسفورد إيكونوميكس" أن دخل الأسر وثقتها يتعرضان للضغط بفعل تدهور سوق العمل وارتفاع عدم اليقين منذ انتخابات 2024 وتراجع الدعم المالي الحكومي.

دين عند 119% من الناتج

تصف الصحيفة العلاقة بين السياسة والاقتصاد بأنها باتت ذاتية التعزيز، إذ يضغط عدم اليقين على الاستثمار والنمو، بينما يجعل ضعف الاقتصاد من الصعب إظهار تقدم اقتصادي وبناء تأييد للإصلاحات، مما يزيد الضبابية ويخفض الثقة.

ووصف كبير الاقتصاديين في بنك بيرنبرغ هذه العلاقة بأنها "حلقة تغذية راجعة سلبية" حيث يؤدي عدم اليقين نفسه، من خلال إضعاف الاقتصاد، إلى زيادة صعوبة الخروج من الأزمة.

وتزداد المشكلة حدة مع وضع المالية العامة. ففرنسا تسجل واحدا من أكبر عجز الموازنات في منطقة اليورو، بينما ارتفع الدين العام 1.5 نقطة مئوية خلال الربع الثاني إلى 119% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية التي نقلتها الصحيفة، مقتربا من مستويات الجائحة ونحو ضعفي المستوى المرجعي البالغ 60% في الاتحاد الأوروبي.

وأشارت شارلوت دو مونبلييه الخبيرة الاقتصادية لدى "آي إن جي" إلى أن ارتفاع تكاليف الاقتراض بعد موجة بيع السندات العالمية أعاد التركيز على حجم الإنفاق العام الفرنسي.

وتضع هذه المعادلة الحكومة أمام خيارات صعبة، فضبط المالية العامة قد يضغط على اقتصاد ضعيف، بينما يؤدي تأجيل المعالجة إلى استمرار ارتفاع الدين وعدم اليقين بشأن قدرة البلاد على السيطرة عليه.

انتخابات 2027 لا تضمن نهاية الأزمة

من المرجح أن تتزايد الضغوط مع اقتراب الانتخابات الرئاسية عام 2027. ونقلت "وول ستريت جورنال" عن الاقتصادي في "أكسفورد إيكونوميكس" قوله إن الانقسام السياسي قد يستمر بعدها، مما قد يدفع الحكومة التالية إلى مواصلة تأجيل معالجة المالية العامة، مما قد يجنب الاقتصاد صدمة تقشفية سريعة لكنه يطيل أمد عدم اليقين.

ورغم الصورة القاتمة، رصدت الصحيفة بعض المؤشرات الإيجابية، فقد عاد مؤشر مديري المشتريات المركب إلى نطاق النمو في سبتمبر/أيلول للمرة الأولى هذا العام، وأظهر القطاع الصناعي بعض الصمود، بينما وفر انخفاض اعتماد فرنسا نسبيا على واردات الوقود الأحفوري قدرا من الحماية من صدمة الطاقة.

كما ترى دو مونبلييه أن تحسن ثقة الشركات وقوة إنفاق المستهلكين في يوليو/تموز يدعمان احتمال تسجيل نمو إيجابي بالربع الثالث، في حين يتوقع شميدينغ استعادة نحو نصف الخسائر المرتبطة بموجات الحر خلال الربع الرابع.

إعلان

لكن هذه المؤشرات لا تعالج مصدر الضعف الداخلي. ويرى شميدينغ أنه من الصعب توقع عودة فرنسا إلى معدلات النمو المقبولة التي سبقت الأزمة قبل حل مشكلة عدم اليقين السياسي.

المصدر: وول ستريت جورنال