بعد 3 سنوات من 7 أكتوبر .. كيف تعيد إسرائيل تشكيل الشرق الأوسط؟
3 سنوات مرت منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، لكن الشرق الأوسط الذي نعرفه قبل ذلك اليوم لم يعد موجودا. فالحرب التي بدأت من غزة لم تبق داخل حدود القطاع، بل تمددت إلى لبنان وسوريا واليمن والعراق، ثم انتقلت المواجهة إلى مستوى أكثر خطورة مع إيران نفسها.
وخلال هذه السنوات، سقط نظام بشار الأسد، وتعرضت قدرات حزب الله لضربات واسعة، وأصيبت حماس بضرر عسكري كبير، وانتقلت إسرائيل من مواجهة أطراف مرتبطة بإيران إلى مواجهة مباشرة مع طهران. وبذلك لم تعد الحرب مجرد حرب على غزة، وإنما أصبحت لحظة إعادة تشكيل للنظام الإقليمي بأكمله.
السؤال الذي يفرض نفسه بعد ثلاث سنوات ليس فقط: ماذا حدث؟ بل ماذا تريد إسرائيل من كل هذا؟
من الواضح أن إسرائيل خرجت من 7 أكتوبر/تشرين الأول وهي تنظر إلى المنطقة من زاوية مختلفة، فقد اعتبرت الهجوم تهديدا إستراتيجيا كشف هشاشة منظومتها الأمنية، ولذلك اتجهت إلى محاولة إعادة بناء الردع بالقوة العسكرية، ليس في غزة وحدها، وإنما على امتداد الجبهات المحيطة بها.
وقد أعلن بنيامين نتنياهو منذ الأيام الأولى للحرب أن الهدف هو تغيير الواقع الأمني في المنطقة، فيما تحولت العمليات العسكرية لاحقا إلى حملة واسعة ضد غزة وحزب الله في جنوب لبنان، ثم إلى مواجهة مباشرة مع إيران.
إسرائيل لا تنظر إلى الجنوب اللبناني فقط باعتباره جبهة عسكرية، وإنما باعتباره جزءا من معادلة أمنية جديدة تريد فرضها على حدودها الشمالية
في غزة، لا تبدو المسألة بالنسبة لإسرائيل مجرد إنهاء حكم المقاومة
الحرب أعادت طرح سؤال السيطرة على القطاع ومستقبله السياسي والأمني. وحتى بعد وقف إطلاق النار الشكلي الذي اتفق عليه، ظلت مسألة الانسحاب الإسرائيلي الكامل محل خلاف، بينما استمرت ترتيبات عسكرية ومناطق عازلة داخل القطاع. وتشير تحليلات حديثة إلى أن إسرائيل تبنت مفهوم "المناطق العازلة " كجزء من إستراتيجيتها الأمنية في غزة، وكذلك في لبنان وسوريا.
وهنا تظهر إحدى أهم القضايا: هل تريد إسرائيل غزة منزوعة السلاح فقط، أم تريد واقعا جديدا يجعل القطاع تحت رقابة أمنية إسرائيلية طويلة الأمد؟
هذا السؤال لا يتعلق بغزة وحدها، فهو يرتبط برؤية أوسع تقوم على ألا تعود الحدود الإسرائيلية إلى ما كانت عليه قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول، وألا تتمكن القوى المسلحة المحيطة بإسرائيل من إعادة بناء قدراتها كما كانت.
وفي لبنان، انتقلت إسرائيل من سياسة الاحتواء إلى محاولة تغيير المعادلة
فحزب الله كان قبل الحرب أحد أهم عناصر القوة العسكرية المرتبطة بإيران على الحدود الشمالية. وبعد سنوات من المواجهة، استهدفت إسرائيل بنيته العسكرية وقيادته وقدراته الصاروخية، ثم توسعت العمليات داخل لبنان. وفي عام 2026، أعلنت إسرائيل خططا للحفاظ على وجود عسكري في أجزاء من جنوب لبنان، وربطت ذلك بإبعاد حزب الله ونزع سلاحه.
وهذا يعني أن إسرائيل لا تنظر إلى الجنوب اللبناني فقط باعتباره جبهة عسكرية، وإنما باعتباره جزءا من معادلة أمنية جديدة تريد فرضها على حدودها الشمالية.
أما سوريا، فقد حدث فيها التغيير الأكثر دراماتيكية
سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 أنهى واحدا من أهم جسور النفوذ الإيراني في المنطقة، فقد كانت سوريا جزءا أساسيا من شبكة الإمداد التي ربطت إيران بحزب الله في لبنان.
ومع سقوط الأسد، خسرت طهران حلقة إستراتيجية مهمة في هذه الشبكة. لكن إسرائيل لم تكتف بمراقبة التحول السوري من بعيد، بل سعت إلى إقامة ترتيبات أمنية ومناطق عازلة داخل الأراضي السورية، الأمر الذي يفتح سؤالا آخر: هل تسعى إسرائيل إلى حدود آمنة، أم إلى إعادة رسم البيئة الأمنية والسياسية المحيطة بها بحيث لا تستطيع أي سلطة سورية مستقبلية أن تشكل تهديدا لها؟
إسرائيل قد تكون أضعفت حماس وحزب الله، وأخرج سقوط الأسد سوريا من دائرة التحالف الإستراتيجي مع إيران، وألحقت أضرارا كبيرة بالقدرات الإيرانية، لكن هذه النتائج لم تتحول تلقائيا إلى ما تريده هي من تغيير
ثم جاءت إيران، الحلقة الأكبر في هذا الصراع
على مدى سنوات، اعتمدت إسرائيل على ضرب نفوذ إيران عبر استهداف حلفائها وشبكاتها في المنطقة. لكن تطورات ما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول نقلت المواجهة إلى مستوى مختلف. فالضربات الإيرانية المباشرة على إسرائيل في عام 2024، ثم الحرب الواسعة بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران في عام 2026، جعلت الصراع بين الدولتين مباشرا بدل أن يبقى في إطار حرب الظل وحروب الوكلاء.
وهنا يمكن فهم جزء أساسي من الإستراتيجية الإسرائيلية: إضعاف الحلقة الإيرانية الممتدة من طهران إلى العراق وسوريا ولبنان وغزة واليمن، ثم منع إيران من إعادة بناء هذه الشبكة.
لكن المشكلة أن إضعاف الخصوم عسكريا لا يعني بالضرورة بناء نظام إقليمي مستقر.
فإسرائيل قد تكون أضعفت حماس وحزب الله، وأخرج سقوط الأسد سوريا من دائرة التحالف الإستراتيجي مع إيران، وألحقت أضرارا كبيرة بالقدرات الإيرانية، لكن هذه النتائج لم تتحول تلقائيا إلى ما تريده هي من تغيير، بل إن المنطقة أصبحت أكثر اضطرابا، وأصبحت الحدود بين الحروب والجبهات أكثر تداخلا.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
إسرائيل تريد شرق أوسط أكثر أمنا بالنسبة إليها، لكنها تعمل على تحقيق ذلك أساسا من خلال القوة العسكرية وإعادة رسم موازين القوى.
تبقى غزة هي الاختبار الأكبر: فإذا انتهت الحرب من دون أفق سياسي للفلسطينيين، فقد تكون إسرائيل قد غيرت ميزان القوة، لكنها لن تكون قد أنهت الصراع الذي أشعل المنطقة من جديد في 7 أكتوبر/تشرين الأول
أما الفلسطينيون، فيرون الصورة من زاوية مختلفة تماما: حرب مدمرة في غزة، واستمرار الاحتلال والاستيطان في الضفة الغربية، وصراع على الأرض والمياه والقدس والوجود السياسي الفلسطيني. ولذلك فإن إضعاف الفصائل المسلحة لا يحسم السؤال الفلسطيني، لأن أصل الصراع سياسي بقدر ما هو أمني.
ومن هنا فإن مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد فقط بميزان القوة بين إسرائيل وإيران، ولا بقدرة حزب الله أو حماس على إعادة بناء قدراتهما، بل بالسؤال الذي ظل مؤجلا لعقود: هل يمكن بناء نظام إقليمي جديد من دون حل القضية الفلسطينية؟
3 سنوات بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول كشفت أن إسرائيل استطاعت تغيير الكثير من المعادلات العسكرية حولها، لكنها لم تستطع حتى الآن أن تقدم تصورا متفقا عليه لليوم التالي، لا في غزة ولا في القضية الفلسطينية عموما. كما أن إضعاف خصم مسلح لا يعني اختفاء القضية التي أنتجت الصراع.
لذلك، ربما يكون السؤال الأهم في الذكرى الثالثة لـ 7 أكتوبر/تشرين الأول ليس فقط: من انتصر عسكريا؟
بل: أي شرق أوسط تريد إسرائيل أن يولد من بين أنقاض هذه الحرب؟
شرق أوسط يقوم على حدود أمنية ومناطق عازلة وقوة عسكرية متفوقة، أم شرق أوسط جديد تعاد فيه صياغة العلاقات على أساس تسويات سياسية تعالج جذور الصراع؟
حتى الآن، تبدو الوقائع على الأرض أقرب إلى الخيار الأول، لكن التاريخ يثبت أن القوة تستطيع تغيير الخرائط الأمنية، ولا تستطيع وحدها أن تصنع سلاما أو أمنا أو استقرارا.
وهنا تبقى غزة هي الاختبار الأكبر: فإذا انتهت الحرب من دون أفق سياسي للفلسطينيين، فقد تكون إسرائيل قد غيرت ميزان القوة، لكنها لن تكون قد أنهت الصراع الذي أشعل المنطقة من جديد في 7 أكتوبر/تشرين الأول.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.