21 لاعبا.. لماذا يتزايد حضور البريطانيين في الدوري الإيطالي؟

حفظ

MADRID, SPAIN - SEPTEMBER 08: Curtis Jones of FC Internazionale reacts during the UEFA Champions League 2026/27 League Phase MD1 match between Real Madrid C.F. and FC Internazionale Milano at Estadio Santiago Bernabeu on September 08, 2026 in Madrid, Spain. (Photo by Angel Martinez/Getty Images)
كورتيس جونز لاعب إنتر ميلان الإيطالي (غيتي)

كان الإنجليزي تشارلز أدكوك أول لاعب من بلاده يلعب في الدوري الإيطالي، وهو الجندي السابق الذي انتقل إلى نادي بادوفا عقب الحرب العالمية الثانية، والمفارقة أن أدكوك لم يخض أي مباراة في دوري بلاده قبل تجربته الإيطالية، وبعد سنوات عدة في إيطاليا عاد إلى إنجلترا عام 1953، حيث لعب مع بيتربورو يونايتد، الذي كان ينشط حينئذ خارج دوري المحترفين.

وخلال العقود الثمانية التالية لانتقال أدكوك، لعب أكثر من 50 لاعبا إنجليزيا في الدوري الإيطالي، لكن الموسم الحالي يشهد ظاهرة غير مسبوقة؛ إذ يوجد 21 لاعبا بريطانيا مع أندية إيطالية، بينهم 15 إنجليزيا، يتقدمهم لاعبون من المنتخب الإنجليزي مثل جون ستونز وديد سبينس اللذين انتقلا إلى إنتر بعد كأس العالم.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

فما الذي يقف وراء هذا الحضور البريطاني المتزايد في أحد أكثر الدوريات الأوروبية ارتباطا بالمدرسة التكتيكية الإيطالية؟ تقرير لصحيفة "ذا غارديان" يسلط الضوء على هذه الظاهرة الاستثنائية.

إرث قديم

الوجود البريطاني في إيطاليا ليس ظاهرة جديدة، ففي ثمانينيات القرن الماضي، شهد الدوري الإيطالي موجة من الأسماء الإنجليزية الكبيرة، كان من أبرزها تريفور فرانسيس، أول لاعب بريطاني تصل قيمته إلى مليون جنيه إسترليني (نحو 1.3 مليون دولار)، عندما انضم إلى سامبدوريا عام 1982.

وهناك في ميلان ظهر مارك هاتيلي وراي ويلكينز، اللذان قضيا ثلاثة مواسم مع النادي خلال منتصف الثمانينيات، قبل أن يأتي بول غاسكوين ليصبح النجم الإنجليزي الأبرز في إيطاليا خلال التسعينيات.

وبجانب غاسكوين خاض عدد من اللاعبين الإنجليز تجارب في إيطاليا، مثل فرانز كار وداني ديتشيو، لكن أعداد اللاعبين البريطانيين في تلك الحقبة كانت محدودة للغاية مقارنة بما يحدث اليوم.

وفي تلك السنوات، كان الجمهور الإنجليزي يتابع أخبار الدوري الإيطالي عبر برنامج "فوتبول إيطاليا" الذي قدمه جيمس ريتشاردسون، بينما أصبحت مباريات الدوري الإيطالي اليوم تُنقل بصورة رئيسية عبر شبكة "تي إن تي"، مع المعلق آدم سامرتون الذي تابع عن قرب موجة الحضور البريطاني الجديدة، وفقا لـ"ذا غارديان".

إعلان

ويرى سامرتون أن الظاهرة الحالية متعددة الأسباب، ويقول إن البداية تعود إلى اللاعبين الذين مهدوا الطريق، ومن بينهم الأسكتلندي ليام هندرسون الذي يعيش تجربة الاحتراف في إيطاليا منذ عام 2018، وكذلك كريس سمولينغ الذي انتقل إلى روما عام 2019 وقضى خمسة أعوام مع النادي، وكان رجل المباراة في نهائي دوري المؤتمر الأوروبي عام 2022، عندما تُوج الفريق باللقب تحت قيادة جوزيه مورينيو.

LIVERPOOL, ENGLAND - AUGUST 10: Chris Smalling of Roma gestures during the pre-season friendly match between Everton and Roma at Goodison Park on August 10, 2024 in Liverpool, England. (Photo by Ben Roberts Photo/Getty Images)
كريس سمولينغ قضى فترة جيدة مع روما (غيتي)

صورة مختلفة

أحد أبرز أسباب تنامي الإقبال على اللاعبين البريطانيين هو تغير الصورة التي يحملها الإيطاليون عنهم.

ويشير سامرتون إلى أن المديرين الرياضيين في إيطاليا يقدّرون بصورة خاصة العمل الجاد والاحترافية والمثابرة التي يتمتع بها اللاعبون الأسكتلنديون، كما اكتسب البريطانيون سمعة جيدة داخل غرف الملابس بوصفهم لاعبين قادرين على الاندماج والعمل ضمن المجموعة، وهي صفات جذابة لأي ناد يبحث عن بناء فريق متماسك.

لكن التغيير لا يتعلق بنظرة الأندية الإيطالية وحدها، بل باللاعبين أنفسهم أيضا، فالعالم أصبح أصغر، واللاعب الحديث بات أكثر استعدادا للنظر إلى الاحتراف خارج بلاده بوصفه فرصة وليس مخاطرة.

كما أصبح كثير من اللاعبين يرون في الانتقال إلى الخارج وسيلة للنضج على المستويين الشخصي والرياضي، من خلال اكتشاف ثقافة جديدة وتعلم لغة مختلفة والتكيف مع أسلوب حياة مغاير.

ولعل سكوت مكتوميناي يمثل أحد أبرز الأمثلة على ذلك، بعدما أصبح إعجابه بـ"طماطم نابولي" جزءا من صورته في إيطاليا، بالتزامن مع تجربة ناجحة للغاية مع نابولي.

FILE - Napoli's Scott McTominay reacts after a missed opportunity during a Champions League opening phase soccer match between SL Benfica and Napoli in Lisbon, Wednesday, Dec. 10, 2025. (AP Photo/Armando Franca, file)
سكوت مكتوميناي نجم نابولي (أسوشيتد برس)

نجاح مستمر

لم يعد الأمر مجرد تجارب فردية للاعبين بريطانيين في إيطاليا، بل بدأت النتائج نفسها في تغيير نظرة الأندية الإيطالية إلى السوق البريطانية.

الأسكتلندي لويس فيرغسون، الذي انتقل إلى بولونيا عام 2022، حصل على جائزة أفضل لاعب وسط في الدوري الإيطالي لموسم 2023-2024، كما أصبح قائدا للفريق عندما تغلب على ميلان في نهائي كأس إيطاليا العام الماضي.

ثم جاء سكوت مكتوميناي إلى نابولي، ليذهب الأمر إلى مستوى آخر؛ إذ حصل اللاعب الأسكتلندي على جائزة أفضل لاعب في الدوري الإيطالي، بالتزامن مع تتويج نابولي بلقب المسابقة.

هذه النجاحات صنعت نموذجا جديدا للاعب البريطاني في إيطاليا، وجعلت الأندية أكثر استعدادا لمنح الفرصة للاعبين القادمين من إنجلترا وأسكتلندا.

جزء من الهوية

هناك عامل آخر لا يتعلق بالمال أو المنافسة فقط، وإنما باحترام اللاعبين لتاريخ كرة القدم الإيطالية.

ويستشهد سامرتون بفيكايو توموري، الذي تحدث عن شعوره بالفخر كل يوم عندما كان يرى شعار ميلان على ملابس التدريب، بوصفه لاعبا يدافع عن ألوان مؤسسة كروية عريقة.

ولم يكتفِ توموري باللعب مع النادي، بل بذل جهدا واضحا لتعلم اللغة الإيطالية، وسرعان ما أصبح قادرا على إجراء المقابلات باللغة المحلية بعد انتقاله إلى ميلان عام 2020.

وهذا السلوك يتناقض مع الصورة القديمة التي كانت ترى أن اللاعبين البريطانيين يجدون صعوبة في الاندماج مع الثقافات الأجنبية.

Soccer Football - Serie A - Pisa SC v AC Milan - Arena Garibaldi - Stadio Romeo Anconetani, Pisa, Italy - February 13, 2026 AC Milan's Fikayo Tomori celebrates after the match REUTERS/Matteo Ciambelli
فيكايو توموري (رويترز)

تطور أكاديمي

المفارقة أن جزءا من هذا النجاح يعود أيضا إلى تطور تكوين اللاعبين داخل أكاديميات الدوري الإنجليزي الممتاز.

إعلان

فالأكاديميات الإنجليزية أصبحت تنتج لاعبين أكثر تطورا من الناحية الفنية، وهو ما جعل بعضهم مناسبا بشكل أكبر لطبيعة الدوري الإيطالي.

ومن بين الأمثلة أوماري هاتشينسون، الذي تخرج في أكاديمية تشيلسي، وانتقل إلى ميلان على سبيل الإعارة من نوتنغهام فورست.

AC Milan's Omari Hutchinson runs during the Europa League opening phase soccer match between AC Milan and Benfica in Milan, Italy, Wednesday, Sept. 16, 2026. (AP Photo/Antonio Calanni)
أوماري هاتشينسون لاعب ميلان (أسوشيتد برس)

الفارق الاقتصادي

لكنَّ هناك سببا أكثر بساطة وراء بعض هذه الانتقالات، هو الفارق الاقتصادي الهائل بين الدوري الإنجليزي الممتاز وبقية الدوريات الأوروبية.

فبالنسبة للاعب جيد لكنه لا يضمن مكانا أساسيا في أحد أندية البريميرليغ، يمكن أن تمثل إيطاليا فرصة للحصول على دور أكبر في فريق كبير، واللعب بانتظام في دوري قوي، بدلا من البقاء على هامش فريق إنجليزي.

ربما لا يوجد ناد يجسد هذه الظاهرة حاليا أكثر من إنتر ميلان، فالنادي الإيطالي تعاقد هذا الصيف مع كورتيس جونز قادما من ليفربول، لينضم إلى جون ستونز وديد سبينس، في موجة بريطانية لافتة داخل أحد أكبر الأندية الإيطالية.

وقبل وصول هذا الثلاثي، لم يكن في تاريخ إنتر سوى ثلاثة لاعبين إنجليز فقط: جيري هيتشنز عام 1961، وبول إينس عام 1995، وآشلي يونغ عام 2020.

أما ستونز فأبدى بوضوح حجم مشاعره تجاه الانتقال إلى ناد بحجم إنتر، مؤكدا أنه يشعر بالسعادة والفخر والحماس، وأنه لم يكن يتخيل مكانا أفضل لخوض هذه التجربة.

ويرى سامرتون أن المؤشرات الأولى لكورتيس جونز إيجابية، مشيرا إلى أنه لاعب يتناسب مع الصورة التي كان يبحث عنها مدرب إنتر، كريستيان كيفو، خاصة أن أداء جونز أمام إنتر في دوري أبطال أوروبا الموسم الماضي كان أحد العوامل التي لفتت أنظار النادي إليه.

MILAN, ITALY - SEPTEMBER 14: Curtis Jones of FC Internazionale Milano in action during the Serie A match between FC Internazionale and Udinese Calcio at Stadio Giuseppe Meazza on September 14, 2026 in Milan, Italy. (Photo by Claudio Villa/Getty Images)
كورتيس جونز لاعب إنتر (غيتي)

جذب المزيد

ومن الأسماء التي يترقبها سامرتون أيضا تريفوه تشالوباه، الذي انتقل إلى كومو أحد أكثر المشروعات إثارة للاهتمام في كرة القدم العالمية حاليا، تحت قيادة سيسك فابريغاس.

تشالوباه يعرف فابريغاس جيدا منذ فترة وجودهما في تشيلسي، ويعرف مدى مطالبه من اللاعبين الشباب، وهو ما يجعل العمل معه فرصة مهمة بالنسبة إلى المدافع الإنجليزي.

لكن التجربة تحمل إغراءات أخرى أيضا؛ فكومو يمنحه فرصة اللعب في دوري أبطال أوروبا، إلى جانب العيش بالقرب من بحيرة كومو، في إحدى أكثر المناطق شهرة وجاذبية في إيطاليا.

Como's Trevoh Chalobah controls the ball during a Champions League opening phase soccer match between Como and Leipzig, in Como, Italy, Thursday, Sept.10, 2026. (AP Photo/Luca Bruno)
تشالوباه بقميص كومو في دوري أبطال أوروبا (أسوشيتد برس)

لماذا الآن؟

الأندية الإيطالية باتت تجد في اللاعب البريطاني مزيجا من الاحترافية والقوة البدنية والانضباط والاستعداد للتعلم والاندماج، بينما وجد اللاعبون البريطانيون في إيطاليا فرصة للعب مع أندية تاريخية، والحصول على دور أكبر، واكتشاف ثقافة كروية مختلفة.

وربما تكون المفارقة الكبرى أن الدوري الذي كان البريطانيون ينظرون إليه ذات يوم بوصفه عالما بعيدا ومختلفا، أصبح الآن أحد أكثر الوجهات جذبا لهم.

المصدر: غارديان

إعلان