عـاجـل: رويترز عن مصادر أمنية وطبية: مقتل متظاهرين اثنين وإصابة 38 في بغداد جراء إطلاق قنابل غاز مسيل للدموع

طرابلس.. من "قندهار لبنان" إلى "عروس الثورة"

في مظاهرات طرابلس حفلة راقصة بالهواء الطلق تغير طابع المدينة المحافظة (رويترز)
في مظاهرات طرابلس حفلة راقصة بالهواء الطلق تغير طابع المدينة المحافظة (رويترز)

باتت مدينة طرابلس شمالي لبنان محط أنظار المواطنين ووجهة وسائل إعلام محلية تفرد هواءها للبث المباشر، بعدما كانت تتسابق قبل سنوات على مواكبة جولات اقتتال دامية شهدتها وتصوير أطفال يحملون الأسلحة أو تقصي أخبار المسلحين.

فمنذ بدء مظاهرات الحراك الشعبي، تحول ليل طرابلس التي وُصفت يوماً بأنها "قندهار لبنان" إلى مسرح كبير يصدح بالأغاني وحلقات الرقص وأناشيد حماسية، ليكسر آلاف الشبان والشابات الصورة النمطية لمدينة محافظة ارتبط اسمها بالحروب والتطرف والفقر.

شموع راقصة
ويتدفّق الآلاف من مختلف مناطق الشمال يومياً منذ ليل الجمعة إلى ساحة عبد الحميد كرامي المسماة ساحة النور بالمدينة الساحلية تنديداً بالظروف المعيشية الصعبة والبطالة والفساد، كما هي الحال في بقية المناطق. لكن المظاهرات سرعان ما اتخذت طابعاً احتفالياً استثنائياً، بحسب تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية.

وتتحول المظاهرات إلى حفلة راقصة في الهواء الطلق، ويرفع المعتصمون هواتفهم الخلوية مضاءة كالشموع، ويتمايلون على إيقاع موسيقى وأغان صاخبة تتنوع بين الوطنية وتلك الحماسية الرائجة في صفوف الشباب.

وتقول الطالبة الجامعية أمل (22 عاماً) "دفعت طرابلس ثمناً باهظاً جراء النظام السياسي القائم في البلد، وحملت وصمة الإرهاب وكان الجميع يخاف من الدخول إلى المدينة باعتبارها متشددة وإسلامية".  

وتوضح أن مدينتها "عكس ذلك تماما (...) وجاءت هذه المناسبة المطلبية لنعبّر فيها عن مطالبنا بإسقاط السلطة" مؤكدة أنها "فخورة" لأنها "جزء من تحرك عكس الطابع الحضاري لطرابلس".

المعتصمون يتمايلون على إيقاع موسيقى وأغان رائجة لدى الشباب (رويترز)

نزاعات لعقود
وشهدت المدينة نزاعات عدة على مدى عقود، والتحق مئات من أبنائها بالمقاتلين ضد النظام في سوريا المجاورة بعد اندلاع النزاع عام 2011. ولاحقت السلطات اللبنانية مجموعات مسلحين وأوقفتهم بتهم التخطيط والمشاركة في عمليات إرهابية واعتداءات في لبنان، أو التوجه إلى سوريا للالتحاق بصفوف التنظيمات الإسلامية.

وشهدت المدينة بين عامي 2007 و2014 عشرين جولة اقتتال على الأقل بين سكان جبل محسن ذي الغالبية العلوية وسكان التبانة ذي الغالبية السنية، وزاد النزاع السوري من طابعها الطائفي. وتوقفت مع فرض الدولة خطّتها الأمنية عام 2014.    

كما تعرضت لتفجيرات استهدف أبرزها مسجدين بالمدينة صيف 2013، مما أوقع 45 قتيلاً وعشرات الجرحى. كما تتعرض مراكز الجيش فيها بين الحين والآخر لإطلاق قذائف وهجمات.

الطبيب والناشط الاجتماعي نافذ مقدّم "تثور طرابلس لأنها مظلومة ومقهورة" (رويترز)

عروس الثورة
وتعد مدينة طرابلس عاصمة شمال لبنان لكنها تعاني من إهمال شديد لمرافقها ويعيش 57% من سكانها عند خط الفقر أو دونه، بينما يعاني 26% من فقر مدقع، وفق دراسة للأمم المتحدة عام 2015.  

وفي الأيام الأولى للحراك الشعبي، مزق المتظاهرون صوراً للزعماء تنتشر في الأحياء الفقيرة وعلى المحال والأعمدة الكهربائية، من دون أن يستثنوا أحداً، وفي مقدمهم رئيس الحكومة سعد الحريري الذي كان يحظى بشعبية كبيرة، إضافة لزعماء سنة محليين بينهم رجال أعمال يعدون من أبرز أثرياء لبنان.

وبعدما انتشرت مقاطع فيديو مصورة في المدينة على مواقع التواصل الاجتماعي وعبر الإعلام، انضم متظاهرون من مختلف المناطق المجاورة للحراك. وعبر مكبرات الصوت، يوجه المتظاهرون تحية إلى منطقتي زغرتا وبشري ذات الغالبية المسيحية والضاحية الجنوبية ذات الغالبية الشيعية ومناطق أخرى.

وما تشهده طرابلس يصفه محمود شواك (50 عاماً) الذي يرأس جمعية محلية تساهم في تنظيم المظاهرات بأنه "عرس بكل ما للكلمة من معنى" واختار أحد المتظاهرين أن يطلق على المدينة لقب "عروس الثورة".

ومن اليوم الأول، بادر مهدي كريمة (29 عاماً، منسق موسيقى بالمدينة) إلى تسلق سطح بناء مطل على الساحة مع عدد من أصدقائه وأجهزته الموسيقية، ليبدأ تنسيق موسيقى وأغان شكلت نقطة جذب كبيرة للمتظاهرين.

ويقول كريمة -الذي لم يتخيل يوماً أن مبادرته الفردية ستتحول لعدوى تجتاح مناطق أخرى، لوكالة فرانس برس "قمتُ بهذه المبادرة بشكل فردي مع عدد من أصدقائي، وقد ساهمت بإعطاء طابع حضاري لتظاهرة طرابلس، وقد باتت حديث جميع اللبنانيين".

في طرابلس وعلى غرار بقية المناطق يتخذ الحراك المطلبي طابعاً اقتصادياً بالدرجة الأولى (رويترز)

أثرياء.. حرمان
تطوعت مؤسسات محلية وأفراد لتوزيع حلويات تشتهر بها المدينة على المتظاهرين أو وجبات طعام وعبوات مياه وعصير الليمون، في حين يجد فقراء المدينة الذين يبيعون الفول المسلوق وعرانيس الذرة في هذه التجمعات مصدر رزق لهم.

وعلى غرار بقية المناطق، يتخذ الحراك المطلبي طابعاً اقتصادياً بالدرجة الأولى في المدينة التي تعاني من إهمال الدولة لها، مما أدى إلى عدم تشغيل مرافقها الحيوية والاقتصادية وحولها إلى مدينة معزولة.     

وتضم طرابلس مرفأ ذا موقع إستراتيجي بين لبنان وسوريا، بقي مهملاً لأكثر من نصف قرن، بالإضافة إلى تحفة معمارية من تصميم البرازيلي أوسكار نيماير أشهر معماري العالم في القرن العشرين، لكنها مهدّدة بالانهيار في حال لم يصار لترميمها.   

وبينما تضمّ طرابلس أثرياء من سياسيين ورجال أعمال، تنقسم المدينة عمودياً بين أحياء فقيرة تعاني من الحرمان وضواح غنية.   

مظلومة ومقهورة
وتقول وفاء خوري (48 عاماً) وهي ناشطة اجتماعية "نريد طبقة حاكمة لديها كرامة مثلنا، ونريد دولة مدنية، وفصل السلطات، وفصل الدين عن السلطة".  

وتراجعت خلال الانتخابات النيابية الأخيرة عام 2018 شعبية تيار المستقبل الذي يتزعمه الحريري الذي لطالما وعد أهالي المدينة الذين يشكلون حاضنة شعبية له بالإنماء وتحسين شأن طرابلس. 

ويقول الطبيب والناشط الاجتماعي نافذ مقدّم (60 عاماً) "تثور طرابلس لأنها مظلومة ومقهورة".

المصدر : الفرنسية