الهوية الزرقاء وجواز السفر المُصفّر.. سببان لحرمان الآلاف في غزة

غادة البابا من الأردن لا تستطيع السفر لزيارة أهلها (الجزيرة)
غادة البابا من الأردن لا تستطيع السفر لزيارة أهلها (الجزيرة)

غزة- "حياة الحرمان والفقد والسجن المؤبد نعيشها مع هذه الهوية" بهذه الكلمات وصف أكثر من 10 آلاف من حَملة الهوية الزرقاء حالهم في غزة؛ تنوعت القصص والسبب واحد، وهو عدم وجود وثيقة رسمية تُمكنهم من ممارسة حياتهم بشكل طبيعي كأي فلسطيني يعيش في غزة، إذ تم استبدال وثائقهم الرسمية بهويات زرقاء وجوازات سفر لا تحمل أرقاما وطنية معترفا بها، التي لا تمكنهم من التنقل عبر المعابر الحدودية مع قطاع غزة.

الهوية الزرقاء أصدرتها الحكومة في غزة عند توليها الحكم عام 2007، ولا تعترف بها إسرائيل للسفر عبر معبر بيت حانون (إيرز)، أما عن جواز السفر الذي لا يحمل الرقم الوطني أو ما يسمى "بالمُصَفّر"، فلقد أمر بإصداره الرئيس محمود عباس عام 2017، وتم تفعيله عبر معبر رفح لوقت قليل من ذلك العام، ثم تم منع السفر به عام 2018 حتى اللحظة.

حرمان من الأهل

غادة البابا (40 عاما) ولدت في الأردن، وأتت إلى قطاع غزة لتتزوج من ابن عمها عام 2001، اعتقدت أن وجودها في غزة لن يحرمها من والديها وأخواتها، لكن منذ أن تركَت الأردن لم تلتق بهم قط، وباستمرار، تطالب بلم شملها مع عائلتها ولو ليوم واحد فقط.

وتقول -للجزيرة نت- "لم أفكر يوما أنني سوف أكون سجينة في بلدي، أحب غزة وأفتخر بفلسطينيتي، ولم أندم على الإطلاق أنني جئت إلى غزة وعشت بها، ولكن الموجع هو عدم معاملتي بأنني فلسطينية وعدم إعطائي حقي بوجود بطاقة تعريفية -الهوية الفلسطينية- التي تمكنني من تقديم طلب تصريح للخروج عبر معبر بيت حانون للسفر إلى الأردن ورؤية عائلتي، فهذه الهوية الزرقاء لا تعترف بها إسرائيل لذلك لم أتمكن من السفر، 20 عاما من الغياب.. بكيت كثيرا شوقًا لعائلتي، ولمنعي من حقي في السفر، والتنفس قليلا من الضغط الصعب الذي نعيشه في غزة".

عبرت غادة عن حقها في السفر للترويح عن نفسها بعد العيش بعدة حروب متتالية، أفقدتها القدرة على التحمل والعيش تحت ضغط نفسي صعب، حيث وصفت الحرب الأخيرة بالقاتلة، إذ تحتاج إلى علاج نفسي لمحاولة تخطي لحظات الموت التي رأتها مع عائلتها، موضحة ذلك بقولها "من حق كل مواطن في غزة السفر للعلاج والتعليم وللترفيه أيضا، لكنهم يطبقون قانون السجن الجماعي في غزة، هذه المشكلة حرمتني من فرصة تجديد جواز سفري الأردني، قلبي يحترق بسبب الغياب الذي لا تعوضه مواقع التواصل الاجتماعي".

وثائق رسمية غير معترف بها للمرور عبر المعابر في غزة إلى الخارج (الجزيرة)

حرمان من العلاج

شذى ياغي (39 عاما) جاءت إلى غزة برفقة عائلتها للاستقرار عام 1996، وكان عمرها 14 عاما، أي أنها لم تبلغ السن القانوني لكي تُمنح هوية فلسطينية، وعندما بلغت ذلك السن لم تأخذ حقها بالحصول على هوية، عندما احتاجت وثائقها الرسمية للعلاج من ورم حميد في الأنف يضيق الخناق عليها باستمرار.

تقول شذى -للجزيرة نت- "أنا من مواليد مصر، والدي ووالدتي فلسطينيان، قررت عائلتي العودة إلى غزة للاستقرار بها ومُنحت الهوية لأمي وأخواتي، وكان أبي ينتظر معي ليحصل عليها (الهوية) لكنه توفي قبل أن يتم ذلك. وما زلت أنا أنتظر أن أحصل على حقي في ذلك، إذ أحتاجها للعلاج من ورم حميد يؤثر على التنفس، وسوف أفقد البصر في عيني اليمنى بسبب مضاعفات هذا الورم، وقد أخبرني الأطباء أنه لا علاج لي في غزة وأنني أحتاج إلى عمليات في الخارج".

شذى تحمل وثيقة مصرية لكنها منتهية، وتحتاج إلى تجديد وإصدار نسخة جديدة، وهذا يستدعي ذهابها إلى مصر لكي تتم المعاملة، لكن ذلك مستحيل مع وجود جواز سفر فلسطيني بدون رقم وطني وغير معترف به لدى المطارات، والفرصة الوحيدة التي حصلت عليها للسفر إلى مصر للعلاج كانت قبل 4 سنوات.

وتوضح ذلك قائلة "عندما أصدر الرئيس محمود عباس جواز السفر، أمر بتسهيل المعاملات على معبر رفح فتمكنت من السفر إلى مصر، وهناك طلبوا مني إجراء فحص عينة كل 6 أشهر خوفا من أن يكون الورم متحورًا إلى الخبيث، لكن بعد ذلك فوجئت برفض مصر دخولي بهذا الجواز، وكأن السياسة بدأت تسيطر على موضوعنا وتحرمنا من حقنا في العلاج".

عبد الله شبانة ولد في قطر وترك عائلته قبل 22 عاما لكي يستقر في غزة لكن هذه الخطوة كلفته الكثير وحرمته من أيسر حقوقه (الجزيرة)

حرمان من المعاملات الحياتية

تُعتبر الهوية الزرقاء شيء غريب بالنسبة للمؤسسات الخدماتية في غزة بخلاف المؤسسات الحكومية، لكن بعض البنوك والمراكز الصحية الخاصة والمصارف لا تتعامل مع هذه الهوية؛ كونها غير معترف بها ولا تتشابه مع الوثائق الرسمية المتداولة في غزة.

هذه بعض المشكلات التي تواجه عبد الله شبانة (50 عاما)، الذي ولد في قطر وترك عائلته قبل 22 عاما لكي يستقر في غزة مع عماته، لكن هذه الخطوة كلفته الكثير وحرمته من أيسر حقوقه، من بينها أن يجتمع بعائلته مرة أخرى.

أخبر عبد الله -الجزيرة نت- بذلك قائلا "هذه الهوية لا تمكنني من التقديم لأي فرصة عمل في غزة، وفقدت حقي بالعمل هنا لبعض المؤسسات، وهذا جعلني أعيش ظروفًا اقتصادية صعبة لم تمكنني من إكمال تعليم ابني الوحيد. وعندما ترسل لي عائلتي مبلغ مساعدة في هذه الظروف، لا أتمكن من تسلمه عبر بعض البنوك في غزة؛ لأنهم ينظرون إلى الهوية كأنها شيء غريب ومن ثم أُجبر على البحث عن بديل في مصارف أخرى، فقدت حقوقي كاملة حتى السفر لرؤية عائلتي واحتضان أمي وأبي، أخاف بشدة من فقد والدتي بأي وقت من دون لقائها، وسوف أعيش أزمة نفسية صعبة لن أنجو منها أبدا، أعاني من فقدان الوصل والمحبة لعدم قدرتي على الذهاب إليهم والاجتماع بهم مرة أخرى".

لا يوجد لهذه الفئة جهة محددة تدعمها وتدافع عن حقها بالحصول على هوية وجواز سفر رسميين متعارف عليهما داخل فلسطين وخارجها، وكل ما يقومون به من احتجاجات وصرخات أمام المؤسسات الدولية والحقوقية والحكومية في غزة ليست سوى جهود ذاتية للدفاع عن حقهم في الحياة باعتبارهم مواطنين فلسطينيين.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تقول هند المصري إنها تنتظر الحصول على بطاقة هوية منذ عام 2012 ولم يتسن لها ذلك، وتضيف “نحن موجودون هنا مجازا، نخشى التنقل أو الخروج من المدن أو القرى التي نعيش فيها لأننا لا نملك أوراقا ثبوتية”.

8/2/2021
المزيد من حريات
الأكثر قراءة