اقتادهم الجنود وخلعوا ملابسهم وأوسعوهم ضربا.. مآسي الهجرة إلى أوروبا زمن الجائحة

قال العديد من المهاجرين إن أشد الانتهاكات والاعتداءات يقوم بها أفراد يرتدون ملابس سوداء مع أقنعة (الجزيرة)
قال العديد من المهاجرين إن أشد الانتهاكات والاعتداءات يقوم بها أفراد يرتدون ملابس سوداء مع أقنعة (الجزيرة)

روشان دي ستون

 ديفيد سابر

 هانا كيرمس دالي

 

في 13 أبريل/نيسان الماضي، تجاوز عدد الوفيات بسبب فيروس كورونا في إيطاليا 20 ألف شخص، وهو الخبر الذي تصدر عناوين الصحف في مختلف أنحاء العالم. ظهر ذلك اليوم، حزم سعيد حقيبته بعناية ووضع فيها هاتفه و3 بطاريات شحن متنقلة وعلبة سجائر وكيس نوم وصورة طفليه في باكستان.

في هذا التقرير الاستقصائي الخاص، قال الكتّاب روشان دي ستون وديفيد سابر وهانا كيرمس دالي إن سعيد كان محتجزا قسرا لأكثر من شهر في مخيم ليبا للمهاجرين وطالبي اللجوء، في كانتون أونا سانا البوسني، الواقع مباشرة بجوار الحدود الكرواتية. وبعد أن وصل إلى هذا الحد، كان سعيد جاهزا للمحطة الأخيرة من رحلته إلى أوروبا.

في تلك الليلة، غادر سعيد المخيم. وفي طريقه إلى الحدود الكرواتية انضم إليه 9 مهاجرين آخرين. سارت المجموعة لمدة 21 يوما عبر الغابات والجبال عبر كرواتيا وسلوفينيا وإيطاليا، متجنبين الطرق والمدن. وقد كانوا حرصين دائما على ألا يراهم أحد، حتى أنهم كانوا يمتنعون عن خلع أحذيتهم، ولا ينامون.

خلال فترة تفشي عدوى فيروس كوفيد-19 في الربيع، بررت الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي تعزيز أمن الحدود، وإرسال الجيش للقيام بدوريات حراسة على الحدود، وتعليق حرية التنقل، بأنه إجراء قانوني لمكافحة تفشي الفيروس.

وقد أثر ذلك بشكل كبير على الهجرة، مما أعطى المهاجرين وطالبي اللجوء سببا آخر لعبور الحدود خلسة. كان سعيد ورفاقه يدركون ذلك جيدا، وعندما اجتازوا الحدود الأخيرة إلى إيطاليا، اعتقدوا أن أسوأ كوابيسهم قد انتهى.

في طريقهم إلى أسفل الجبال، توقفت المجموعة عند بلدة بانولي الحدودية لشرب كوب من القهوة السوداء، كمكافأة صغيرة عن الرحلة الشاقة التي مروا بها. ولكن في الجهة المقابلة من الشارع، كانت هناك امرأة تسترق النظر من نافذتها ثم مدت يدها نحو الهاتف، وفي غضون دقائق، حاصرت الشرطة المكان.

قُبض على سعيد ورفاقه ونقلوا على متن سيارة للشرطة الإيطالية ليتم تسليمهم إلى المسؤولين السلوفينيين، وتم اقتيادهم إلى الحدود الكرواتية المشتركة مع البوسنة في أقل من 24 ساعة. وأُطلق سراحهم أخيرا في حقل على ضفة نهر وأمروا بخلع ملابسهم وأحذيتهم.

بمجرّد أن خلع سعيد حذاءه، كانت قدماه متقرّحتين بشدة، وقد تعرض اثنان من رفاقه للضرب المبرح بالهراوات، وجُلد آخر. وكانت عبارة "عودوا إلى البوسنة" آخر شيء سمعوه من الضباط الكرواتيين الذين كانوا يرتدون أزياء مدنية أثناء العودة أدراجهم إلى ضفة النهر الأخرى التابعة للحدود البوسنية. وصباح 7 مايو/أيار، عاد سعيد حافي القدمين إلى المخيّم ذاته الذي غادره قبل 3 أسابيع.

من مآسي الهجرة إلى أوروبا زمن الجائحة العالمية

لقاء سعيد

منذ بداية تفشي الوباء، أعلنت الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل “فرونتكس" عن انخفاض في العدد الإجمالي لعمليات العبور غير النظامية للحدود الأوروبية. وكانت هذه هي الحال على جميع الطرق الرئيسية المؤدية إلى أوروبا باستثناء طريق البلقان، حيث كان عدد المهاجرين الذين عبروه أعلى مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي وذلك رغم تفشي الفيروس.

في 10 يوليو/تموز، وبعد مرور شهرين على ترحيله من إيطاليا، كان سعيد جالسا في ساحة بيازا ليبرتا، والتي تقع أمام محطة قطار ترييستي ونقطة الالتقاء الرئيسية للمهاجرين وطالبي اللجوء الذين يعرّفون بشكل أدق باسم "الأشخاص المتنقلين" الذين وصلوا للتو أو الذين يغادرون إلى وجهات أخرى.

تمكن سعيد من الوصول إلى ترييستي في محاولته الخامسة، ثم تقدم بطلب اللجوء في إيطاليا. في بداية عقده الثالث، كان سعيد حليق الذقن ويرتدي الجينز الممزق على الموضة مع حذاء رياضي أبيض لا تشوبه شائبة، حتى يبدو كأي سائح عادي، لولا الندوب على ذراعيه.

وفي وقت كان يوضح ما يقصده من خلال رسم خطوط على التراب مستخدما عصا، قال سعيد "أخطر الحدود التي يصعب تجاوزها لدخول أوروبا من الشرق هنا وهنا. وتقع الحدود الأولى على نهر إفروس الذي يفصل بين اليونان وتركيا". وهذا هو الحل الوحيد لمن يريد تجنب خطر العبور بالقارب إلى الجزر اليونانية، حيث تنتشر التقارير الأخيرة عن عمليات إعادة المهاجرين إلى تركيا.

وواصل حديثه "تقع الحدود الثانية بين البوسنة وكرواتيا" ثم توقف لبرهة وتابع "الطريق عبر هذين الخطين الحدوديين وعلى طول الطريق إلى إيطاليا أو النمسا هو ما نسميه اللعبة". ويقول مشيرا إلى آثار الندوب على ذراعيه "لقد حصلت على هذه الندوب هنا".

تزامن تفشي الوباء مع حوادث العنف على الحدود التي أصبحت أكثر قسوة وإهانة. وقد ورد في بعض الروايات أن البعض تعرضوا لاعتداءات جنسية بأغصان الشجر، كما أجبرتهم الشرطة على الانبطاح بشكل متقاطع فوق بعضهم البعض عراة أثناء الاعتداء عليهم بالضرب ورش الطلاء على رؤوسهم.

وذكر الأشخاص المتنقلون أن جميع ممتلكاتهم غالبا ما كانت تُسرق أثناء عمليات صد اللاجئين، حتى أن الضباط كانوا يحطمون هواتفهم ويرمونها في الماء.

في الحقيقة، يسعى سعيد -وهو أصغر أشقائه الثلاثة عشر- إلى الوصول إلى ابن عمه الذي يعيش في مرسيليا (فرنسا) والحصول على فرصة للهروب من البطالة في باكستان، وإرسال الأموال إلى الوطن لعائلته وأطفاله في كراتشي.

بموجب اللوائح الحالية التي تُسيّر قانون اللاجئين، من غير المرجح أن يُقبَل طلب اللجوء الذي قدمه سعيد في إيطاليا. بعبارة أخرى، الفقر والحلم بمستقبل أفضل ليسا من بين الأسباب المعترف بها لمنح حق اللجوء في أوروبا.

وضع القانون الدولي للاجئين، الذي صيغ نهاية الحرب العالمية الثانية، الأسس لرواية ثنائية طويلة الأمد بين اللاجئين الفارين من الحرب والاضطهاد والمهاجرين الهاربين من الفقر، والتمييز بين من يستحقون ومن لا يستحقون انفتاح الاتحاد الأوروبي.

وبالنسبة للفارين من الفقر أو الكوارث الطبيعية من بلدان مثل باكستان، فإن الحصول على تأشيرات العمل الأوروبية وتصاريح الإقامة يكاد يكون مستحيلًا. وتتلخّص الطريقة الوحيدة لتجنب الإعادة القسرية في طلب اللجوء والأمل في تحقيق أحد مظاهر حقوق الإنسان على حدود القارة العجوز.

وعاد سعيد ليقول "آمل أن يُدرك الاتحاد الأوروبي أنه بدلا من دفع آلاف اليوروهات لتجاوز الحدود بشكل غير قانوني، كنت سأحاول استخدام هذا المال لاقتناء تذكرة طائرة واستئجار غرفة أثناء البحث عن عمل".

وتابع مازحا "كنت أقلق بشأن تفشي جائحة كورونا وإمكانية التقاط العدوى، لكن لحسن الحظ لدي مشاكل أسوأ يتعيّن عليّ التعامل معها أولا". ونظرا لأن معظم الفنادق التي تستضيف عادة الذين لا يمتلكون مأوى في ترييستي، اضطرت إلى الإغلاق أثناء قرار الإغلاق الأول، ولم يعد أمام الناس اليوم الكثير من الخيارات. وينطبق الأمر نفسه على كسب لقمة العيش.

ورغم أن سعيد يتميّز بكونه عاملا كهربائيا ماهرا ونجارا مستعدا للعمل، فإنه يُمنع من العمل في إيطاليا باعتباره طالب لجوء. وللبقاء على قيد الحياة، بدأ سعيد العمل مرشدا ومهربا بسيطا يستفيد إلى أقصى حد مما تعلمه أثناء "اللعبة".

حلم اللجوء يتحطم على صخرة الإجراءات القاسية للسلطات بدول القارة العجوز

أخرج سعيد هاتفا ثانيا من جيبه وتلقى مكالمة. وقال "هناك 70 رجلا يعبرون الجبال إلى إيطاليا وسيكونون هنا بحلول الرابعة صباح الغد". وأضاف "عندما يصلون، سأكون همزة الوصل بينهم. وسأوضح لهم أين يمكنهم الحصول على المساعدة، وكيفية الحصول على شريحة هاتف إيطالية وإعطائهم الأموال التي أرسلتها عائلاتهم إلي عبر خدمة ويسترن يونيون".

توقف قليلا ثم واصل حديثه "أعرف بعضا منهم لأننا كنا نعيش في نفس المخيم بالبوسنة. أحاول مساعدتهم لأنني أدرك حقيقة ما يمرون به. في المقابل، يدفعون لي رسوما رمزية".

هناك أشخاص مثل سعيد تمكنوا من تحسين ظروف عيشهم عن طريق الهجرة غير النظامية. وهناك المهربون الذين يحصلون على مبالغ كبيرة ضمن هذه التجارة التي قُدرت قيمتها بحوالي مليون دولار.

في هذا السياق، يذكر سعيد، مشيرًا إلى صبيين أفغانيين، أنهما سألاه إلى أين يمكنهما الذهاب لممارسة الدعارة ودفع ثمن المرحلة التالية من الرحلة. وعلق بالقول "يوجد الكثير من الناس على استعداد لكسب المال من معاناتنا".

ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه: هل كان تعزيز الأمن الحدودي في أوروبا، وعمليات الإعادة العشوائية، يفسح مجالا أكبر للتجار والمهربين لاستغلال الفئات الأكثر ضعفًا بين المهاجرين؟

في ظل الصمت الأوروبي على عمليات ترحيل المهاجرين تزايد استخدام العنف (الجزيرة)

المهمة المستحيلة لإنفاذ القانون

لكن الضبابية التي تتسم بها سياسات مكافحة فيروس كوفيد-19، فيما يتعلق بالصحة والأمن، لا تؤثر على الهجرة فحسب. نظرًا لأن المقيمين دون وثائق قانونية يحاولون الهروب من السلطات حتى لا يتم ترحيلهم، حيث لا يُرجح أن يلتزموا بتدابير الوقاية من كوفيد-19. لذلك سيكونون عرضة لخطر الإصابة بالفيروس، ويشكلون خطرا على الآخرين في الوقت ذاته.

هذا وقد حُرم المهاجرون من حقّ الحصول على الرعاية الصحية، ويؤدي الاكتظاظ والظروف غير الملائمة في مراكز الاستقبال إلى تردّي الوضع أكثر فأكثر.

هذا ما أكده لورنزو تامارو، ممثل نقابة الشرطة في ترييستي الذي أوضح أن "الأمر خطير جدا بالنسبة لهم، كما هو الحال بالنسبة لنا" مشيرا إلى أن التصدي لعمليات الدخول غير النظامية أصبحت مهمة مستحيلة، في ظل أداء الشرطة الإيطالية مهام استثنائية بعد قرابة شهرين من الإغلاق الصارم.

يقول أيضا في هذا السياق "يكشف الوباء عن أزمة منهجية في رصد عمليات الهجرة، نعاني منها منذ سنوات". ويضيف "الشرطة الإيطالية تعاني من نقص العناصر والموارد لمواجهة الهجرة غير النظامية، لاسيما أثناء إجراءات الإغلاق المفروضة جراء تفشي فيروس كورونا المستجد".

وحسب ممثل الشرطة، فإن "الأجانب الذين يدخلون أراضينا دون تصريح ينتهكون القانون. لسنا مسؤولين عن سن القانون، لكن مهمتنا الحرص على احترامه وعدم انتهاكه". يواجه تامارو وزملاؤه موجات الهجرة القادمة من دول من البلقان منذ سنوات.

وقد دفعت حالة الطوارئ الناجمة عن زيادة عدد الوافدين خلال فترة الإغلاق الصارم بإيطاليا، وزارة الداخلية إلى طلب نشر وحدة من الجيش تضم 100 عنصر على الحدود في مارس/آذار، للمساعدة في اكتشاف واعتقال المهاجرين، ونقلهم إلى معسكرات الحجر الصحي بضواحي المدينة.

يقول تامارو "لقد تُركنا للتعامل مع حالات الطوارئ المتعلقة بالهجرة والصحة العامة دون تقديم أي دعم حقيقي.. الجيش يساعد في إيقاف سيل المهاجرين غير الشرعيين، لكن يتعين على الشرطة إجراء الفحوصات الطبية دون التمتع بمعدات الحماية المناسبة. كان ينبغي على الوزارة تخصيص فريق طبي من أجل هذه المهمة".

وللتعامل مع الزيادة بعدد الوافدين من البلقان، أعادت إيطاليا إحياء اتفاقية ثنائية مع سلوفينيا تعود إلى عام 1996، وتنص على أنه يمكن إعادة أي شخص هاجر بشكل غير نظامي وعُثر عليه على بعد 10 كيلومترات من الحدود السلوفانية خلال الـ 24 ساعة الأولى من الوصول.

ويعلق تامارو "في رأيي، تعد عمليات إعادة المهاجرين ناجحة، حيث بدأ المهربون في نقل المهاجرين إلى أوديني وغوريزيا، الواقعتين خارج المنطقة التي تبعد 10 كيلومترات، لأنهم يعلمون أنه إذا تم إيقافهم في ترييستي، فإنه ستتم إعادتهم مجددا إلى سلوفينيا".

يوم 6 سبتمبر/أيلول، أكدت وزيرة الداخلية الإيطالية إعادة 3059 مهاجرا من ترييستي إلى السلطات السلوفانية خلال عام 2020 وحده. وقد زاد العدد حوالي ألف مهاجر غير نظامي مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.

هذا وقد انتقد مراقبو حقوق الإنسان هذه الاتفاقية لأنها تحرم اللاجئين من حقوقهم، وهو ما يتعارض مع قوانين الاتحاد الأوروبي.

عمليات ترحيل المهاجرين

يقول ميها، عضو منظمة "إنفو كولبا" السلوفانية "نعلم أن إيطاليا تعيد الأشخاص المهاجرين إلى سلوفينيا، لكن عمليات الترحيل لا تنتهي هنا".

وفي شقته بالعاصمة السلوفانية ليوبليانا، يشرح ميها كيف قررت سلوفينيا العودة إلى اتفاقية إعادة المهاجرين مع كرواتيا في يونيو/حزيران 2018، والتي سمحت بزيادة عمليات الترحيل من سلوفينيا إلى كرواتيا.

ويقول ميها "يتم ترحيل المهاجرين بعد ذلك من كرواتيا إلى البوسنة. ما تتجاهله أوروبا أن عمليات الترحيل تتم بشكل منسق ومتسلسل، ويعود المهاجرون في الأخير إلى البوسنة، وهي دولة لا تنتمي إلى الاتحاد الأوروبي".

ورغم أنها من الدول الموقعة على اتفاقية اللاجئين لعام 1951، فإن العديد من التقارير الحقوقية تشكك في تمتع اللاجئين بحقوقهم الأساسية في البوسنة والهرسك.

إلى جانب ميها، يجلس خالد وهو ناشط إريتري وعضو في إنفو كولبا، وقد رُفض طلبه بالحصول على اللجوء في سلوفينيا، وهو حاليا بصدد استئناف الحكم.

على غرار العديد من الإريتريين، غادر خالد بلاده هروبا من الخدمة العسكرية المفروضة مدى الحياة في ظل نظام أسياس أفورقي "الاستبدادي". ويقول بهذا السياق "إنهم يجعلون منك عبدا للنظام، لذلك فإن من تمكنوا من الفرار يعتبرون من المحظوظين".

وخلال رحلته عبر السودان ومصر، أُجبر على دفع المال للمهربين مقابل الحصول على وثائق مزورة للوصول إلى تركيا. بحلول عام 2015، وصل السويد وتمكّن من تقديم طلب لجوء، وكان يعتقد أنه سيحقق مبتغاه.

ونظرًا لأن السلطات البلغارية أخذت بصمات أصابعه سابقًا، فقد تم ترحيله إلى صوفيا. يقول خالد "تم طردي من صوفيا 10 مرات حتى وصلت أخيرًا إلى ليوبليانا". في الواقع، تعد قصته شهادة على مدى ضبابية الفرق بين عمليات الترحيل القانونية وعمليات الطرد غير القانونية على مدى السنوات القليلة الماضية.

عنف على الحدود

في ظل الصمت الأوروبي على عمليات ترحيل المهاجرين، تزايد استخدام العنف لتنفيذها. نظرًا لأن الحدود الكرواتية البوسنية تقع خارج حدود الاتحاد الأوروبي، ولا تُطبق كرواتيا والبوسنة اتفاقيات ترحيل مماثلة لتلك المبرمة بين إيطاليا وسلوفينيا. وتضمن تلك الاتفاقيات عدم طرد المهاجرين بمجرد التنسيق بين الأجهزة الأمنية.

تقول نيكول، الناشطة الكرواتية التي تعمل مع منظمة "نو نيم كيتشن"، إنه بموجب القانون "بمجرد وصول المهاجر إلى الأراضي الكرواتية، يحق له طلب اللجوء، لكن الشرطة تنكر هذا الحق وتجبر الناس على العودة إلى البوسنة". وبسبب الإغلاق وتدابير مكافحة كوفيد-19، لم تكن نيكول قادرة على المرور من كرواتيا إلى البوسنة كالمعتاد.

من مقهى في زغرب، تخطط نيكول للعودة قريبا إلى بلدة بيهاتش البوسنية على الحدود، حيث يقيم معظم المهاجرين في انتظار طردهم.

تقول نيكول "الشرطة الكرواتية تسلم المهاجرين لرجال يرتدون زيا رسميا وأقنعة، يعذبونهم ثم يجبرونهم على العودة عبر الحدود إلى البوسنة". وتوضح وهي تتصفح على هاتفها صورا لمهاجرين يتعرضون للضرب "هناك الكثير من الأدلة على جرائم التعذيب التي تُرتكب في كرواتيا لدرجة أنني فوجئت أنه لا يزال هناك صحفيون ينتظرون التحقق منها".

تُظهر الصور جروحا وحروقا وعلامات عنف ووجوها ملطخة بالدماء، وتقول نيكول "هؤلاء الرجال أُجبروا على الاستلقاء على الأرض ووجوههم إلى الأسفل، ثم داسوا على رؤوسهم لكسر أنوفهم، الواحد تلو الآخر".

وتضيف "هذه هي الأساليب ذاتها التي استخدمتها الشرطة الكرواتية لترويع الأقليات الصربية في كرواتيا بعد الحرب".

وقد أشادت بعض الجماعات اليمينية المتطرفة بالعنف ضد المهاجرين، عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ولم تقم "فيسبوك" بحذف العديد من تلك المنشورات حتى الآن، على الرغم من محتواها العنيف.

وتؤكد أنطونيا، الاختصاصية الاجتماعية بمركز دراسات السلام في زغرب، والتي تتابع عن كثب قضية انتهاكات الشرطة الكرواتية ضد المهاجرين، صحة ما ترويه نيكول من شهادات على عمليات العنف.

وتقول "ما زلنا نتلقى شهادات تفيد بتقييد أفراد إلى جذوع الأشجار وترويعهم بتصويب طلقات نارية بالقرب من وجوههم، والرش بالطلاء، والاعتداء الجنسي، والضرب بالعصي والأنابيب المطاطية على الرأس والأيدي والأرجل".

في المقابل، قامت مجموعة من ضباط الشرطة الكرواتية بتقديم شكوى أكدوا فيها عدم قدرتهم على عصيان الأوامر التي تلقوها من رؤسائهم باستخدام العنف لصد اللاجئين وإعادتهم للبوسنة.

ويؤكد عدد من الأطباء، المتطوعين لعلاج المهاجرين في ترييستي، أن آثار العنف التي كثيرا ما يرونها على أجساد الوافدين لا تدل على تعنيف يهدف لردع المزيد من محاولات العبور فحسب، بل التسبب أيضا في إصابات طويلة الأمد تتطلب فترة نقاهة طويلة.

وقد أصبح من المستحيل على الاتحاد الأوروبي تجاهل كل تلك الأدلة. يوم 16 نوفمبر/تشرين الثاني، أرسلت مفوضة الشؤون الداخلية الأوروبية إيلفا يوهانسون فريقا للقاء وزير الداخلية الكرواتي، وزيارة نقطتي عبور كرواتيتين اليوم التالي.

وردًا على أحد الاستفسارات، أفاد مكتب المتحدث باسم الشؤون الداخلية الأوروبية أن "السلطات الكرواتية قد وعدت بالتحقيق في تقارير سوء المعاملة على حدودها، ومراقبة الأوضاع عن كثب وإبلاغ المفوضية بأي تقدم يتم إحرازه".

وفي 23 أكتوبر/تشرين الأول، طالبت يوهانسون في رسالة موجهة لوزير الداخلية الكرواتي دافور بوزينوفيتش "بالكشف عن الادعاءات (المتعلقة بسوء معاملة المهاجرين) التي تلقتها السلطات الكرواتية وحققت فيها خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وتوفير أدلة على نزاهة تلك التحقيقات.

كما استنكرت يوهانسون في الرسالة التناقض بين العدد المنخفض للأشخاص المسجلين في نظام "يوروداك" (بصمات الأصابع المعتمد بدول الاتحاد الأوروبي) والأعداد الكبيرة التي وثقتها الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل "فرونتكس" مما يشير إلى أن عمليات ترحيل لا يمكن تعقبها.

وحتى الآن، قامت الشرطة الكرواتية بنفي جميع الادعاءات المتعلقة بالعنف. ولا يزال الاتحاد الأوروبي يموّل صندوق الأمن الداخلي الكرواتي الذي تلقّى أكثر من 100 مليون يورو منذ عام 2015 لإدارة الهجرة وحفظ النظام على الحدود.

العودة إلى نقطة الصفر

بعد عمليات الترحيل إلى البوسنة، يعود المهاجرون إلى مراكز الإيواء والمعسكرات والمخيمات العشوائية، وينتظر أغلبهم أن يتعافوا من الجروح التي أصيبوا بها، ثم يحاولون العبور من جديد.

يقول مدير دائرة شؤون الأجانب البوسنية، سلوبودان يوجيتش، في مقابلة له مع موقع "بلقان إنسايت" في وقت سابق من هذا العام "لقد قطع هؤلاء الناس آلاف الكيلومترات على مدى أشهر، وهم يطرقون أبواب الاتحاد الأوروبي. إنهم لا يريدون العودة إلى الوطن".

وأضاف "نحن لسنا بهذا السوء، لكن لدينا الآن 30 أو 40 أو حتى 50 ألف عاطل عن العمل، في حين يبقى على أرضنا 10 آلاف مهاجر غير شرعي بكامل قواهم.. لقد أصبحنا بمثابة محطة عبور نحو أوروبا".

في البوسنة، تم تسجيل حوالي 7500 لاجئ في 8 مخيمات تديرها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة. وقد قدم الاتحاد الأوروبي 40.5 مليون يورو للبوسنة منذ عام 2015 لإدارة هذه المخيمات.

وقد بُنيت هذه المرافق لاستضافة المهاجرين بشكل مؤقت بسبب تزايد أعداد المهاجرين عامي 2017 و2018، وبالتالي فهي تفتقر غالبا إلى قنوات الصرف الصحي والمياه الصالحة للشرب.

ومع تفشي الجائحة، أصبحت مراكز الإيواء أشبه بمعسكرات احتجاز، حيث انضم المزيد من المهاجرين، مما أدى إلى اكتظاظ كبير وتفاقم الوضع في هذه المخيمات.

في هذا الشأن، يعود الباكستاني سعيد فيقول "أخذتني الشرطة البوسنية من المخيم الذي كنت فيه وحُبست في مخيم ليبا، على بعد بضعة كيلومترات جنوب بيهاتش، لأكثر من شهر، حيث يشترك 10 أشخاص في مرحاض واحد، مع إمدادات كهرباء شحيحة، وقد حصلنا على وجبة واحدة في اليوم".

ويضيف "صدمة العيش في ظل الإغلاق القسري، وفي تلك الظروف، ستؤثر بشكل دائم على أولئك الذين عاشوها. ما زلت أعاني من كوابيس بسبب ذلك المكان وتلك الرحلة".

عندما تمكن سعيد من الفرار من مخيم ليبا في يونيو/حزيران 2020، استغرق الأمر 3 أسابيع للعودة إلى ترييستي مشيا على الأقدام. يقول مشيرا إلى ساحة ليبرتا "الآن أقضي أيامي هنا".

أثناء حديثه، انضم إلى سعيد اثنان من المهاجرين. أحدهما تظهر على رأسه ندبة طويلة بسبب ضربات عصا ضابط شرطة بكرواتيا. والآخر قام بحرق أطراف أصابعه حتى يتجنب تسجيل بصماته والعودة إلى اليونان. وتلخص تلك العلامات عبثية سياسات الهجرة في أوروبا.

بنوع من التفاؤل يقول سعيد "أرى في أفضل أحلامي أنني أقود سيارة متوجهة إلى فرنسا عبر طريق لا تعترضني فيه إلا إشارات مرور خضراء".

فبموجب القانون الأوروبي (اتفاقية اللاجئين) يجب منح أي شخص الحق في طلب اللجوء. ومع ذلك، تفرض اتفاقية دبلن على اللاجئين أن يقدموا طلب اللجوء بأول دولة أوروبية يدخلونها. لذلك، إذا ما أخذت دولة عضو بصمات طالب لجوء، يجب أن يُنظر في الطلب داخل ذلك البلد.

ويمكن القول بالتالي إن عمليات إعادة اللاجئين، التي تتم بموجب اتفاقيات ثنائية داخل أوروبا، تعمل بشكل غير رسمي ضمن اتفاقية دبلن. لكن هذه العميات تفتقر إلى الشفافية ولا تخضع للمساءلة.

في فبراير/شباط 2020، قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بالإجماع أن الطرد الجماعي الذي مارسته السلطات الإسبانية في جيب مليلية عام 2014 لا يمثل "أي انتهاك للحقوق" وقد يكون لهذا الحكم أثر في إضفاء المزيد من الشرعية على عمليات إعادة اللاجئين في جميع أنحاء أوروبا.

أثار التعذيب على جسم أحد المهاجرين إلى أوروبا زمن كورونا (الجزيرة)

وفي مارس/آذار 2020، علّقت اليونان حق طلب اللجوء لمدة شهر، وهي خطوة غير مسبوقة اعتبرتها مفوضية الاتحاد الأوروبي غير قانونية لأنها تتعارض مع اتفاقية اللاجئين. ومع تطبيق تدابير مكافحة الجائحة، أفلتت السلطات بشكل أكبر من المراقبة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان.

وأفاد العديد من المهاجرين أن أشد الانتهاكات والاعتداءات يقوم بها أفراد يرتدون ملابس سوداء مع أقنعة. ورغم أن هوياتهم لا تزال مجهولة، يوضح تقرير شبكة مراقبة العنف على الحدود أن هذا الوصف يتوافق مع زي وحدات شرطة التدخل التابعة لوزارة الداخلية الكرواتية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من حريات
الأكثر قراءة