عـاجـل: مراسل الجزيرة: خلافات داخل قوى الحرية والتغيير في السودان تؤجل إعلان تشكيلة المجلس السيادي 48 ساعة

معرِّب هيغل ومؤلف "الطاغية".. الموت يغيب إمام عبد الفتاح إمام

إمام عبد الفتاح إمام أثرى المكتبة العربية بأكثر من مئة كتاب بين تأليف وترجمة وإشراف ومراجعة (مواقع التواصل)
إمام عبد الفتاح إمام أثرى المكتبة العربية بأكثر من مئة كتاب بين تأليف وترجمة وإشراف ومراجعة (مواقع التواصل)

عمران عبد الله

طريق الفلسفة مرصوف بالأفكار، ورغم أن الناس يشكون غموضها فهي مهنة تحتاج لتعلم وتدريب حتى تمتلك قدرات فهمها، وقد كان الأكاديمي المصري إمام عبد الفتاح إمام أحد هؤلاء، حيث احترفها أكاديميًّا ومترجما ومؤلفا، وأثرى المكتبة العربية بأكثر من مئة كتاب بين تأليف وترجمة وإشراف ومراجعة.

وعن عمر ناهز 85 عاماً، وبعد مسيرة فكرية حافلة ترجم خلالها أعمال الفيلسوف الألماني هيغل، وأشرف على سلسلة "أقدم لك" للترجمات التي صدر منها سبعون عدداً، وأشرف على ترجمة موسوعة كوبلستون في تاريخ الفلسفة الغربية؛ توفي أمس الثلاثاء إمام عبد الفتاح إمام، ونعاه مثقفون وقراء على مواقع التواصل الاجتماعي.

وعمل إمام مترجماً وأستاذاً غير متفرغ بقسم الفلسفة في كلية الآداب بجامعة عين شمس، كما عمل أستاذاً بجامعات القاهرة والمنصورة والكويت وطرابلس وسبها وغيرها، وأصدر اتحاد كتاب مصر -الذي كان عضواً به- بياناً لنعيه، واصفاً أعماله الفلسفية وترجماته بأنها كانت عوناً لمئات الباحثين والقراء ممن تتلمذوا على كتاباته.

ولد إمام بمحافظة الشرقية عام 1934م، وكان أبوه من علماء الأزهر الشريف، وحصل على درجة الماجستير في الآداب عام 1968م، وعلى الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى عام 1972م عن رسالته "تطور الجدل بعد هيغل".

وعرف صاحب كتابي "الطاغية" و"نساء فلاسفة" بترجمته فلسفة التاريخ وأصول فلسفة الحق وظاهريات الروح لهيغل، وكذلك "محاضرات في تاريخ الفلسفة"، و"استعباد النساء" وترجمته "الوجودية" لجون ستيوارت مل، وشرحه للفيلسوف الدانماركي سورين كيركغارد، وموسوعة العلوم الفلسفية لماكويى.
 

ويرى إمام في كتابه "الطاغية" أن تخلف المجتمعات الشرقية والمجتمعات الإسلامية "يعود إلى النظام السياسي الاستبدادي، الذي ران على صدور الناس ردحاً طويلاً من الزمن، ولا يكمن الحل في السلوك الأخلاقي الجيد أو التدين الحق بقدر ما يكمن في ظهور الشخصية الإنسانية المتكاملة، التي نالت جميع حقوقها السياسية كاملة غير منقوصة، واعترف المجتمع بقيمتها وكرامتها الإنسانية؛ فالأخلاق الجيدة والتدين الحق نتائج مترتبة على النظام السياسي الجيد لا العكس".

ويستعرض إمام في كتابه نماذج من صور الطغيان والاستبداد الشرقي الشهير، الذي سرق فيه الحاكم وعي الناس وتعامل معهم كقطيع من الغنم يسوقه حيث يشاء، معتبراً أن الحل هو "التطبيق الدقيق للديمقراطية، بحيث تتحول قيمها لسلوك يومي يمارسه المواطن على نحو طبيعي وبغير افتعال".

وفي كتابه "الأخلاق والسياسة.. دراسة في فلسفة الحكم" يتناول إمام "حتمية النظام الديمقراطى"، وطبيعة التطور الثقافي، وموضوع الخلط بين الأخلاق والسياسة في حضارات الشرق القديم، متخذا من مصر والصين نموذجين لهذه الحضارات.

ثم يعرض إمام للخلط بين الأخلاق والسياسة في الفكر اليوناني عند أفلاطون وأرسطو، وعند المسلمين، ومنهم ابن أبي الربيع، والفارابي، والماوردي.

وفي الفصول التالية يتناول إمام انفصال الأخلاق والسياسة عند ميكافيللي وتوماس هوبز وجون لوك، ويعرض لنماذج من تجارب الديمقراطية في الدول المتقدمة، ويختم الكتاب بنقد قوي للديمقراطية الليبرالية، معتبراً إياها "الاستبداد المتحضر".

الطاغية: دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي (الجزيرة)

هيغل العربي
يصف إمام في مقاله "تجربتي مع هيغل" تجربته مع الفيلسوف الألماني بأنها "مريرة وممتعة في آن"، معتبراً أن هيغل بما له من عمق واتساع وشمول ونفاذ يصلح نقطة التقاء يصيب عندها تيار الجدل القديم، وينبع منها تيار الجدل المعاصر، ويعد إمام كذلك أبرز تلاميذ أستاذ الفلسفة المصري زكي نجيب محمود.

وأضاف في مقاله لمجلة "أوراق فلسفية" أنه جعل من "الجدل الهيغلي" موضوع بحثه للماجستير الذي كان عنوانه "المنهج الجدلي عند هيغل"، وقال "بدأت أدرس هيغل وأجمع مؤلفاته من ثلاثة مصادر: المكتبات، مثل مكتبتي جامعتي القاهرة وعين شمس. والزملاء من الخارج. وشراء ما أجده؛ وأدرس اللغة الألمانية".

وكتب إمام عن دروس تعلمها من هيغل الذي ترجم كتبه، ومنها أن الفلسفة ارتفاع من المحسوس إلى اللامحسوس، منتقداً الذين لا يبذلون جهداً كافياً في فهم خاصية الفلسفة التجريدية، رغم أن الحضارة تجريد، بحسب تعبيره.

وقال إمام إنه تعلم من هيغل أيضاً أن كل فلسفة هي بالضرورة "فلسفة مثالية"، لأن المثالية هي المبدأ الذي ترتكز عليه أي فكرة تحليلية، وأيضاً كون التفكير سلب لأنه يغير شكل الأشياء الفردية التي نلتقي بها في حياتنا اليومية.

وانتقد إمام بشدة المجتمع الشرقي الحسي، بما فيه من ذكورية وانحناء ومذلة أمام السيد المنتصر، والتوحش والقسوة إزاء المغلوب والضعيف، معتبراً أن المجتمع الشرقي لم يعرف من الحرية إلا حرية الحاكم؛ "فهو وحده الفعال لما يريد، والكل عبيد يأتمرون بأمره، ثم يعود ليصف حرية هذا الحاكم بأنها زائفة؛ لأن الحرية الحقة هي الخضوع للكلي "أي الجانب العقلي"، أما الحاكم الذي تسيره أهواءه ونزواته، فهو عبد بدوره".

المصدر : الجزيرة