ميمون الغازي.. صوت زجلي مغربي ينسج هويته الإبداعية بالمهجر

حفظ

عبد الغني بلوط - عبد الغني بلوط/ الزجال المغربي المقيم في فرنسا ميمون الغازي/ المغرب/ مراكش/ دار الشعر بحي الداودويات - ميمون الغازي...صوت زجلي ينسج خيوط هويته الإبداعية في بلاد المهجر
مع ميمون الغازي الذي ينتمي لجيل جديد من الزجالين الشباب قفز الزجل إلى العالمية وسرى بخطوات ثابتة نحو جمهوره (الجزيرة)

عبد الغني بلوط-مراكش

على إيقاع موسيقى كناوة الشعبية، يخرج صوت الزجال المغربي المقيم في فرنسا ميمون الغازي قويا مفعما بالحيوية وهو ينشد قصيدتيه في أمسية زجلية بدار الشعر بمدينة مراكش.

يمزج هذا الزجال روحه بنصه الشعري، يعود بسامعيه إلى حكايات الجدة والغول، ويقابل بشكل غرائبي ثنائية الخير والشر، يقسو على الثاني بسوط كلماته، وينتصر للأول بقوة نبراته.

يعود بالحاضرين إلى معيشهم اليومي، يذكرهم بمآسيهم وأفراحهم، بحياتهم الزائلة ولكن أيضا بأحلامهم المشروعة.

يقول ميمون الغازي للجزيرة نت إن الشعر إحساس صادق، لذا لا يجد أحسن من لغة الأم القريبة من الروح، والتي يتحدث بها يوميا ويفكر بها وأيضا يعشق بها، وذلك من أجل امتلاك شحنة عاطفية تغدي كلماته الشعرية وتنسج خيوط قصائده الزجلية.

‪الشانك: شعر الغازي خال من كل قيد والقصيدة عنوان للإنسانية‬ الشانك: شعر الغازي خال من كل قيد والقصيدة عنوان للإنسانية (الجزيرة)
‪الشانك: شعر الغازي خال من كل قيد والقصيدة عنوان للإنسانية‬ الشانك: شعر الغازي خال من كل قيد والقصيدة عنوان للإنسانية (الجزيرة)

احتفاء
اختارت دار الشعر أن يتحدث هذا الزجال المنحدر من الشرق المغربي (مدينة وجدة) قليلا في تلك القاعة الصغيرة من دار الثقافة بالمدينة الحمراء، وأن يركن إلى قصيدتين من اختياره تحت نغمات الفنان الموسيقي عبد الجليل القدسي وابنه.

في تلك الأمسية الزجلية الممتعة المنظمة أول أمس السبت، انضم ميمون الغازي إلى سلسلة من الشعراء الذين تم تكريمهم بمراكش ضمن فقرة "شعراء بيننا".

يرى الشاعر والناقد عبد الحق مفراني مدير دار الشعر أن تجربة هذا "المهاجر" مجددة في الزجل، ويعتبره في حديث للجزيرة نت باحثا عن لغة ثالثة، قريبة من الفصحى، لكنها ملتصقة بالمتن الزجلي، قريبة الوجدان راقية بالإحساس.

الغازي صاحب منجز زجلي لفت الانتباه، كتب "خيط من شتاء، ما يمكنش نكون أنا (لا يمكن أن يكون أنا)، علاش أنا ماشي هو (لماذا أنا وليس هو)، بلاش (لا حاجة)". وهي مجموعة دواوين شعرية لصوت زجلي مهاجر، لكن ظل ينسج لخيوط "هويته" الإبداعية ميسما خاصا، جعله أحد الأصوات الأكثر تميزا اليوم.

بلا قيود
نثر الغازي قصيدته الأولى "حجاية الغول" (أحجية الغول) من ديوان "ما يمكنش نكون أنا" وجاءت مليئة بالأحاسيس الإنسانية، تموت فيها الجدة ولا تموت الحكاية ويتقوى الغول، حكاية الدم المختلط بالبترول، والماء المدنس بالنشوة والشهوة والرشوة، وحكاية السماء الزرقاء من كثرة الخوف.

‪الجزائري حرز الله ساقه حسه الفني لدار الشعر بمراكش‬ الجزائري حرز الله ساقه حسه الفني لدار الشعر بمراكش (الجزيرة)
‪الجزائري حرز الله ساقه حسه الفني لدار الشعر بمراكش‬ الجزائري حرز الله ساقه حسه الفني لدار الشعر بمراكش (الجزيرة)

وصدح بكلماته كأنه تراب هذه الأرض، يطلب من ابن آدم أن يترك الماء يجري في عروقه، يحيى منه ويعيش فيه، فقد شبع من الدم وشبع منه.

ما يميز المنجز الشعري للغازي -بحسب الباحثة والزجالة والشاعرة المغربية رشيدة الشانك، في تصريح للجزيرة نت- أن كلماته الشعرية تخلو من كل قيد، لتجعل من القصيدة عنوانا للإنسانية. فالقاموس والصور الشعرية والمواضيع المتناولة، كلها حول الحياة والحب والعولمة، لكن بصيغة جمالية.

في قصيدته الثانية المنثورة في تلك الأمسية "بغيت حقي فالريح" (أريد نصيبي من الريح) من ديوان "بلاش" يستمر الغازي في سرد أحلامه كأنها أحلام كل الحاضرين، يطلب حقه وحقهم في نسمة الريح وقطرة المطر وضوء الشمس، يذكر بما اقترفته الحرب قديما وحديثا من مآس، كما ينبه إلى حقيقة الحياة والموت قبل فوات الأوان.

تسميات ومسمى
زجل، زجل ثم زجل، ولا شيء غير الزجل أمتع الحاضرين في تلك الأمسية. من بينهم الزجال الجزائري بوزيد حرز الله، والذي ساقه حسه الفني إلى دار الشعر، ومنحه فرصة تذوق تلك الكلمات النابعة مع قلب الزجال.

تختلف تسميات ذلك الشعر -يقول حرز الله للجزيرة نت- لكنه قريب من القلب، فهو زجل في المغرب، وملحون في الجزائر، ومحكي في ليبيا، ونبطي في الخليج العربي، وهلم جرا، لكنه شعر استطاع أن ينفض عنه غبار الدونية التي التصقت به مقابل الاهتمام بالشعر الفصيح، ويبرز ذاته منجزا شعريا قائم الذات.

مع الغازي الذي ينتمي إلى جيل جديد من الزجالين الشباب، قفز الزجل إلى العالمية وسرى بخطوات ثابتة نحو جمهوره يستفزه بمواضيعه ويطرح عليه الأسئلة الوجودية تلو الأخرى، تضيف الشانك.

‪مفراني: الغازي يبحث عن لغة ثالثة قريبة للوجدان راقية الإحساس‬ مفراني: الغازي يبحث عن لغة ثالثة قريبة للوجدان راقية الإحساس (الجزيرة)
‪مفراني: الغازي يبحث عن لغة ثالثة قريبة للوجدان راقية الإحساس‬ مفراني: الغازي يبحث عن لغة ثالثة قريبة للوجدان راقية الإحساس (الجزيرة)

أسئلة وامتداد
تلك الأسئلة، لا يهم من طرَحها وكيف طرحها، ولا نريد لها جوابا آنيا. يشرح الغازي أن "الأنا" تحضر في شعره بصفة جمعية، وليست ذاتية، وهي تشمل الإنسان كما تطرح سؤالا فلسفيا على الإنسان إن كان فعلا كائنا على ما يجب أن يكون عليه، يحب الخير والسلام والعدالة الاجتماعية والجمال.

يعود الغازي للماضي لينطلق في الحاضر وينظر للمستقبل إنسانا حرا. يتذكر ديوانا زجليا صدر سنة 1976 للزجال محمد المسيح، يبدو من عنوانه "الرياح التي ستأتي" كأنه ينبئ بمستقبل زاهر للزجل المغربي، تناسلت بعده الدواوين الزجلية، وأصبح الزجل موضوع دراسات علمية في الجامعات المغربية.

الزجل كما الشعر بطبيعته نخبوي، فقط الاقتراب من الناس في تجمعاتهم من يمنحه الانتشار، يلاحظ الزجال حرز الله.

أما مفراني فيبرز أن الاهتمام بالزجل -شعبيا أو رسميا- زاد في الآونة الأخيرة، ففي المغرب تبنت وزارة الثقافة مهرجانا سنويا لهذا النوع من الشعر، بينما انتقل بشكل ملحوظ من شكله الشفوي، إلى الطباعة والنشر عبر مجموعة من الدواوين.

يودع الغازي جمهور تلك الأمسية وهو ينهي توقيع ديوانه الجديد، لكن كلماته ما زالت ترن في الأسماع، له أيضا نص درامي جديد عبارة عن سيرة ذاته في "حكايات ساخرة" موسومة بـ "البرتقال الأخضر" قيد الطبع، إلى جانب عدة نصوص درامية قدمت وعرضت جميعها على خشبات المسرح. يختم هذا الزجال بأن المسرح كان جسر عبور جيد إلى القصيدة الزجلية، وهو ماض في حبه ناهلا من كرمه.

المصدر: الجزيرة

إعلان