مومياء مصرية تختفي من قاعة العرض.. والسبب يتجاوز التاريخ

حفظ

Sarcophagi in the exhibition hall 'Mummies of Egypt. Rediscovering six lives' at the CaixaForum in Seville. - María José López - Europa Press
توابيت داخل قاعة معرض مومياوات مصر في مركز كايشا فوروم بإشبيلية الإسبانية (الأوربية)

اصطحب أبٌ ابنته إلى متحف كيلفينغروف في مدينة غلاسكو الإسكتلندية، على أمل أن ترى مومياء مصرية قديمة. لكن ما وجده في مكان العرض لم يكن الرفات التي جاءا لمشاهدتها، بل لافتة تفيد بإزالة بقايا بشرية من المعرض "احتراما لها".

لم يكن الأمر مجرد تغيير في طريقة عرض قطعة أثرية، فالقرار يفتح نقاشا أوسع بشأن حدود حق المتاحف في عرض أجساد الموتى، خصوصا عندما لا تتوافر وثائق تثبت موافقتهم على ذلك.

قصص مقترحة

list of 1 itemend of list

رفات مصرية خارج قاعات العرض

بحسب تقرير نشرته شبكة "إس تي في نيوز" الإسكتلندية، أزال متحف كيلفينغروف في غلاسكو عددا من البقايا البشرية المصرية القديمة من العرض العام.

وشملت القطع رفات الكاهن المصري نخت داخل تابوت مزخرف، ورأسا محنطا لرجل، إضافة إلى يد يمنى وقدم يمنى. وكانت بعض هذه البقايا معروضة أمام زوار المتحف ضمن مجموعاته التاريخية والأثرية.

وأوضحت مؤسسة "غلاسكو لايف"، المسؤولة عن المتاحف، أن القرار يرتبط بمسودة سياسة جديدة للتعامل مع الرفات البشرية. وتقترح السياسة قصر عرض هذه البقايا على الحالات التي تتوافر فيها موافقة مستنيرة وموثقة من الشخص المتوفى، أو من أحفاده في الحالات المناسبة.

لكن غياب الوثائق التي تثبت الموافقة لا يعني بالضرورة أن أصحاب الرفات رفضوا عرضها، بل يعني أن المتحف لا يملك دليلا موثقا على موافقتهم. وترى المؤسسة أن إبقاء هذه البقايا بعيدا عن العرض العام أكثر احتراما في ظل غياب ذلك الدليل.

ولا تمثل السياسة المقترحة قانونا نافذا، بل توجها أخلاقيا يجري العمل على صياغته لتحديد كيفية تعامل المتاحف مع الرفات البشرية.

جميع "بقايا الإنسان" قد أُزيلت المصدر من حساب @jonnyrmcfarlane على اكس
جميع "بقايا الإنسان" قد أُزيلت (جوني ماكفارلين عبر منصة إكس)

من يملك حق عرض أجساد الموتى؟

تضع هذه الخطوة المتاحف أمام سؤال يصعب حسمه: هل يكفي أن تكون البقايا البشرية ذات قيمة تاريخية أو علمية حتى يصبح عرضها أمام الجمهور أمرا مبررا؟

فالمتاحف لا تحتفظ بالرفات البشرية باعتبارها مقتنيات عادية فحسب، إذ يمكن أن تساعد دراستها في فهم ممارسات الدفن القديمة، والطقوس الدينية، وأحوال الحياة والصحة في المجتمعات السابقة. كما أن عرضها يتيح للزوار الاطلاع على جوانب من التاريخ لا تكشفها النصوص والصور وحدها.

إعلان

في المقابل، يرى المدافعون عن نهج أكثر مراعاة لكرامة الموتى أن القيمة العلمية لا تلغي الاعتبارات الأخلاقية، وأن التعامل مع الجسد البشري ينبغي أن يختلف عن التعامل مع الأدوات والتماثيل والقطع الأثرية الأخرى.

وتزداد المسألة تعقيدا عندما يتعلق الأمر ببقايا انتقلت من بلدانها الأصلية إلى مجموعات متاحف أجنبية قبل عقود أو قرون، في ظروف لا تتوافر دائما معلومات كافية عنها. ففي هذه الحالات، قد لا تكون هوية المتوفى أو ظروف نقل رفاته أو موقف أقاربه من عرضها معروفة بصورة مؤكدة.

ولا يقدم قرار كيلفينغروف إجابة نهائية عن جميع هذه الأسئلة، لكنه يعكس توجها نحو جعل الموافقة الموثقة وكرامة المتوفى جزءا من القرارات المتعلقة بالعرض المتحفي.

****للاستخدام الداخلي فقط**** Mummified man's head المصدر Osama Shukir Muhammed Amin FRCP(Glasg)
رأس رجل محنّط محفوظ ضمن مجموعة من الآثار المصرية القديمة (زميل الكلية الملكية في غلاسكو أسامة شكير)

قرار آخر في غلاسكو.. قبل عام

لم يكن كيلفينغروف المتحف الوحيد في غلاسكو الذي أعاد النظر في طريقة عرض الرفات البشرية.

ففي متحف هنتيريان التابع لجامعة غلاسكو، اتُّخذ قرار في عام 2025 بحجب جسد "ليدي شيب-إن-هور"، وهي مومياء مصرية، عن أنظار الزوار، مع إبقاء التابوت الحجري معروضا. ووُضع غطاء واقٍ يحجب الجسد، فيما ظل التابوت جزءا من المعرض.

وذكر تقرير "إس تي في نيوز" أن المتحف درس خيارات عدة، من بينها إعادة الرفات إلى موطنها، أو إخراجها من العرض، أو إبقاء التابوت ظاهرا مع حفظ الجسد بطريقة تراعي كرامة المتوفاة. وجاء القرار بعد مراجعة ومشاورات مع مختصين، بينهم خبراء في علم المصريات.

ويعود هذا الإجراء إلى عام 2025، ولذلك لا ينبغي الخلط بينه وبين قرار كيلفينغروف الأحدث. لكن الحالتين تكشفان عن نقاش أخلاقي أوسع داخل المؤسسات الثقافية بشأن عرض الرفات البشرية، وطريقة تقديمها للجمهور.

GLASGOW, SCOTLAND - SEPTEMBER 22: kelvingrove Art Gallery is seen on September 22, 2026 in Glasgow, Scotland. (Photo by Ian MacNicol - UEFA/UEFA via Getty Images)
متحف ومعرض كيلفينغروف في غلاسكو الاسكتلندية في المملكة المتحدة (غيتي)

معايير أخلاقية تتغير

يتزامن هذا النقاش مع تطورات في المعايير المهنية للمتاحف. ففي 25 يونيو/حزيران 2026، اعتمد المجلس الدولي للمتاحف النسخة المعدلة من مدونة أخلاقيات المتاحف، التي تؤكد ضرورة صون الكرامة المتأصلة في الرفات البشرية واحترام دلالاتها الثقافية.

ولا تعني هذه المعايير أن جميع المتاحف ملزمة تلقائيا باتخاذ القرار نفسه، لكنها توفر مرجعا مهنيا وأخلاقيا يمكن الاستناد إليه عند مراجعة سياسات العرض والحفظ والتعامل مع البقايا البشرية.

وهنا تتجاوز القضية مصير مومياء واحدة أو قطعة أزيلت من قاعة عرض حديثا. فالمتاحف مطالبة بالموازنة بين إتاحة المعرفة للجمهور، والحفاظ على التراث، واحترام الأشخاص الذين تنتمي إليهم هذه البقايا، حتى بعد مرور آلاف السنين على وفاتهم.

ويبقى السؤال: عندما لا نعرف إن كان شخص أو أحد أقاربه قد وافق على عرض جسده بعد الموت، هل ينبغي أن تكون الأولوية لقيمة الرفات التاريخية، أم لحق المتوفى في الكرامة والخصوصية؟

المصدر: الصحافة الأجنبية

إعلان