هل ستصبح بيتسبرغ الأميركية بلا صحيفة يومية؟

في زلزال إعلامي يعكس عمق الأزمة التي تعصف بالصحافة المحلية في الولايات المتحدة، أعلنت صحيفة "بيتسبرغ بوست-غازيت" (Pittsburgh Post-Gazette)، إحدى أعرق المؤسسات الصحفية الأميركية، أنها ستتوقف عن العمل نهائيا وتغلق أبوابها في الثالث من مايو/أيار المقبل. ولا يعني هذا القرار التحول إلى النشر الرقمي فحسب، بل يمثل اختفاء كاملا لكيان صحفي ظل صوتا لمدينة بيتسبرغ أكثر من قرن ونصف.
وصدر الإعلان عن توقف الصحيفة من شركة "بلوك كوميونيكيشنز" (Block Communications)، المملوكة لعائلة "بلوك" التي سيطرت على الصحيفة أكثر من مئة عام. وبررت الشركة القرار بخسائر مالية فادحة بلغت 350 مليون دولار خلال العشرين عاما الماضية، مؤكدة أن الاستمرار في تحمل هذه الخسائر لم يعد ممكنا في ظل الواقع الاقتصادي الراهن للصحافة.
قصص مقترحة
list of 2 itemsلكن التوقيت لم يكن محض صدفة، فقد جاء القرار بعد ساعات من رفض المحكمة العليا الأميركية استئنافا قدمته الصحيفة ضد حكم قضائي يلزمها بالعودة إلى بنود عقد عمل من عام 2014. هذا النزاع القانوني كان قد اندلع بسبب تقليص الإدارة لمزايا الرعاية الصحية للموظفين في عام 2020، مما فجر أطول إضراب صحفي في القرن الحادي والعشرين، استمر أكثر من 1000 يوم.
مدينة كبرى بلا مرآة
ويمثل هذا الإغلاق وفق موقع نيمان لاب كارثة ثقافية واجتماعية لمدينة بيتسبرغ، التي تُصنف ضمن 28 منطقة هامة في الولايات المتحدة. وهي المدينة التي تحولت من مركز للصناعات الثقيلة إلى قطب عالمي في مجالات الطب والروبوتات والأكاديميا، وتضم مقرات لـ10 شركات من قائمة "Fortune 500″، بيد أنها ستصبح قريبا أكبر مدينة أميركية تفتقر إلى صحيفة يومية حقيقية.
يعتقد مراقبون أن هناك قدرة كامنة لتحويل الصحيفة إلى نموذج "غير ربحي"، على غرار تجربة "سولت ليك تريبيون"، أو تأسيس بديل صحفي قوي يستوعب الكفاءات المهنية لـ "بوست-غازيت".
ويرى الخبراء أن حجم الخسارة هنا يفوق بكثير ما حدث في مدن أصغر مثل "يونغزتاون" بولاية أوهايو، نظرًا للثقل الاقتصادي والرياضي لبيتسبرغ، التي حققت فرقها المحترفة 18 بطولة وطنية.
ويضيف الخبراء أنه وخلف الستار، أدّت الانقسامات داخل عائلة "بلوك" دورا محوريا في انهيار المؤسسة. فقد شهدت السنوات الأخيرة نزاعات قانونية وتصرفات وُصفت بأنها "مضطربة" من قِبل الشقيقين التوأمين "جون" و"ألان بلوك".
وتصاعدت الانتقادات للصحيفة مع تحول توجهاتها التحريرية نحو أقصى اليمين ودعمها للرئيس دونالد ترامب، فضلا عن اتهامات لرئيس التحرير "جون بلوك" بتحويل الصحيفة إلى "إقطاعية شخصية" لتصفية حسابات خاصة، مما أدى إلى نفور المجتمع المحلي والمانحين الكبار.
ويعتقد نيمان لاب أنه على الرغم من قتامة المشهد، فإن إعلان الإغلاق قبل خمسة أشهر من موعده يمنح فرصة للتحرك، حيث تشتهر بيتسبرغ بمجتمع خيري قوي يضم أسماء بارزة مثل "ميلون" و"كارنيجي" و"هاينز".
ويعتقد مراقبون أن هناك قدرة كامنة لتحويل الصحيفة إلى نموذج "غير ربحي"، على غرار تجربة "سولت ليك تريبيون"، أو تأسيس بديل صحفي قوي يستوعب الكفاءات المهنية لـ"بوست-غازيت".