الكولاج.. الفن كتوثيق للحياة اليومية

سارة عابدين
يعود أول دليل على استخدام الكولاج إلى القرن الثاني قبل الميلاد، ويتوافق تقريبا مع وقت اختراع الورق في الصين، ومنذ القرن العاشر بدأ الخطاطون اليابانيون في استخدام قطع صغيرة من الورق المعالج ولصقها بشكل خاص في أعمالهم.
قصص مقترحة
list of 2 itemsأما في أوروبا فيمكن القول إن هذه الظاهرة بدأت في القرن الـ13 باستخدام الأوراق المذهبة والمعادن الثمينة في زخرفة الكاتدرائيات القوطية وتزيين الصور المقدسة وإطاراتها.
وعلى الرغم من استخدام تلك الأساليب الفنية التي تشبه الكولاج قبل القرن العشرين فإن بعض نقاد ومؤرخي الفن يؤكدون أن الكولاج باعتباره فنا منفصلا لم يظهر إلا بعد عام 1900 مع المرحلة الأولى من الحداثة.
الاستكشاف الحديث للكولاج
في بدايات القرن العشرين بدأ الفنانون في استكشاف فن الكولاج، وجذبت مقارباته المبتكرة الفنانين بسبب جمالياته الفريدة والجديدة.

جاءت كلمة كولاج من الكلمة الفرنسية "kolla, glue" أو "غراء"، وبدأت الفكرة على يد الفنانين التكعيبيين الإسباني بابلو بيكاسو والفرنسي جورج براك اللذين بدآ العمل معا بمختلف الوسائط غير التقليدية.
بدأ الكولاج من لوحات معظمها مصنوع من الورق والخشب، أو بصور مقطوعة وملصقة بأشكال جديدة أو أشكال مرسومة ممزوجة مع قصاصات من الحياة اليومية، لكن بعد استكشاف تقنية الكولاج على مدار القرن العشرين أصبحت هذه الوسائط أكثر تنوعا وتجريبية على نحو متزايد.
أسباب ظهور الكولاج
ظهر الكولاج في محاولة لربط الفن التشكيلي بالحياة اليومية، وهو ضد المبادئ الفنية البصرية المعروفة ويعتبر محاولة لكسر التقاليد الرسمية للفن التشكيلي القديم "الخط، اللون، النقطة"، وتستخدم فيه أحيانا النصوص المكتوبة مع أشياء ربما تكون سريعة الزوال أو يومية في محاولة لكسر قدسية الفن، ويمكن اعتبار الكولاج شكلا من أشكال الفن المفاهيمي، أي الفن الذي يحمل مفهوم وهدف ما وراء الصورة البصرية، وهو يعتبر ثورة ضد أن يصبح الفن سلعة.
التكعيبية والكولاج
في حين كانت التكعيبية مرتبطة غالبا باللون فإن مؤسسيها براك وبيكاسو أهم من صنع اللوحات بتقنية الكولاج، حيث جمّعا الصور من مكونات مختلفة تماما، لكن دون مخاطرة بالسطح، أي أنهما لم يتوقفا عن محاولة إظهار الأبعاد الثلاثة في لوحاتهما المصنعة من الكولاج، واستمرت الطبيعة الصامتة كهدف أهم للتكعيبيين أثناء عملهم على فن الكولاج، كما كانت هدفهم الأول في المدرسة التكعيبية عموما.

ركز التكعيبيون على اختلاف الملامس والأشكال داخل لوحة الكولاج لصنع فسيفساء ذات شكل نهائي متنوع "قطع من القماش، أزرار، زجاج مكسور، مسامير، قطع من الخشب".
ويثبّت كل ما يمكن أن يساعد الفنان في توصيل وجهة نظره على اللوحة بمساعدة الغراء والأسلاك والخيوط، بالإضافة إلى استخدامهم عناصر ثلاثية الأبعاد وأدوات كاملة مثل الدمية والقفاز والمقص والحلي لتصطدم الأجزاء ثلاثية الأبعاد من الكولاج بالسطح المستوي للوحة، ومن هذا المنظور يمكن تعريف تقنية الكولاج بأنها تجسيد فني يجمع بين الرسم والنحت.
الدادائية والكولاج
على عكس التكعيبيين دمج الدادئيون مواد أكثر في فنون الكولاج، واشتهروا باستخدامهم الخلاق والمبتكر للعناصر التي لا قيمة لها والتي يتم التغاضي عنها في كثير من الأحيان، وتخلوا عن الطبيعة الصامتة، ولم يهتموا كثيرا بالأبعاد في لوحاتهم، وكانوا أكثر ثورية وتجريبية في تصاميمهم، واستخدموا الكولاج للتعبير عن احتجاجهم على الأوضاع السياسية والاجتماعية والفنية التي سادت أثناء الحرب العالمية الأولى.
كيرت شويترز وتوثيق الحياة اليومية
يعتبر الفنان الألماني كيرت شويترز (1887-1948) أبرز من طور فنون الكولاج والتركيب في الفن المعاصر حتى أنه انفصل عن الحركة الدادائية حتى لا يلتزم بأفكارهم، لأنه كان أكثر انفتاحا على التجريب.

يذكر أصدقاء شويترز أنه كان أثناء حديثه معهم أو سيره في الشارع، يتوقف فجأة وينظر باهتمام إلى الأرض ليلتقط شيئا ما (ورقة قديمة، أو خردة ملقاة على الأرض) فينظفها بعناية ثم يعرضها عليهم، وعندها فقط يمكن للمرء أن يدرك ما في تلك الخردة القديمة من روعة وجمال، أي أنه كان يلتقط عناصر الجمال غير الملحوظة والتي تنتشر في كل مكان ولا ينظر إليها أحد، ثم يعيد ترتيب هذه الخردة في تناسق جميل.
كان شويترز فنانا مفاهيميا بامتياز، وكانت أهدافه تركيبية، والغرض منها انتهاك حدود الفن المعروف، وهدفه هو العمل الفني المركب الذي يحتضن جميع الفنون في وحدة فنية، محاولا تقليل الفجوة بين الفن والحياة.
كانت أعمال شويترز مزيجا من التكعيبية والتعبيرية والدادائية، ولوحاته وأعماله الفنية شخصية للغاية تعكس بيئته وأنشطته اليومية (قصاصات الصحف، أظرف المراسلات، علامات الطعام، صناديق الشاي، مشمع الأرضيات).
أي أنه استخدم الفن للربط بين حياته اليومية وما هو متداول وبين الفن، وكان الفن وسيلته لتوثيق أحداث حياته اليومية.