الجبل يهتز تحت قدميك.. رحلة لمشاهدة الحمم البركانية في غواتيمالا
في غواتيمالا، لا تقتصر متعة تسلق الجبال على المناظر الطبيعية أو الوصول إلى القمم، فهناك تجربة أكثر إثارة تنتظر من يصعد بركان أكاتينانغو: التخييم على ارتفاع شاهق ومشاهدة بركان فويغو النشط يقذف الحمم في السماء على مرأى من المتنزهين.
يقع أكاتينانغو بالقرب من مدينة أنتيغوا، وتستغرق الرحلة إليه عادة يومين وليلة واحدة، وهي المدة الأكثر شيوعا بين المسافرين. وخلالها يمكن مشاهدة ثوران فويغو نهارا، ثم رؤية توهج الحمم الحمراء ليلا، في مشهد يجعل الرحلة واحدة من التجارب اللافتة لعشاق المغامرة.
قصص مقترحة
list of 2 itemsويمكن تنظيم الرحلة لمدة يوم أو يومين أو ثلاثة، بحسب البرنامج وشركة السياحة. وتتيح الرحلات الأطول وقتا أكبر على الجبل وفرصا أكثر لمشاهدة ثورات فويغو، على فترات متقاربة، وإن كانت المدة بين كل منها تختلف من وقت إلى آخر.
من أنتيغوا إلى سفح البركان
ينطلق معظم المتنزهين من أنتيغوا، التي تبعد نحو 30 كيلومترا عن أكاتينانغو. وتبدأ الرحلة عادة في الصباح، قبل التوجه بالحافلة إلى نقطة بداية المسار.
ويبدأ المسار بصعود حاد عبر أراض زراعية وغابات، ويستمر الانحدار لمسافة طويلة. ورغم أن الطريق لا يتضمن عادة حواف خطرة، فإن الصعود المتواصل يجعل هذا الجزء من أكثر مراحل الرحلة إجهادا.
ومع الوصول إلى الغابة، يصبح المسار أكثر اعتدالا بعض الشيء، وتوفر الأشجار ظلا من الشمس. وعلى الطريق توجد بعض الأكشاك البسيطة التي تبيع المشروبات والوجبات الخفيفة.
بعد نحو 4-5 ساعات من المشي، يصل المتنزهون إلى المخيم الأساسي على ارتفاع يقارب 3500 متر. وهناك تبدأ المكافأة الأولى للرحلة: مشاهدة فويغو يثور من الجهة المقابلة.
عندما يبدأ الجبل في الاهتزاز
يقع فويغو قبالة أكاتينانغو، وهو بركان نشط للغاية، بينما أكاتينانغو نفسه خامد. وتسمح المسافة بين البركانين بالتخييم على أكاتينانغو مع البقاء قريبا بما يكفي لمشاهدة ثوران فويغو بوضوح.
وفي المخيم، قد يسمع المتنزه صوت البركان قبل أن يراه. ومع كل ثوران، تتصاعد سحابة من الرماد والدخان، وفي الليل تتحول الحمم إلى كرات حمراء مضيئة تنفجر على سفح الجبل.
وتختلف تجهيزات المخيم بحسب شركة الرحلات، إذ توفر بعضها خياما، بينما توفر أخرى أكواخا صغيرة. وغالبا ما تكون هناك نار للتدفئة، لكن لا ينبغي توقع نوم مريح تماما، فالارتفاع والبرد والرياح تجعل الليلة على الجبل تجربة غير يسيرة.
الاقتراب من فويغو
بعد الوصول إلى المخيم، يمكن لمن يملكون طاقة كافية القيام برحلة إضافية نحو فويغو. وينزل المتنزهون أولا منحدرات أكاتينانغو الرملية، ثم يعبرون الممر الواقع بين البركانين قبل الصعود مجددا باتجاه فويغو.
وينتهي المسار عند نقطة تبعد أقل من كيلومتر عن منطقة الثوران. وهناك يصبح المشهد مختلفا تماما. وتبدو أصوات الثورات كأنها انفجارات قوية، ويمكن الشعور باهتزاز الأرض تحت القدمين. وإذا تمت الرحلة في المساء، تظهر الحمم البركانية بلونها الأحمر وسط الظلام.
لكن الاقتراب من فويغو ليس سهلا. فالمتنزه يكون قد أمضى ساعات في الصعود إلى أكاتينانغو، ثم عليه أن يهبط ويصعد مجددا، مما يجعل هذه المرحلة مرهقة حتى لمن يتمتعون بلياقة جيدة.
كما تنخفض درجات الحرارة بشدة بعد غروب الشمس، خصوصا مع الرياح في الممر بين البركانين، لذلك تصبح الملابس الدافئة ضرورية.
شروق الشمس من قمة أكاتينانغو
بعد ليلة التخييم، يبدأ جزء آخر من الرحلة في وقت مبكر جدا. وتستيقظ المجموعات عادة نحو 4:30 صباحا للصعود إلى قمة أكاتينانغو ومشاهدة شروق الشمس.
ويستغرق الصعود إلى القمة نحو 60-120 دقيقة، لكنه لا يخلو من التعب، خصوصا مع الرمال والحصى الزلقين. وعند الوصول، ينتظر المتنزهون مشهدا مختلفا: بحرا من السحب أسفل القمة، وشروق الشمس من خلف الجبال، وفويغو في الجهة المقابلة يواصل ثورانه.
كما يمكن في الأيام الصافية رؤية بركان أغوا من مسافة بعيدة.
وتعد القمة من أبرد أجزاء الرحلة، وقد تنخفض درجات الحرارة إلى ما دون الصفر، مع رياح قوية، لذلك يحتاج المتنزهون إلى ملابس مناسبة حتى خلال فترة الانتظار القصيرة قبل شروق الشمس.
رحلة شاقة بسبب الارتفاع
يبلغ ارتفاع قمة أكاتينانغو 3976 مترا فوق سطح البحر، بينما يصل ارتفاع فويغو إلى 3768 مترا، ويقع المخيم الأساسي على ارتفاع نحو 3500 متر.
ويعني هذا الارتفاع انخفاض كمية الأكسجين، مما يجعل التنفس أكثر صعوبة، خصوصا أثناء الصعود. كما يمكن أن يتعرض بعض الأشخاص لأعراض داء المرتفعات، مثل الصداع واضطراب النوم والغثيان.
لذلك يُنصح من يصلون إلى غواتيمالا من مناطق منخفضة بقضاء يومين على الأقل في أنتيغوا قبل بدء الرحلة، حتى يحصل الجسم على فرصة للتأقلم مع الارتفاع.
ولا ترتبط احتمالية الإصابة بداء المرتفعات بمستوى اللياقة البدنية وحده، إذ يمكن حتى للشباب والرياضيين أن يعانوا من الأعراض.
ويعد شرب الماء باستمرار أمرا مهما خلال الرحلة، بينما ينصح بتجنب الخمر والتدخين والحبوب المنومة، لأنها قد تزيد بعض أعراض الارتفاع سوءا.
البرد قد يكون التجربة الأصعب
تختلف درجات الحرارة بشدة بين أنتيغوا والجبل. فقد تكون الحرارة عند بداية الرحلة نحو 21 درجة مئوية، لكنها قد تنخفض ليلا في المخيم إلى ما دون الصفر، وقد تصل في بعض الحالات إلى نحو 5 درجات تحت الصفر.
كما يمكن أن تكون الرياح قوية، خصوصا عند القمة. ولهذا ينبغي اصطحاب ملابس على شكل طبقات، وقبعة تغطي الأذنين، وقفازات، وسترة دافئة، إلى جانب معطف للمطر خلال موسم الأمطار.
كما تعد أحذية المشي ذات القبضة الجيدة مهمة بسبب الحصى والرمال والمنحدرات. ولا توجد مصادر لمياه الشرب على الجبل، لذلك ينصح المرشدون عادة بإحضار 4 لترات من الماء على الأقل، مع إضافة نحو نصف لتر لمن يخططون للذهاب إلى ممر فويغو.
ومن المفيد أيضا حمل وجبات خفيفة إضافية، ومصباح للرأس، وبطارية محمولة للهاتف.
متى يكون الوقت الأنسب للرحلة؟
يمتد موسم الجفاف في غواتيمالا من نوفمبر/تشرين الثاني إلى أبريل/نيسان، ويعد عموما الفترة الأنسب لتسلق أكاتينانغو بسبب انخفاض فرص هطول الأمطار ووضوح السماء.
أما موسم الأمطار فيمتد من مايو/أيار إلى أكتوبر/تشرين الأول، وتزداد خلاله فرص هطول الأمطار، التي تأتي غالبا فترة بعد الظهر. ومع ذلك، يمكن القيام بالرحلة على مدار العام، إذ لا يتوقف ثوران فويغو عادة إلا لفترات قصيرة.
ولا يمكن ضمان الطقس حتى خلال موسم الجفاف، لذلك قد تكون الرحلات الأطول مفيدة لمن يريدون زيادة فرص مشاهدة البركان، لأنها تمنحهم وقتا أكبر على الجبل.
هل يمكن تسلق أكاتينانغو دون مرشد؟
من الممكن القيام بالرحلة دون مرشد بالنسبة إلى أصحاب الخبرة السابقة بالمسار، لكن الرحلات المنظمة تظل الخيار الأكثر شيوعا، نظرا إلى صعوبة الطريق والارتفاع والطقس، إضافة إلى الحاجة لتنظيم النقل والطعام ومكان التخييم.
وتنظم شركات سياحية عديدة رحلات تستغرق يوما أو يومين أو ثلاثة، ويمكن اختيار البرنامج بحسب مستوى اللياقة والوقت المتاح.
رحلة تجمع بين المشقة والمشهد الاستثنائي
لا يحتاج المسافر الوصول إلى قمة أكاتينانغو أو الاقتراب من فويغو حتى يستمتع بالرحلة. فمن المخيم الأساسي وحده يمكن مشاهدة البركان النشط يثور على الجانب الآخر من الجبل.
وبالنسبة لمن يواصلون الرحلة، تقدم أكاتينانغو تجربة تجمع في ساعات قليلة بين الصعود الشاق، والبرد، والارتفاع، والتخييم في الجبال، ثم مشاهدة بركان نشط يقذف الحمم على مرأى منهم.
وتبقى هذه التجربة مرتبطة بالاستعداد الجيد للارتفاع والطقس والمجهود البدني، لكن كل هذه المصاعب تهون في تلك اللحظة التي تهتز فيها الأرض تحت قدميك بسبب صوت البركان، وتنطلق الحمم الحمراء في السماء ليلا، في منظر قد لا تشهده في العمر مرتين.