إعلان

من مخاطر الجبال إلى مدرجات خضراء.. قصة نجاح "جبل السعتر" في عُمان

زراعة الزعتر على مدرجات تشبه الأجواء التي ينمو فيها بشكل طبيعي (الجزيرة)

في أعالي جبال وادي السحتن بسلطنة عُمان، كان علي الخاطري وإخوته يتسلقون المنحدرات الوعرة بحثا عن "السعتر"، كما يسمي العُمانيون الزعتر البري.

كانوا يقضون ساعات طوالا في الصعود بين الصخور، ويخاطرون بحياتهم على حواف المنحدرات، وأحيانا يضطرون إلى المبيت في أعالي الجبال الشاهقة، لجمع أغصان نبتة اعتاد أهل الوادي قطع المسافات الطويلة والوعرة للوصول إليها.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

وفي إحدى تلك الرحلات خطرت لهم فكرة: ماذا لو نزل الزعتر من الجبل فكفانا المشقة؟

حملوا 5 شتلات إلى قرية الروغ وغرسوها، فنجحت التجربة، ثم زادوا عاما بعد عام، حتى غدا المكان مدرجات خضراء تكسو سفح الجبل، ومزارا يقصده الزوار من كل حدب وصوب.

يقول الخاطري للجزيرة نت: "الحمد لله، تضم المزرعة اليوم أكثر من 100 ألف شتلة، على مساحة تقارب 8 أفدنة أو تزيد".

صممت المزرعة على هيئة مدرجات هندسية متتالية تسمح بمرور الهواء البارد بين الشجيرات (الجزيرة)

على سفح الجبل

يقع وادي السحتن في ولاية الرستاق بمحافظة جنوب الباطنة، وهو أحد الأودية الكبرى على السفوح الشمالية لسلسلة جبال الحجر الغربي. ويتسع الوادي على هيئة حوض فسيح تحيط به الجروف الصخرية، ويشرف عليه من الشمال الغربي جبل شمس، أعلى قمة في سلطنة عُمان، بارتفاع يقارب 3 آلاف متر.

وتتناثر على حواف الحوض قرى صغيرة يعتمد أهلها على المدرجات الزراعية ومياه الأفلاج، وهي قنوات ري تقليدية تنقل المياه من الينابيع وباطن الأرض إلى الحقول. ومن هذه القرى قرية الروغ، مهد مزرعة "جبل السعتر".

وأصبحت المزرعة من أكبر المزارع المتخصصة في زراعة الزعتر، وتحولت فكرة ولدت في أعالي الجبال إلى مشروع زراعي تديره العائلة، يجمع بين معرفة الأهالي المتوارثة بالنبتة وأساليب حديثة في الزراعة والإكثار.

مزرعة الزعتر في قرية الروغ تمتد الآن على مساحة تقارب 8 أفدنة (الجزيرة)

مدرجات تحاكي الجبل

صمم الخاطري المزرعة على هيئة مدرجات هندسية متتالية تسمح بمرور الهواء البارد بين الشجيرات، فتحاكي البيئة الجبلية التي تنمو فيها النبتة طبيعيا، وتستعيد نظام المدرجات الذي عرفته قرى الحجر منذ قرون.

إعلان

ويعتمد في الإكثار على الترقيد الهوائي، وهي طريقة تنمو فيها الجذور على فرع النبتة الأم قبل فصله عنها وغرسه مستقلا. وتستغرق العملية نحو 40 يوما، وترتفع نسبة نجاحها في الأشهر الباردة الممتدة من سبتمبر/أيلول إلى أبريل/نيسان من كل عام.

ويبلغ موسم الزعتر في الوادي ذروته بين نوفمبر/تشرين الثاني ومارس/آذار حين تعتدل درجات الحرارة، ويحتاج نمو النبتة إلى قرابة 3 أشهر من الغرس حتى الحصاد.

80 كيلوغراما شهريا

انتقلت المزرعة من تجربة عائلية إلى مشروع منتج. يقول الخاطري للجزيرة نت: "يبلغ إنتاجنا نحو 80 كيلوغراما شهريا، نزود به بعض الشركات والزوار"، ويوضح أن التوزيع يقتصر في الوقت الراهن على السوق المحلية داخل سلطنة عمان.

وللزعتر مكانة راسخة في المطبخ العُماني، إذ يضاف مجففا ومطحونا إلى الأطعمة، ويمزج بالألبان، ويدخل في وصفات شعبية لعلاج نزلات البرد وتحسين الهضم. وإلى جانب الزعتر المجفف، تعرض المزرعة الشتلات والعسل المحلي في المناسبات التي تستضيفها.

نبات الزعتر له مكانة خاصة في المطبخ العماني (غيتي)

مزار بين الشجيرات

باتت المزرعة وجهة لمحبي الطبيعة والمشي، وأصبحت المدرجات نفسها جزءا من تجربة الزائر. يقول الخاطري للجزيرة نت: "سياحتنا زراعية: ممشى بين المدرجات، واستمتاع بالمناظر".

يصعد الزوار درجا ممتدا بين صفوف الشجيرات، فتنفتح أمامهم إطلالة رحبة على الوادي والجبال المحيطة به. وتستقبل المزرعة كذلك فعاليات جماعية، ففي يناير/كانون الثاني الماضي سارت نحو 700 امرأة من ولايات عُمانية مختلفة على الطريق الجبلي المؤدي إليها، وتجولن بين حقول الزعتر، وزرن معرضا للمنتجات المحلية، ثم تناولن الإفطار بين المدرجات.

ويمتد الاهتمام بالنبتة إلى الوادي كله، إذ نظم فريق أهلي في الشهر نفسه رحلة ميدانية بين قراه للتعريف بالزعتر وتشجيع السياحة الداخلية، فيما تنتشر زراعته في قرى أخرى من الوادي.

ويلتقي هذا الحراك مع مساعي سلطنة عُمان إلى تنويع منتجها السياحي وتنشيط الوجهات الريفية والجبلية، إذ باتت المزارع والمدرجات والأفلاج جزءا من تجربة الزائر، إلى جانب الحصون والقلاع والأودية التي تشتهر بها البلاد.

وتواجه زراعة الزعتر في الوادي تحديات عدة، أبرزها ندرة البذور وصعوبة الحصول عليها، وهو ما يمنح الإكثار بالترقيد أهمية مضاعفة، إذ يتيح للمزرعة زيادة أعداد شتلاتها انطلاقا من النباتات الموجودة لديها.

وتشتد حرارة الصيف في المنطقة، فيضطر المزارعون إلى إقامة مظلات تقي الشجيرات، فيما تفرض التضاريس الوعرة وتقلبات الطقس صعوبات إضافية على العمل في المدرجات المرتفعة.

مقهى ومعرض

تستعد المزرعة لمرحلة جديدة، إذ يقول الخاطري للجزيرة نت: "ستكون المدرجات الجديدة جاهزة في نهاية السنة، وسنضيف بإذن الله مقهى ومعرضا لبيع المنتجات".

وتتجه خطط الأسرة إلى زيادة عدد الشجيرات وتطوير الموقع ليصبح مقصدا دائما للزوار، يجمع بين التجول في المدرجات وتذوق المنتجات وشرائها في المكان نفسه. ومن شأن هذه الإضافات أن تحول الزيارة من جولة قصيرة بين الشجيرات إلى تجربة متكاملة، تغري الزائر بالبقاء وقتا أطول، وتفتح أمام المزرعة منفذا مباشرا لتسويق إنتاجها.

إعلان

ويختصر الخاطري طموحه بقوله: "نطمح أن تصبح المزرعة إحدى الوجهات السياحية والاقتصادية في السلطنة، وأن نطور الموقع بصورة جميلة يستمتع بها الزائر".

المصدر: الجزيرة