إعلان

مفاوضات لبنان وإسرائيل في ظل اختلال موازين القوة

قوات (اليونيفيل) الإسبانية تتفقد منشآت فجرها جيش الاحتلال الإسرائيلي بعد تفخيخها في أطراف بلده الخيام جنوبي لبنان (الفرنسية)
  • كيف يمكن إنقاذ اتفاق الإطار من تكريس الأمر الواقع؟

دخلت المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية مرحلة شديدة الدقة، ليس لتعقيد الملفات المطروحة فحسب، بل للاختلال الكبير في ميزان القوة.

يتفاوض لبنان كدولة تعاني أزمة اقتصادية، وانقساما داخليا، ومحدودية في القدرات العسكرية، وعدم اكتمال سيطرتها على قرار السلاح والحرب والسلم. في المقابل، تتفاوض إسرائيل من موقع التفوق العسكري والميداني من جهة، وامتلاك قدرة أكبر على فرض الوقائع من جهة أخرى.

انطلاقا من موقعي الأكاديمي وتدريسي مادة إدارة التفاوض، لا تتناول هذه المقالة المسار من زاوية سياسية أو ميدانية فقط، بل تحلله استنادا إلى مبادئ التفاوض غير المتكافئ، الذي يجري بين أطراف تختلف في القوة والموارد والبدائل، للبحث في الإستراتيجيات التي يستطيع لبنان اعتمادها لتحسين موقعه وحماية سيادته.

بدأت المحادثات المباشرة في أبريل/نيسان 2026، وأقر إثرها اتفاق الإطار في يونيو/حزيران، والذي نص على استعادة الدولة سلطتها، وانتشار الجيش، ونزع سلاح الجماعات المسلحة، بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي تدريجي، والبدء بمناطق تجريبية يعود إليها السكان وتنطلق فيها إعادة الإعمار.

تعثر التطبيق، وظل الخلاف قائما حول ترتيب الخطوات وتوقيتها وآلية التحقق. وبعد سبع جولات، ينتظر أن تستضيف روما جولة جديدة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وسط استمرار الخلاف على الانسحاب والترتيبات الأمنية.

اعتمد لبنان أساسا على الولايات المتحدة بوصفها الوسيط الأكثر تأثيرا، لكن الاعتماد الحصري يحمل مخاطرة لاختلاف مصالح الوسيط

القوة.. ليست عسكرية فقط

تفيد أدبيات التفاوض بأن القوة ليست صفة ثابتة، حيث يمكن تطويرها وزيادة تأثيرها وفقا لإستراتيجيات علمية وعملية يفرضها واقع التفاوض. كما أن القوة ليست حكرا على طرف معين، أي يمتلكها طرف ويفتقدها الآخر مطلقا، بل هي علاقة اعتماد متبادل. فكلما احتاج طرف إلى موارد أو شرعية أو تعاون من الآخر، نشأت للأخير مساحة من القوة، حتى لو كان أضعف عسكريا.

إعلان

تمتلك بيروت عناصر يمكن تحويلها إلى قوة تفاوضية: الشرعية الدولية، والحق في السيادة، واعتراف العالم بالجيش بوصفه المؤسسة الشرعية، وحاجة تل أبيب إلى ترتيبات مستقرة لحماية حدودها الشمالية. لكن هذه العناصر تحتاج إلى دولة تنظمها ضمن إستراتيجية موحدة، ووفد يمتلك المعلومات والخبرة والبدائل، وموقف داخلي يضمن تنفيذ التعهدات.

تحسين البديل اللبناني

يعد مفهوم "أفضل بديل عن الاتفاق" (BATNA – باتنا) أساسيا في التفاوض؛ فكلما امتلك المفاوض بديلا مقبولا، ازدادت قدرته على رفض الشروط السيئة. وفي المقابل، فإن اقتناعه بأن الاتفاق القائم هو خياره الوحيد يدفعه إلى تقديم تنازلات غير متوازنة.

لا يعني تحسين البديل الانسحاب أو العودة إلى المواجهة، بل بناء خيارات سياسية ودبلوماسية وقانونية تقلل الاعتماد على مسار واحد. يشمل ذلك توسيع التحالف الدولي، وتقوية الجيش، وتوثيق الانتهاكات، والحصول على ضمانات مكتوبة، وربط إعادة الإعمار بالتنفيذ المتبادل.

بناء ائتلاف داعم

اعتمد لبنان أساسا على الولايات المتحدة بوصفها الوسيط الأكثر تأثيرا، لكن الاعتماد الحصري يحمل مخاطرة لاختلاف مصالح الوسيط.

لا تكمن المصلحة في استبدال الدور الأمريكي، بل في إحاطته بائتلاف أوسع يضم فرنسا والدول العربية والاتحاد الأوروبي وآلية دولية للتحقق. فكلما ارتبط الاتفاق بمصالح دول أكثر، ارتفعت كلفة تعطيله، وتراجعت قدرة أي طرف على تفسير بنوده منفردا.

تستدعي وضعية الطرف الأضعف اعتماد إستراتيجية تكاملية تبحث عن المصالح الكامنة بدلا من النهج التنافسي المباشر

من "خطوة مقابل خطوة" إلى التنفيذ المتزامن

لم يعد مبدأ "خطوة مقابل خطوة" مجديا لغياب التزامن والتوازن. فعندما ينفذ لبنان خطوة أمنية وتستأثر إسرائيل بحق تقرير كفايتها، يصبح الالتزام اللبناني محددا، والانسحاب الإسرائيلي وعدا مؤجلا.

يتضح هذا الاختلال مع إعلان إسرائيل الامتناع عن الانسحاب من المنطقة الأمنية قبل نزع سلاح حزب الله، وإدخال مرتفعات علي الطاهر ضمن المنطقة العازلة أحادية الجانب، ما يهدد بتحويل المفاوضات إلى غطاء لتثبيت وقائع جديدة.

البديل هو الانتقال إلى التنفيذ المتزامن والمشروط والقابل للتحقق. يجب تحديد الخطوة اللبنانية والإسرائيلية المقابلة، والمهلة الزمنية، وجهاز التحقق، وإجراءات التعامل مع الإخلال في كل منطقة تجريبية.

التفاوض بالوقائع لا بالشعارات

يتطلب التعامل مع الطرف الأقوى تحضيرا عاليا. فالخطاب السياسي لا يكفي لإدارة مفاوضات أمنية معقدة. على لبنان دخول جولة روما بملف متكامل يتضمن: الخرائط، والجداول الزمنية، ومراحل الانتشار والانسحاب، ومؤشرات القياس، وحدود التنازل، والضمانات.

يتطلب ذلك إجابات واضحة عن أسئلة محددة:

  • ما التعريف الدقيق لنزع السلاح؟
  • ما نطاق الانسحاب المقابل؟
  • من يقرر تنفيذ الخطوة اللبنانية؟
  • هل تتوقف العمليات العسكرية أثناء التطبيق؟
  • وما الإجراء إذا نفذ لبنان التزاماته ولم تنسحب إسرائيل؟

إن اعتماد المعايير الموضوعية يحد من قدرة الطرف الأقوى على إعادة تفسير الاتفاق، خلافا للعبارات الفضفاضة مثل "إزالة التهديد"، التي تمنح إسرائيل ذرائع للبقاء. يجب تحويل كل مطلب لبناني إلى اقتراح عملي يحدد: المطلب، وأساسه القانوني، والمصلحة المشتركة، وآلية التنفيذ والتحقق.

إعلان

إستراتيجية تكاملية لا تصادمية

تستدعي وضعية الطرف الأضعف اعتماد إستراتيجية تكاملية تبحث عن المصالح الكامنة بدلا من النهج التنافسي المباشر.

تجمع هذه الإستراتيجية بين هدف إسرائيل المتمثل في حماية شمالها ومطلب لبنان باستعادة سيادته وعودة السكان، من خلال انتشار فعلي وموثق للجيش اللبناني، ومنع استخدام الأراضي اللبنانية للهجمات، وانسحاب إسرائيلي متزامن، ووقف إطلاق النار، وعودة السكان وإعادة الإعمار. لكن فهم المصالح الأمنية الإسرائيلية لا يعني قبول مناطق عازلة داخل الأراضي اللبنانية أو إعطاء تل أبيب حق تقرير زوال الخطر.

المعضلة الداخلية تضعف موقع لبنان من حيث التزامه بتعهداته وبإجراءات لا يملك قرار تنفيذها كاملا؛ فقرار حزب الله وسلاحه خارج السيطرة التامة للدولة، والجيش لا يستطيع فرض حصرية السلاح بالقوة دون تفاهم داخلي وغطاء سياسي.

يتطلب هذا الوضع خريطة طريق وطنية لحصرية السلاح، تطرح كمشروع لبناء الدولة وصولا إلى إستراتيجية الأمن الوطني، وتحدد المراحل والمهل ودور الجيش والضمانات، وتربط التقدم اللبناني بالانسحاب الإسرائيلي المتزامن.

تكمن مشكلة لبنان في دخوله المفاوضات دون بدائل أو تحالفات أو وحدة داخلية أو بيانات دقيقة أو آليات تضمن التزام الطرف الآخر

دعم الجيش كورقة تفاوضية

يشكل الدعم الدولي للجيش اللبناني ورقة يمكن أن تعزز القوة التفاوضية إذا تحول إلى التزامات عملية؛ فكلما ازدادت قدرة الجيش على الانتشار والمراقبة، زادت صدقية التعهدات وتراجعت الذرائع الإسرائيلية.

ويتطلب ذلك برنامجا مستداما للتجهيز والتدريب واللوجيستيات، وغطاء سياسيا واضحا. غير أن الدعم العسكري لا يغني عن التفاهم الداخلي والموارد الكافية لتغطية المهام السياسية والأمنية الكبرى.

خيارات الاستمرار في المفاوضات

الانسحاب يترك الميدان للطرف الأقوى لتثبيت المنطقة الأمنية كأمر واقع، بينما الاستمرار بالآلية الحالية يمنح غطاء للاحتلال. الخيار العملي هو مواصلة التفاوض بعد إعادة تصميمه على أساس: وقف إطلاق النار، وتزامن الخطوات، وتحديد المهل، ووجود آلية تحقق وضمانات متعددة الأطراف.

السيناريوهات الثلاثة

  1. اختراق تفاوضي منظم: إنتاج ملحق أمني في روما يربط انتشار الجيش بانسحاب إسرائيلي متزامن من المناطق التجريبية ضمن مهل محددة ورقابة دولية.
  2. استمرار التفاوض دون تنفيذ: تواصل الاجتماعات بالتوازي مع ترسيخ المنطقة العازلة وتوسع الوقائع الميدانية، وهو السيناريو الأخطر.
  3. انهيار المسار والعودة إلى التصعيد: التعثر نتيجة استمرار العمليات العسكرية، وفشل التفاهم الداخلي، وعجز الوسطاء.

في غياب تعديل آلية الاتفاق، يبقى السيناريو الثاني، أي التفاوض الطويل المصحوب بتكريس الأمر الواقع، هو الأكثر احتمالا.

خلاصة القول، تكمن مشكلة لبنان في دخوله المفاوضات دون بدائل أو تحالفات أو وحدة داخلية أو بيانات دقيقة أو آليات تضمن التزام الطرف الآخر.

تتمثل الإستراتيجية الأفضل في تحسين البديل التفاوضي، وتوسيع الائتلاف الدولي، وتقوية الجيش، وتوحيد القرار الداخلي، والتفاوض بالوقائع والمعايير، وربط كل خطوة لبنانية بخطوة إسرائيلية متزامنة وقابلة للتحقق.

على لبنان دخول جولة روما برسالة محددة: الدولة مستعدة لبسط سلطتها ومنع تهديد أي طرف من أراضيها، مقابل انسحاب إسرائيلي كامل، ووقف فعلي لإطلاق النار، وضمانات تمنع تحويل الإجراءات المؤقتة إلى احتلال دائم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.