كمامة لكل مواطن عربي.. حق الصمت العربي من التعقيم إلى التكميم

blogs كورونا

لا أحد في العالم اليوم كان يتمنى أن يعيش هذا الزمن الكوروني الأغبر. ولا أحد من هذه الشعوب العربية المسحوقة التي انتفضت وثارت على وضعها المعيشي الاجتماعي التعيس، كان يتصور أن تتأمر عليه قوى الطبيعة الكورونية لمحاولة اسكاته واخضاعه وتكميمه من جديد. وارغامه على البقاء في البيت خانعا خائفا حزينا مذعورا صامتا هو الذي سكن الميادين والساحات والخيام والعراء وأدمن الصراخ والاحتجاج والغناء والتعبير والتفكير بصوت مسموع.  

 

وحدهم الحكام العرب المستبدين الذين كنستهم الثوراث، ودثرهم الموت والنسيان، ربما يتمنون الآن في قبورهم، وفي منفى النسيان، لو يهبهم الله حياة ثانية سريالية، ليعيشوا زمن الكورونا ويستمتعوا من جديد بهذا الذعر والخوف والحزن الذي تعيشه الشعوب العربية والبشرية. ويشنفوا أذانهم بهذا الصمت المطبق المعقم، بعد أن صمتها أمواج الاحتجاجات والمتظاهرين في الساحات. ربما لو استجاب لهم الله بحياة ثانية، لدعوا إلى قمة عربية عاجلة معقمة لا يدخلها رجال الإعلام والصحافة الملوثين بفيروس الحرية وحق النفاذ إلى المعلومة. ربما كانوا سيسمونها قمة الكورونا. وربما كان سيصحبون معهم من عالم الما وراء والغيب، ضيوف استثنائيين لهذه القمة عرفوا بورعهم وتفانيهم في خدمة شعوبهم، مثل الحجاج بن يوسف الثقفي أو مراد بوبالة التونسي.

 

ربما لو تحققت هذه النبوءة والأمنية والقمة لرأينا القذافي وزين العابدين وحسني مبارك وعبد الله صالح وبوتفليقة والحسن الثاني وعمر البشير وحافظ الأسد، يرعدون ويزبدون ويتخاصمون من أجل أحقية كل منهم بتحقيق سياسة تكميم الأفواه

وربما أيضا لكانوا الآن يجتمعون ويتدارسون خطة طارئة واستراتيجية دقيقة لأنشاء منطقة عربية حرة معقمة. عفوا هل قلت حرة؟ أستغفر الله وأتوب اليه من هكذا مصطلحات وقيم هجينة مستوردة أودت بنا إلى التهلكة وأخرجتنا من ملتنا. بل قصدت منطقة معقمة من أمراض وفيروسات خطيرة ومعدية جدا مثل الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان والمساواة والكرامة والعدالة الاجتماعية وخاصة خاصة الفيروس الخطير الشعب يريد عفانا وعفاكم الله. وربما كانوا سيتفقون لأول مرة في قمة الكورونا على تشييد أكبر مصنع كمامات في العالم في هذه المنطقة المعقمة.

 

وسيضيفون له سرا ملحق من السراديب والغرف السرية لصنع القفازات السامة والأغلال والقيود العربية الأصيلة سيكافئون به معارضيهم. فضلا عن مرهم خاص لتقليم الأظافر ومحو البصمات والذاكرة وتعقيم ما بقي من العقل العربي. وربما سيسمونه تبركا وتوددا مشروع القرن. وهذا سيرضي بعض غرورهم وأمانيهم بتوفير حق الصمت والتكميم والتحنيط من خلال قانون كمامة لكل مواطن عربي من التعقيم الى التكميم، بدل قانون طبيب لكل قرية ومستشفى لكل مدينة وسرير إنعاش لكل مريض. وبدل قانون مدرسة لكل دوار وحافلة مدرسية لكل منطقة ريفية. وقانون حق النفاذ الى المعلومة البالي المتخلف.

 

ربما لو تحققت هذه النبوءة والأمنية والقمة لرأينا القذافي وزين العابدين وحسني مبارك وعبد الله صالح وبوتفليقة والحسن الثاني وعمر البشير وحافظ الأسد، يرعدون ويزبدون ويتخاصمون من أجل أحقية كل منهم بتحقيق سياسة تكميم الأفواه وتعقيم الشعوب العربية ومحاصرتها في سجون جماعية معقمة تحافظ على حياتهم الأليمة. هل قلت أليمة؟ عفوا أقصد الكريمة. فالصمت حق مقدس ولا غنى عنه حتى بالقوة في الحاضرة العربية من المحيط إلى التكميم. وربما كذلك لا طالب أغلب الزعماء العرب بسن قانون الموت الرحيم بدل البحث عن لقاح، لأنهم يخشون على المواطنين المصابين بداء الكورونا من أن يشفوا بسرعة ويعودوا الى الكلام والتعبير والصراخ والاحتجاجات والاعتصامات.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان