الأردن نموذجا.. تأخر عربي وتحديات تحدق بالإذاعات المجتمعية بيوم الإذاعة العالمي

راديو البلد الذي بدأ في 2001 عبر الإنترنت يعتبر أول إذاعة مجتمعية عربية بحسب مديرة المحطة عطاف الروضان (الجزيرة)
راديو البلد الذي بدأ في 2001 عبر الإنترنت يعتبر أول إذاعة مجتمعية عربية بحسب مديرة المحطة عطاف الروضان (الجزيرة)

همام العسعس-عمّان

 
"إنها أول إذاعة مجتمعية عربية"، هكذا وصفت مديرة "راديو البلد" عطاف الروضان تجربتهم التي بدأت عام 2001 عبر الإنترنت على يد الإعلامي داوود كتاب الذي نقل التجربة الغربية للعرب عن طريق تدريب عدد من الشبان والفتيات ممن لا يمتلكون أي خلفية إعلامية، ليتمكنوا من التعامل مع المفهوم الإعلامي وطرق إيصال رسالتهم.
 
من الإنترنت إلى الهواء
عمل المتدربون داخل مكتب صغير يحتوي على إستوديو مع غرفة تحرير، غير أنه في عام 2005 سمح القانون الأردني للشركات الخاصة بتملك إذاعات، و"هنا واجهنا العقبات، إذ يجب أن تكون الشركة خاصة وليست مؤسسة مجتمع مدني، ونحن لسنا شركة".    

وقالت الروضان للجزيرة نت إن راديو البلد -عمان نت سابقا- تحول في 2005 من الإنترنت للبث عبر أف أم، تحت ظل شبكة غير ربحية، وأسهمت بتأسيس العديد من الإذاعات العربية المجتمعية.
 
وفي سياق حديثها، أكدت الروضان عدم وجود ترخيص يمنح للإذاعات المجتمعية في الأردن، إذ إن الإعلام مملوك إما للحكومة أو للقطاع الخاص، مشيرة إلى أن "النصف منا عرف كإعلام مجتمعي ونرخص على أساس أننا خاص".

في حين ينص قانون المرئي والمسموع بالأردن على عدم الإقرار بحق منظمات المجتمع المدني امتلاك وسائل إعلام خاصة بها، ويشترط أن تكون مالكة الوسيلة شركة مسجلة لدى وزارة الصناعة والتجارة، مما يفقدها طابعها المجتمعي، فالشركة مملوكة بالكامل لأفراد يحق لهم التصرف برأسمالها ومقتنياتها.

راديو البلد قدم برامج مجتمعية كان أحدها يدرب السيدات ويعطيهن فرصة لتقديم البرامج (الجزيرة)

تأخر عربي
في العام الماضي انعقد المؤتمر الإقليمي "تمكين المجتمع المدني عبر الإعلام المجتمعي" بالعاصمة الأردنية عمان، وقد شارك فيه ممثلون من الأردن وفلسطين واليمن وبريطانيا وبلجيكا، وجاء برعاية الحكومة الأردنية ممثلا بوزيرة الإعلام السابقة جمانة غنيمات.

لكن اللافت أن التوصية الأولى التي قدمها المؤتمر تنص على "إجراء تعديلات تشريعية مناسبة تقر بأهمية الإعلام المجتمعي، وتساعد في خلق بيئة حاضنة لتطوير واستدامة إعلام مهني يخدم المجتمع ويتعامل مع تحديات ثورة المعرفة وينسجم مع المعايير الدولية".

يقول داود كتاب، المدير العام لشبكة الإعلام المجتمعي التي نظمت المؤتمر بالشراكة مع منظمة اليونسكو والاتحاد العالمي للإذاعات المجتمعية، إن "هناك غيابا تشريعيا ناظما لعمل الإعلام المجتمعي في الأردن، ومثل ذلك ينسحب الأمر على معظم التشريعات العربية عدا تونس، إذ لا تشمل التشريعات الاعتراف أو تصنيف الإعلام المجتمعي. وغياب الاعتراف الرسمي يعني أن هناك من يعمل في الإعلام غير الحكومي وغير الربحي، ويجبره غياب التشريع على العمل في نطاق الإعلام التجاري".

طلبة الإعلام خلال برنامج تدريبي يقدمه راديو النجاح داخل إستوديوهاتها (الجزيرة)

إذاعات تحاول أن ترى النور
ومن جانب، آخر روى مؤسس راديو النجاح -يبث عبر الإنترنت- عبيدة فرج الله، معيقات الترخيص التي واجهتهم بقوله إنهم حاولوا ترخيص الراديو ليبث عبر موجات أف أم على مر ثلاث سنوات ولم ينجحوا، وأضاف "حصلنا على تمويل من الاتحاد الأوروبي ثلاث مرات فقط لدفع رسوم، لأن الدولة رفضت إعفاءنا رغم أننا إذاعة مجتمعية".

وأوضح أن هناك أزمة وسط المؤسسات الأردنية، فملف ترخيصهم رفض في المرة الثانية لنفاد الوقت، فالمدير العام لهيئة الإعلام يقوم بتنسيب الطلب لهيئة الاتصالات عقب الموافقة عليه، لتجيب برد أولي لهيئة الإعلام ثم يرفع الطلب لوزير الدولة لشؤون الإعلام، الذي يقدمه بدوره لمجلس الوزراء ليصادق على إعطاء الترخيص.

وأسس فرج الله الراديو عام 2013، ليكون مساحة للشباب لتدريبهم ميدانيا، ومساعدتهم على تقديم رسائلهم، غير أنه واجه معيقات متعلقة بالدخل، وسعي الإذاعات العامة للربح وتلبية رغبة المعلن بغض النظر عن القيمة الخبرية، إضافة للإعلام الرسمي الموجود برعاية الحكومات، والأيديولوجي التابع لجماعات معينة، وهو ما تعاني منه الإذاعات في الوطن العربي بشكل متفاوت، حسبما أوضح.

راديو النجاح تأسس سنة 2013  ليكون مساحة للشباب لتدريبهم ميدانيا (الجزيرة)

قناع المجتمعية
"هناك خوف من سقف الحرية للإذاعات ونجاحها"، هكذا عبر عبيدة عن التضييقات التي يتعرضون لها، لافتا إلى أن المعيق الآخر أمامهم متعلق بالمحتوى، فالجاد والهادف يجد صعوبة بالانتشار بين الناس، خاصة في ظل وجود إذاعات تهتم بالفضائح وأخبارها.

ونوه فرج الله إلى حصول عدد من الإذاعات على إعفاء من الرسوم، لكونها مجتمعية مثل تلك الخاصة بالأمن العام والجامعات، غير أنها تقوم بعدد من المخالفات مثل بث الإعلانات تجارية وجنيها للملايين من خلالها، مؤكدا أن "الإعلام الإذاعي يتراجع، ولا سيطرة عليه".

عبيدة: فرص نجاح الإذاعات الجادة تتراجع في ظل وجود إذاعات تهتم بالفضائح وأخبارها (الجزيرة)

حساسية التمويل
وأضاف مؤسس إذاعة "حسنى" حسام الغرايبة أن إذاعته واجهت في بداياتها تحدي طرح ما هو مختلف للناس، بالإضافة لعدم ترخيصها طوال ست سنوات كإذاعة مجتمعية، بل كشركة ذات مسؤولية محدودة الدخل.

وركز الغرايبة على وجود مشاكل تتعلق بالتمويل، بالإضافة لانخفاض الإنفاق في مختلف المجالات بما فيها الإعلام، نتيجة للضغط الاقتصادي على الأردن آخر سنتين "مما أدى لخفض موارد الإذاعات بالمجمل".

وشدد على دور الإذاعة على مر السنين، فجمهورها المستهدف غالبا ما يكون في السيارات، إذا يقضي وقته بالاستماع للراديو الذي يشكل واحدا من بين نحو 48 خيارا مقارنة مع باقي الإذاعات، في حين يتيح لك التلفزيون الاستماع لآلاف الخيارات، كما أن مستمعي الإذاعة من طبقات وفئات مختلفة.

الرد الحكومي
من جهته، أكد مدير هيئة الإعلام المرئي والمسموع ذيب القرالة للجزيرة نت أن قانون الإعلام المرئي والمسموع لا يتعارض مع تأسيس إذاعات مجتمعية، مبينا وجود 13 إذاعة مجتمعية في المملكة، تحت مظلة الجامعات الحكومية، وبعضها لمؤسسات تتبع للحكومة كمعهد زين الشرف الذي يشرف على إذاعة "فرح الناس"، وهذه الإذاعات بحسب القرالة تقوم بعمل مجتمعي يعبر عن هموم المواطن في تلك المناطق.

يذكر أن منظمة اليونسكو، عرفت بدورها وسائل الإعلام المجتمعي بأنها "وسائل إعلام مستقلة، تستند أو تدار من قبل المجتمع المدني، وتعمل من أجل المزايا المجتمعية، وليس من أجل الربح".

المصدر : الجزيرة