خواء بارد، رذاذ، صمت مرعب، نجوم مخفية، سماء بشبه قمر، رياح متجولة، حفيف أوراق، وأمواج من الخوف لا تنتهي..
في ليلة دهماء خارجة عن حدود المنطق، وفي تمام الساعة التاسعة ليلا بتوقيت القلق، انفجر الليل، وكان انفجاره بداية لأشياء غير مفهومة، واخترق سكونَه هديرُ جنازير الدبابات التي تشق الطرقات بلا رحمة، وكأنها تعلن أن الأرض لم تعد لنا!
فجأة، باتت البيوت كالمقابر، فالخوف كتم أنفاس المصابيح، والهواء أصبح ثقيلا ممزوجا برائحة الدم والغاز والبارود.. صراخ، ركض، انفجارات متقطعة، لا إنذارات، لا تحذيرات، ولا حتى أوامر إخلاء.
ولم يكن هناك أي مقدمات واضحة، بل كان اجتياحا مفاجئا، صادما في توقيته وقسوته ورعبه المتفجر.. لم يكن في مساء ذلك اليوم ما ينبئ بالدم.
عند الواحدة تماما، تناثر الزجاج، وسقطت بعض المباني.. لم يكن زلزالا، كان صوتا لا يشبه الأصوات! كأن الأرض نفسها صرخت، ثم شقها وحش من الحديد والنار!
في الجنوب الشرقي من مدينة خان يونس، لم تكن تلك ساعات اجتياحا فحسب، بل كانت محنة وجودية، تحول فيها الليل إلى ساحة للموت المحتمل. كانت المنازل، وغرف النوم، والشوارع، وخزانات المياه، والبنى التحتية مسرحا لعنف بلا ملامح إنسانية.
جاء الاعتداء مفاجئا، فلم تكن هناك أي طريقة للاستعداد أو الفرار. الأمهات يصرخن، والأطفال كانوا يراوحون بذعر بين الوسادات.. ظننا حينها أننا لن نرى الصباح.
ساعات من الاجتياح الصادم عشناها كأنها سبعة أعوام، استخدمت خلالها شتى أنواع القوة المفرطة. استخدم فيها جنود الاحتلال العشرات من الآليات العسكرية المدججة، مصحوبة بطائرات الاستطلاع و"الكواد كابتر" التي حلّقت على ارتفاع منخفض.. كنت أشعر كأن الأرض تهتز من تحت جنزير الدبابة.
بأنامل مرتجفة، وجسد مهترئ، بدأت أجرجر خطاي باتجاه النافذة، وألقيت بمقلتي خارج بلورها، فكانت الشوارع نائمة تحت أغطية الغبار والانفجارات والقنابل المضيئة. لكن، في ذلك اليوم كان شيء ما مختلفا.
عند الواحدة تماما، تناثر الزجاج، وسقطت بعض المباني.. لم يكن زلزالا، كان صوتا لا يشبه الأصوات! كأن الأرض نفسها صرخت، ثم شقها وحش من الحديد والنار!
ركضت نحو النافذة، فشاهدت دبابات تخرج من جوف الليل، تجر خلفها أنفاس موتى قدامى.. كانت القذائف، والقنابل، والأحزمة النارية، تسبقهم كعصافير الموت. لملمت نفسي وذهبت إلى فراشي، كنت أرتجف خوفا، وذعرا، ووجعا، وقهرا.. تقوقعت به كصوص نافق، لم أبكِ، لم يكن لدي وقت لذلك، فالزمن انكمش فجأة، لم أعد أفكر بشيء، فقط فيما وراء بلور النافذة، وألا نموت الآن.
ما جرى ليس مجرد عملية عسكرية مباغتة فحسب، بل هو انتهاك صارخ لكرامة الإنسان وأمنه في أكثر لحظات ضعفه.. ما وقع في تلك اللحظة لم يكن انفجارا عابرا، بل انهيارا في المعنى والأمان
مرت تلك الساعات الثقيلة مغمّسة بالتجبر والبطش والظلم والطغيان.. كانت المدينة غريبة عن نفسها، عن أهلها، وحتى عن شوارعها التي باتت مداسا لجنود لا يرون فيها بشرا، بل أهدافا!
البيوت اختفت، والشهداء ملقون في الطرقات وبين الأزقة. حل الدمار، والخراب، وحمم النيران، ورائحة الدم التي تملأ كل ركن من المدينة.
اجتياح دام سبع ساعات فقط، لكنه مرّ كأنه سبعة أعوام. انسحب جنود الاحتلال فجرا، غادروا المدينة كما جاؤوا بصمت فج، تاركين خلفهم دمارا، وخرابا، وجدرانا مثقوبة، وممتلكات منهوبة، وجثث شبان باتت وجبة للكلاب الضالة.. غادروا، ولكن الوجع لن يغادر سكان الحي، الذين ذهبوا يتفقدون منازلهم وكأنهم يكتشفونها لأول مرة.
ما جرى ليس مجرد عملية عسكرية مباغتة فحسب، بل هو انتهاك صارخ لكرامة الإنسان وأمنه في أكثر لحظات ضعفه.. ما وقع في تلك اللحظة لم يكن انفجارا عابرا، بل انهيارا في المعنى والأمان.
وفي الوقت ذاته، باتت لدينا قناعة أن علينا أن نصمد ونحتسب في مواجهة هذا التجبر والرعب، الذي لم يأتِ من السماء فقط، بل من الأرض.
في غزة نحن متعبون، نحمل أجسادنا بتثاقل، كما أننا لا نملك سوى أرواح تالفة لا تثير سوى الرثاء..
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

