على امتداد العقود الماضية، لم تهدأ رياح المخططات الإسرائيلية، المسنودة بالدعم الأميركي، في سعيها لاقتلاع الفلسطيني من جذوره، واقتلاعه من أرضه التي سقاها بدمائه وصموده.
كانت المؤامرات تتوالى، تارةً برداء السلام المزعوم، وأخرى بوعود زائفة لحياة أفضل، لكن جوهرها ظل واحدًا.. إفراغ قطاع غزة من أهله، وتفريغه من روحه النابضة بالمقاومة.
لكن كيف يُقتلع شعبٌ صارت الأرض جزءًا من روحه، وصارت البيوت – وإن هدّموها- ذاكرةً محفورةً في وجدانه؟ كيف يُهَجَّر شعبٌ اعتاد أن يزرع بين الركام حياة، ويرسم على جدران الخراب ملامح وطن لا يغادره مهما تكالبت عليه المحن؟
رغم المجازر، ورغم الحصار، ظلَّ الفلسطيني في غزة كما السنديان الجبلي، متشبثًا بتربته، واقفًا في وجه الريح العاتية، يردّد بصوت التاريخ: "لن نغادر، ولن نسمح لنكبةٍ جديدة أن تتسلل إلى صفحاتنا". واليوم، يعود هذا المخطط إلى الواجهة من جديد، لكن -كما سقطت قبله كل المشاريع التهجيرية- سيتحطم هو الآخر على صخرة الإرادة الفلسطينية التي لا تعرف الانكسار.
مع اندلاع الحرب على غزة، برزت دعوات إسرائيلية لترحيل سكان القطاع إلى سيناء، أو إلى دول أخرى مثل الأردن وألبانيا، وسط حديث أميركي عن إعادة إعمار غزة خارج أيدي الفلسطينيين بحجة أنها لم تعد "صالحة للحياة"
محاولات متكررة منذ عقود
بدأت الأطروحات المتعلقة بتهجير الفلسطينيين من غزة في خمسينيات القرن الماضي، لكنها قوبلت برفض عربي وفلسطيني حال دون تنفيذها، وفي سبعينيات القرن الماضي، حاولت أميركا عبر مشروع وزير خارجيتها آنذاك، وليم روجرز، تسويق فكرة نقل سكان غزة إلى سيناء، لكن الموقف المصري الرافض أسقط هذه الخطة.
لاحقًا، في العقد الأول من الألفية الجديدة، طرح الجنرال الإسرائيلي غيورا أيلاند فكرة توسيع قطاع غزة باتجاه سيناء، مقابل منح مصر أراضي بديلة، إلا أن مصر رفضت هذا المشروع، كما رفضه الفلسطينيون بشدة، ومع انسحاب الاحتلال من غزة عام 2005، عاد أيلاند ليعيد طرح الفكرة، لكن – كالعادة- فشلت هذه المحاولات مجددًا، واندثرت تحت صخرة صمود الفلسطينيين مجددًا.
في 2020، خلال الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب، برزت "صفقة القرن" التي تضمنت مقترحات مشابهة، لكن ثبات الفلسطينيين والموقف العربي الحاسم أفشلا المشروع.. واليوم، بعد عودة ترامب للمشهد السياسي، ومع الحرب الدائرة في غزة، يعود الحديث عن مخطط التهجير مرة أخرى.
مخطط التهجير في ظل الحرب الحالية
مع اندلاع الحرب على غزة، برزت دعوات إسرائيلية لترحيل سكان القطاع إلى سيناء، أو إلى دول أخرى مثل الأردن وألبانيا، وسط حديث أميركي عن إعادة إعمار غزة خارج أيدي الفلسطينيين بحجة أنها لم تعد "صالحة للحياة".
لكن الرد الفلسطيني جاء واضحًا وقويًّا، حيث شهد القطاع مشهدًا مهيبًا بعودة عشرات الآلاف من النازحين من جنوب غزة إلى شمالها، رغم الدمار الهائل الذي خلّفه الاحتلال.
على مدار أيام، اصطف الفلسطينيون على محورَي شارع الرشيد وصلاح الدين، في مشهد يعيد للأذهان مسيرات العودة، لكن هذه المرّة ليس للهروب من الدمار، بل للعودة إليه، للتمسك بالأرض وعدم تكرار نكبة جديدة.
فشلت مشاريع التهجير على مدار العقود الماضية، وستفشل مجددًا، لأن أصحاب الأرض قرروا أن يبقوا، مهما كلفهم ذلك من ثمن
الموقف العربي والدولي
التصريحات الأميركية، التي ألمحت إلى إمكانية تهجير سكان غزة، لاقت رفضًا عربيًّا ودوليًّا واسعًا، فقد أكدت مصر والأردن رسميًّا رفضهما القاطع أي سيناريو يهدف إلى ترحيل الفلسطينيين، كما جاء الموقف العربي خلال قمة الرياض الإسلامية واضحًا في التمسك برفض أي مخطط تهجيري.
أما على الصعيد الدولي، فقد تعالت الأصوات التي تحذر من أي محاولة لإحداث تغيير ديمغرافي قسري في غزة، معتبرةً أن أي تحرك في هذا الاتجاه سيشكل انتهاكًا صارخًا للقوانين الدولية.
رسالة الفلسطينيين للعالم
اليوم، يوجه الفلسطينيون رسالة واضحة للعالم: رغم الدمار والمجازر، لن نغادر أرضنا. حتى لو غادر عشرات الآلاف أو مئات الآلاف طوعًا أو قسرًا، ستبقى غزة عنوان الصمود والمقاومة، وستظل المعادلة واضحة: لا سلام ولا استقرار دون دولة فلسطينية مستقلة.
لقد فشلت مشاريع التهجير على مدار العقود الماضية، وستفشل مجددًا، لأن أصحاب الأرض قرروا أن يبقوا، مهما كلفهم ذلك من ثمن.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

