نواعير حماة.. ذاكرة مدينة لا تموت

نواعير حماة بعد صيانتها من مجلس مدينة حماة
نواعير حماة بعد صيانتها من مجلس مدينة حماة (الجزيرة)
  • ناعورة الصمود.. من ألق النواعير إلى رماد المجازر، ثم ربيع الحرية يزهر بالأمل

في أحضان نهر العاصي، حيث تلامس عجلات النواعير الخشبية سطح الماء كأنها أصابع عملاقة تبحث عن سر الحياة، تدور حماة في دوامة من الذكريات.

تخيلوا معي لو أن هذه النواعير تتكلم: أستغنّي ألحان الازدهار القديم للمدينة، أم ستئن تحت وطأة الرماد الذي غطى أخشابها؟ أم لعلها، في لحظة سحرية، تهمس بقصة "حماة" التي عاشت حياة تجمع بين الظلام والنور، والحزن والفرح، حيث دارت هذه النواعير كثيرا حول الموت بحثا عن الحياة؟

وربما تروي نواعيرنا السوداء قصصا حقيقية عن أناس خلدت ذكراهم بما عاشوا وقالوا.. قصة أحمد، الرجل الذي يحمل وشما خلفته رصاصة في كتفه، وفاطمة، المرأة العجوز التي تخبئ في جيبها مفتاح منزل لم يعد موجودا منه سوى الذكريات، وياسر، الفتى الذي يرسم خرائط المدينة المفقودة على جدران أحيائها القديمة، وزينب، الشابة التي ورثت من جدتها حكايات الأجداد، تجلس اليوم بجانب النهر تستمع إلى صوت الماء كأنه يروي تاريخا يبكي ويضحك.

أربع قصص مختلفة، لكنها تحكي عن أرواح متشابكة تجمعها نقاط مشتركة كثيرة، أهمها "حماة" بأحيائها المترامية على ضفاف العاصي، تتقاسم مع النواعير تجسيد الآلام التي تلازم الجراح، والحزن الذي يغرق الليالي، والفرح الذي ينفجر فجأة كوردة برية، والأمل الذي يهمس: "الحياة لم تنتهِ بعد".

حماة من أقدم المدن المأهولة في العالم، تعود جذورها إلى آلاف السنين، حيث شهدت أقدام أسلافنا في العصر الحجري القديم أول الاستيطانات، فكانت مهدا للحضارات التي بنت جدرانها وأبوابها الأربعة عشر

في مهرجان "ربيع حماة" يلتقون تحت سماء الأمل، ويصبحون صوت المدينة التي رفضت الموت.

أحمد في الأربعينيات من عمره، يقف أمام ناعورة النورية الكبرى وجارتها ناعورة الجعبرية، يداه المجعدتان من سنوات المقاومة الطويلة تلامسان الخشب الرطب بحثا عن نبض أبيه الذي سقط في مذبحة عام 1982.

إعلان

يرحل أحمد بنظره، لكن ليس بعيدا، بل نحو الجهة المقابلة، تحديدا إلى ناعورة الكيلانية التاريخية، يخاطبها وصديقاتها قائلا: "أنتم الشهود الأبديون على حقبة الظلام والقتل!" يقولها بصوت يحمل صدى المدفعية البعيدة.

أما في خيالي، فأراه طفلا يركض بين أزقة الزنبقي والكيلانية والبرازية، حيث البيوت ذات الفسحات السماوية، المليئة بأصوات النساء والأطفال. كانت المدينة، في ذلك الازدهار الهادئ، قلبا نابضا: مدارس علمية تخرج الفلاسفة، جوامع تاريخية مثل الجامع الكبير وجامع النوري والقان والسلطان وغيرها، ونواعير تسقي الأحياء والبساتين، تحول النهر "المقلوب" إلى شريان يربط الساحل بالبادية. عشرات النواعير تطلق موسيقى خشبية عذبة تشبه نبض الحياة نفسها.

وحماة من أقدم المدن المأهولة في العالم، تعود جذورها إلى آلاف السنين، حيث شهدت أقدام أسلافنا في العصر الحجري القديم أول الاستيطانات، فكانت مهدا للحضارات التي بنت جدرانها وأبوابها الأربعة عشر: باب الغربي الذي يهمس بالغروب، وباب المغار الذي يخفي أسرار الكهوف، وباب القبلي الذي يواجه الرياح الجنوبية، وباب النهر الذي يراقب جريان العاصي، وباب العميان الذي يحمي الأحياء العتيقة، وباب العدة الذي يحرس المخازن، وباب حمص الذي يشير إلى الطريق الشمالي، وباب الجسر الذي يربط الضفتين، وباب النصر الذي يحتفل بالانتصارات، وباب طرابلس الذي يدعو للسفر، وباب العرس الذي يفرح بالأعياد، وباب تدمر الذي يتذكر الشرق، وباب النقفي الذي يحرس التلال، وباب دمشق الحبيبة، الذي تتضاعف البهجة بمجرد سماع اسمه.

رغم كل المآسي، برز أعلام المدينة كنجوم في الظلام: المؤيد عماد الدين إسماعيل، الشهير بأبي الفداء، الذي روى تاريخها في كتبه كأنه يعيد بناء جدرانها بالكلمات

تخيلْ زينب الشابة، التي تجلس اليوم بجانب أحمد، تروي له كيف كان الفاتح أبو عبيدة بن الجراح يصلي في سوق المدينة الحيوي على ضفتي النهر، حيث كان السوق الكبير يعج بالتجار والعلماء يتبادلون البضائع والكتب تحت ظلال الأشجار، وكيف كتب ابن مالك ألفيته النحوية الخالدة عام 1262 داخل جدران مسجد القان، حيث ترددت أبياته كأصوات النواعير في أذهان الطلاب، مزيجا من الفرح بالعلم والحزن على الزمن الذي يمر.

لكن حتى هذه الجدران العتيقة شهدت الدم؛ ففي عام 904 هبطت جموع القرامطة كالجراد الجائع، فهاجموا المدينة وقتلوا أهلها حتى الأطفال والنساء، يسيل الدم في الأزقة كالنهر نفسه، وتملأ صرخات الأمهات الهواء بينما ينهار الفرح إلى رماد. ثم جاء تيمورلنك عام 1400، فهدم قلعة حماة التاريخية بغضب يشبه الزلزال، محولا أبراجها إلى أكوام حجرية تبكي على تاريخ يمحى، ومياه النهر تضرب الضفتين "السوق والحاضر" لتخبرهما بأن العاصي يبكي معهما كل يوم.

رغم كل المآسي، برز أعلام المدينة كنجوم في الظلام: المؤيد عماد الدين إسماعيل، الشهير بأبي الفداء، الذي روى تاريخها في كتبه كأنه يعيد بناء جدرانها بالكلمات؛ والشيخ محمود عثمان آغا الذي علم الأجيال في القرن العشرين، يحمل في صوته حكمة الجدود؛ والشيخ محمد الحامد، أستاذ العلماء الذي وقف أمام الطغيان بكلماته كالسيف؛ والدكتور وجيه البارودي، الشاعر الذي غنى للحرية في أشعاره كأنها نواعير جديدة؛ وابن رواحة الحموي، أبو علي الحسين بن عبدالله، الشاعر والمجاهد.. والمئات غيرهم ممن يخلدهم تاريخ حماة.

إعلان

تقول زينب لأحمد والدموع في عينيها: "هؤلاء جعلوا المدينة خالدة، لكن الجراح لا تنتهي." فيبتسم بحزن وهو يتذكر كيف قاوم الحمويون الإنجليز في الحرب العالمية الأولى، ثم ثاروا ضد الفرنسيين عام 1925، يحرقون دار الحكومة ويحاصرون المواقع العسكرية، تسيل دماؤهم في الشوارع فرحا بالحرية المؤقتة، وحزنا على الشهداء الذين سقطوا تحت قصف المدافع، وكيف انضم أبناؤها إلى مقاومة الاحتلال الصهيوني في فلسطين عام 1948، يقاتلون في الجولان والقدس كأنهم يدافعون عن ضفتي العاصي نفسه، يحملون مزيجا من الغضب الذي يحرق والأمل الذي ينير.

"سمعت النواعير تصرخ مع الرصاص"، يقول أحمد وعيناه تغرقان في حزن يشبه جريان العاصي المكسور. تشير التقديرات إلى سقوط 40 إلى 70 ألف ضحية، دفنوا في مقابر جماعية مجهولة، وعائلات تحطمت كالنواعير المتوقفة

ثم يتسلل الظل كوحش أسود يبتلع الشمس.. عام 1980، حين حاصرت آلة البطش الأسدية حماة لثمانية أيام دامية. امتلأت الشوارع بصرخات الأمهات اللواتي يبحثن عن أبنائهن، واعتقل الأطباء والمحامون والمهندسون، ونقلوا في عربات حديدية إلى سجن تدمر، ذلك الجحيم الذي يبتلع الأرواح دون رحمة.

وبعد فترة وجيزة، حين تعرض حافظ الأسد لمحاولة اغتيال فاشلة، أطلق شقيقه رفعت النار على السجناء في مقتلة لم يشهد لها التاريخ الحديث مثيلا! آلاف الأرواح سحقت تحت الرصاص، ودماؤها سالت كالنهر الذي يبكي على ضفتيه.

ولم ينتهِ الظلام هناك؛ ففي فبراير/شباط 1982 عاد الوحش أقوى، يدخل حماة ويبطش برجال الدين أولا، يقتل الأئمة والخطباء في مساجدهم، يهدم المآذن والقباب كأنها رموز الثورة التي يخشاها، ثم يحاصر المدينة لـ27 يوما من الجحيم، يقصف الأحياء بلا رحمة، محولا ثلث المدينة إلى رماد.

"سمعت النواعير تصرخ مع الرصاص"، يقول أحمد وعيناه تغرقان في حزن يشبه جريان العاصي المكسور. تشير التقديرات إلى سقوط 40 إلى 70 ألف ضحية، دفنوا في مقابر جماعية مجهولة، وعائلات تحطمت كالنواعير المتوقفة.

فرض النظام بعد ذلك حصار الصمت، طامسا الذاكرة تحت طبقات من التراب والخوف. فقد أحمد أباه تلك الليلة، ومعه فقد جزءا من أمله بالغد. يهمس لنفسه: "أسيعود السلام، أم هو وهم آخر؟" ودموعه تسقط على الخشب الرطب، تبكي كل طفل لم يعد يلعب في أزقة حيه القديم.

كعادة الجلاد، كان الرد قذائف وحصارا، دما جديدا يضاف إلى الجراح، لكن تلك اللحظات كانت فرحا سريا، كالنور الذي يخترق السحب

بجانبه تجلس فاطمة السبعينية التي تحمل في عينيها خريطة المدينة القديمة. "أنا لست ضحية، أنا حارسة"، تقول وهي تخرج من جيبها مفتاحا قديما لمنزل في حي الطوافرة دمر قبل أربعين عاما. في خياله يراها شابة تعد الطعام في فسحة الدار السماوية، محاطة بأحفادها، بينما يدور النهر حولها كحارس مخلص.

سمعت فاطمة صوتا من بعيد: "حرية.. حرية." يا إلهي! إنه نداء من الجنوب، من أزقة درعا ودمشق، بعدما كتب الخطيب وأصدقاؤه على جدار مدرستهم "حرية"، فاعتقلوه وقتلوه. خرجت الجموع تطالب بالقصاص والحرية، ولبت حماة النداء، وكان أول المشاركين أبناء الشهداء الذين سقطوا على يد البطش الأسدي.

كانت حماة في الطليعة، تكسر جدار الخوف في تظاهرات مليونية سلمية ملأت الساحات بأصوات الحرية. أتخيل فاطمة هناك، تحمل لافتة كتب عليها: "النواعير لا تتوقف"، محاطة بجيرانها يرددون خلف القاشوش الهتافات الثورية رغم الدموع.

ذلك النداء كان كالأذان الذي يوقظ النفوس النائمة، يهز جدران المنازل المهدمة، ويوقظ في صدور أبناء الشهداء رمادا لم يبرد. صرخوا: "حرية!" بأصوات تكسر الصمت، دموعهم تسيل كالأنهار على وجوههم الشاحبة.

وكعادة الجلاد، كان الرد قذائف وحصارا، دما جديدا يضاف إلى الجراح، لكن تلك اللحظات كانت فرحا سريا، كالنور الذي يخترق السحب. "فقدنا الكثير، لكن الروح بقيت"، تقول فاطمة بصوت يحمل مزيجا من الحزن والضحكة الخافتة التي تذكرها بأيام الازدهار.

معرض الزهور يذكر الجميع بأن الحياة تنبت من الشقوق، والنهر يراقب ويهمس: "دوروا يا أبنائي ولا تتوقفوا"

وفي سبتمبر/أيلول 2025، بعد عام من سقوط الأسد، وبعد سنوات من الكفاح، يلتقي الأربعة في مهرجان "ربيع حماة"، ذلك الاحتفال السنوي الذي يتحدى الرماد بألوان الربيع.

إعلان

حول القلعة التاريخية تقام الأسواق المؤقتة تفوح منها رائحة أكلات حماة الشعبية "الباطرش الحموي" و"عش البلبل"، وعروض الحرفيين، والخزف والمطرزات. تملأ الأمسيات الشعرية الأجواء بأبيات تفيض بالأمل: "من أنقاضنا نبني أجنحة، ومن دموعنا أنهارا".

معرض الزهور يذكر الجميع بأن الحياة تنبت من الشقوق، والنهر يراقب ويهمس: "دوروا يا أبنائي ولا تتوقفوا".
ياسر، الفتى العشريني، يرسم على جدران المهرجان خرائط المدينة المفقودة، يقول بابتسامة تحمل أمل الشباب: "أنا أبني المستقبل، لا أرممه".

في خيالي أراه يركض مع أحمد وفاطمة وزينب في سهل الغاب، حيث بدأت مبادرات الإعمار: ترميم آلاف المنازل لعودة النازحين، بتمويل دولي متواضع، وحفر آبار جديدة لتأمين المياه، وإعادة تأهيل الجوامع والمساجد، فهي ليست مجرد أبنية، بل ذاكرة تحيا من جديد.

لكن حتى هنا يتسلل التشاؤم: شبكات الكهرباء المتقطعة، والميزانيات الضخمة المطلوبة- مليارات الدولارات- تجعل ياسر يتساءل: "أستدوم هذه الأنوار أم سيعود الظلام؟" فيضع أحمد يده على كتفه، وتبتسم فاطمة قائلة: "النواعير علمتنا أن الدوران لا يتوقف، وكل دمعة تروي حديقة من الآمال الجديدة."

في هذا الفجر الجديد، عاد النبض لمدينة حماة من خلال حملة "حماة تنبض من جديد"، الهادفة إلى تعزيز العمل التطوعي في المحافظة

في المهرجان يختلطون: أحمد يبيع زيتونا من بساتينه المعاد إحياؤها، فاطمة تروي قصص الجدات للأطفال، ياسر يعلم الرسم للعائدين من النزوح، وزينب تغني أشعار وجيه البارودي بصوت يرتجف بالعواطف. فرحهم ينفجر في الرقصات الجماعية، وحزنهم يتدفق بالدموع عند ذكر الراحلين، وأملهم يلمع في عيون الأحفاد الذين يلعبون بين الأكشاك.

حماة ليست مدينة؛ إنها سيمفونية أرواح خالدة، حيث يتحدى الربيع الرماد، ويتراجع الظلام أمام النور. لكن في نهاية اليوم، حين تغرب الشمس خلف العاصي، يبقى السؤال معلقا كعجلة ناعورة مترددة: أسيزهر هذا الربيع إلى الأبد، أم سيعود الشتاء ليختبر الصمود مرة أخرى؟

فقط الأربعة، والمدينة، والعاصي ونواعيره يحملون الإجابة في نبضهم الدوار.

ومع ذلك، في هذا الفجر الجديد، عاد النبض لمدينة حماة من خلال حملة "حماة تنبض من جديد"، الهادفة إلى تعزيز العمل التطوعي في المحافظة.

بريق ساطع نرى من خلاله أملا يغمر القلوب كضوء الشمس المتلألئ على الماء. غدا يحمل الخير لحماة ولسوريا الحبيبة، حيث تعود النواعير إلى الغناء بألحان السلام الأبدي، والأطفال يرسمون خرائط لمستقبل خالٍ من الدموع، يلتقي فيه الشرق بالغرب في حضن النهر.

نبكي دموعا خفيفة، لا من الحزن، بل من فرح الروح التي وجدت طريقها أخيرا إلى النور الذي لا يغيب.

فالحياة، يا سوريا، ستزهر من جديد؛ أبدية كالنهر الذي لا يجف، وكصمود النواعير التي ستبقى تدور وتروي القصص إلى الأبد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان