من مصطبة البيت إلى ذاكرة الوطن: حكاية أحمد قعبور
لم يخرج صوت أحمد قعبور من قاعة موسيقى ولا من خطاب سياسي، بل تشكل على مصطبة بيت صغير، كانت تجلس عليها أمه فاطمة كل صباح، وكانت امرأة أمية، آمنت أن العلم هو السلاح الوحيد، الذي يحمي أولادها من ضيق الأيام.
بدأ أحمد قعبور يلتقط صغيرا معنى الحب والمسؤولية والانتماء، بين قِدر يغلي بمربى السفرجل، ودفء توزيعه على 3 أبناء و3 بنات، ومعهم أبناء عمهم الثلاثة الأيتام، الذين احتضنتهم بقلب لا يفرق بين ولد وآخر.
على تلك المصطبة، التي تختلط فيها رائحة المربى مع دخان سجائر أبيه محمود الرشيدي، وهو أول عازف كمان في لبنان، تفتحت في نفسه أولى خرائط الوطن، وطن يبدأ من بيت عادي، تقوده امرأة لا تعرف القراءة، لكنها تعرف كيف تنشئ أبناءها على الحلم.
هناك زرعت فاطمة بذرة طفل سيكبر ليمسك الفن بيد الإنسان، ويصون الذاكرة، إنها امرأة لم تكتب حرفا، لكنها كتبت في أولادها درسا لا يمحى، ألا وهو أن المستقبل يبدأ من العلم، وأن البيت قد يتسع لتسعة أطفال، إذا كان القلب واسعا بما يكفي ليصبح هو الوطن.
ومنذ يومئذ أصبح الوطن في عينيه صورة حسية لا فكرة نظرية، فهو دفء، ورائحة، وذاكرة، ومصطبة تجمع كل ما يمكن للإنسان أن يخسره أو يدافع عنه.
الولادة والنشأة.. بين نبض المدينة وتكوين الصوت
ولد أحمد قعبور في بيروت عام 1955، في مدينة كانت تنبض بالحياة وتتهيأ -وهي لا تعلم- لزمن مليء بالتحولات والاضطرابات، وقد نشأ في بيئة شعبية جعلت السياسة والنقاش العام جزءا من اليومي العادي، فكانت أسئلة الوطن والمجتمع تتردد في الأزقة والبيوت، ممتزجة بصوت المذياع ونشرات الأخبار والأغاني.
في البيت، تفتح وعيه على صوتين، شكّلا ذاكرته الأولى، وهما وقع حوافر الخيل على الأسفلت، وسعال أبيه المريض. وبين فنجان قهوة الصباح ومربى السفرجل، وبين حكايات جده خليل، آخر راعي غنم في بيروت، وأوتار كمان أبيه، بدأ أحمد يكتشف الموسيقى بوصفها أكثر من نغم، بوصفها حكاية إنسان ومدينة وتجربة حياة.
كانت بيروت يومئذ مدينة نابضة ثقافيا واجتماعيا، لكنها تقف أيضا على عتبة توترات سياسية واجتماعية عميقة، وقد ترك هذا التناقض أثرا واضحا في إدراكه، فتعلم أن الفن ليس ترفا جماليا، بل تعبيرا وموقفا وصوتا يحمل هم الإنسان وقضايا المجتمع والوطن.
وحين بلغ 10 سنين، بدأت ملامح شغفه الفني تتبلور بوضوح، فطلب من أبيه أن يصطحبه إلى الحفلات، التي كان يعزف فيها خلف فريد الأطرش وشادية في بيروت.
على يد المعلم.. حين صار الصوت هوية
حين بلغ أحمد قعبور مرحلة الوعي الحقيقي بالموسيقى، لم يكن ذلك مجرد تعلم نظري أو تمرين على النوتة، بل لقاء حاسما مع الأستاذ سليم فليفل، أحد الأسماء البارزة في تاريخ الموسيقى اللبنانية، ولا سيما في مجال الأناشيد الوطنية والغناء الجماعي.
في سنوات التلمذة على فليفل، تعلم أن الإصغاء يسبق الغناء، وأن الصوت ليس أداة تقنية فحسب، بل حامل معنى وموقف، وكان فليفل يولي أهمية خاصة للعلاقة بين الكلمة واللحن، ويرى الموسيقى وسيلة للتعبير عن الجماعة والذاكرة الوطنية، لا مجرد أداء جمالي.
ضمن هذا المناخ، بدأ أحمد يكتشف كيف يمكن للحن أن يحكي حياة الناس، وأن يفسر مشاعرهم اليومية وهمومهم العامة.
لم تكن تلك المرحلة دروسا موسيقية بالمعنى المعتاد، بل تجربة إنسانية حسية، نقلته من طفل مأخوذ بأصوات محيطه الأول، إلى فنان يعي أن الموسيقى لغة تتجاوز الآلات، لتصبح جسرا يربط الذاكرة بالشارع، والفرد بالجماعة.
ومع نهاية هذه التلمذة، شعر أن الموسيقى لا تكتمل إلا عندما يقدم الصوت للناس بوصفه رسالة، لا استعراضا، وجاءت خطواته الأولى عبر المسرح والإذاعة، فالتقت خبرته الصوتية بعمق إحساسه الاجتماعي.
بدا صوته مشبعا بذاكرة كاملة، من وقع حوافر الخيل، ورائحة القهوة الصباحية، ونغمات كمان أبيه، وتلك عناصر تماهت لتشكل لغة موسيقية متفردة، تحمل حكاية طفل نشأ بين البيت والشارع، وبين الحكاية والموسيقى والسياسة.
هكذا شكلت مرحلة سليم فليفل بوابة ولادة صوت لن يكتفي بأداء الألحان، بل سيتخذ الغناء جسرا بين الإنسان وفنه، وبين الذاكرة والوطن، ممهدا لمسار فني سيترك أثره العميق في الوجدان اللبناني والعربي.
"أناديكم".. كفكفة الدموع بعد النكسة
في منتصف السبعينيات، كان أحمد قعبور لم يتجاوز 19 عاما، حين خطا خطواته الأولى في عالم الفن، حاملا في صوته رصيد طفولة كاملة، تشكلت بين البيت والشارع، وحينها جاءت لحظة تلحين وغناء أغنية "أناديكم" (1975)، لتشكل منعطفا حاسما في مسيرته الفنية والإنسانية.
هذه الأغنية قصيدة للشاعر الفلسطيني توفيق زياد، ولم تولد عملا غنائيا عابرا، بل استجابة داخلية لزمن مثقل بالهزائم والأسئلة، وقد قال قعبور لاحقا إنه رآها محاولة لكفكفة دموع أبيه، التي انهمرت على وقع هزيمة عام 1967.
حملت الأغنية قضية المقاومة من إطارها السياسي إلى المساحة الإنسانية الحميمة، فلامست قلوب المستمعين، لا بوصفها نشيدا بل نداء صادقا، وصوت تضامن عابر للحدود.
وبهذه الأغنية، خرج اسمه من الإطار الضيق إلى الذاكرة العربية الواسعة، فانتشرت في لبنان وفلسطين وساحات العالم العربي، وصارت تردد في التظاهرات والمهرجانات والبيوت، ومنذ يومئذ، دخل مرحلة مختلفة من مسيرته.
فلسطين.. حين تصبح القضية هوية
ارتبط أحمد قعبور بفلسطين ارتباطا وجدانيا مبكرا، بدأ منذ طفولته، بقراءته قصة "أم سعد" للروائي الفلسطيني غسان كنفاني، فقد شدته شخصية أم سعد بما تحمله من قوة وشجاعة وقيادة، حتى دفعته لاحقا لتسمية ابنه سعد، فأصبح هو "أبو سعد" وزوجته "أم سعد"، وتلك إشارة رمزية إلى حضور فلسطين في تفاصيل حياته اليومية، لا أنها قضية بعيدة، بل أسماء وحكايات محفورة في الذاكرة.
نشأ قعبور على تماس مباشر مع الشقاء الفلسطيني واللبناني والسوري، فقد كانت دار أهله ملاصقا لمخيم صبرا، وكان يرافق أمه الحاجة فاطمة إلى سوق صبرا الشعبي، فعرف عن قرب وجوه التعب والمعاناة، بين ضجيج الباعة، وروائح الخضر والفاكهة، وزحام السوق، حتى تكوّن لديه وعي إنساني مبكر، ثم وجد طريقه لاحقا إلى فنه وموسيقاه، وجعل فلسطين وجعا شخصيا وملهما دائما لأعماله.
لم يبق تعلق أحمد قعبور بفلسطين في إطار التعاطف، بل أصبح هوية وانتماء، وقد بلغ هذا الانصهار حد أن الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش ظنه فلسطينيا، فسأله: من أي قرية أنت في فلسطين؟
فلما أجابه بأنه لبناني، ابتسم وقال: هذا الذي يكتب بهذه الروح لا يمكن إلا أن يكون فلسطينيا.
يكشف هذا الموقف عمق العلاقة بين الفنان وقضيته، فقد غدت فلسطين جزءا لا ينفصل عن وجدانه، وصار صوته مرآة للوجع والصمود والمقاومة، ومنطلقا لانحياز أوسع لكل شعوب الأرض المقهورة، مؤمنا بأن الفن الحقيقي لا يعرف حدودا، حين يتصل بالإنسان وكرامته.
أبرز أعماله.. حين كان الغناء شبيها بالهتاف
عندما بدأ أحمد قعبور مسيرته الفنية في أوائل السبعينيات، كانت الأغنية الملتزمة في أوج حضورها، وكان ذلك الزمن الذي يصعد فيه صوت الشيخ إمام، ومارسيل خليفة، وخالد الهبر، وغيرهم من أبناء الأغنية ذات البعد السياسي والاجتماعي، وفي ذلك المناخ، لم يكن قعبور استثناء، لكنه سرعان ما كوّن نبرته الخاصة.
فبغناء "أناديكم" عام 1975، تغيرت مسيرته الفنية، فأصبح صوته مرتبطا بالقضية الفلسطينية وبالعدالة الاجتماعية، ولم تكن الأغنية مجرد بداية ناجحة، بل بيانا فنيا أطلق مسيرته، قبل أن تدرج رسميا في ألبومه الأول "أناديكم" (1976)، الذي ضم أعمالا أخرى، منها "علوا البيارق"، و"يا نبض الضفة"، مؤكدا انحيازه للأغنية الملتزمة في زمن الحرب والانقسام.
ومع اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975، في هذا المناخ المضطرب، وجد أحمد قعبور أن صوته قادر على أن يصبح وسيلة تعبير عن وجدان الجماعة وعن الواقع الوطني، ثم تبلور صوته فنانا يرى الغناء موقفا، والموسيقى لغة حياة، لا ترفا فنيا.
بدأ مشروعه الغنائي يتشكل على قاعدة واضحة، وهي أن تكون كل نغمة جسرا يصل الذاكرة بالشارع، والطفولة بالوطن، مثلما تداخلت في وعيه المبكر المصطبة، ومربى السفرجل، وصوت الموسيقى الأولى.
وقد وسع خطابه الغنائي لاحقا، ليشمل البعد الإنساني والعاطفي في ألبوم "حب" (1982)، مع الحفاظ على جوهره الاجتماعي، ولم يزل يغني أغاني تعكس هموم الإنسان والمقهور، فمنها "خلينا مع بعض"، و"صوتن عالي" (2002)، و"بدي غني للناس" (2010)، و"لما تغيبي" (2019)، فبدا صوته أكثر هدوءا مع استمرار الرسالة.
لم يقتصر أثره على الغناء، فقد امتدت خبرته المسرحية والسينمائية لتشمل التمثيل، وهو خريج قسم المسرح والتلفزيون. في السينما، شارك في فيلم "ندم" (1989)، و"ناجي العلي" (1992).
وفي التلفزيون، شارك في مسلسلات ثقافية وتاريخية، منها "البحث عن صلاح الدين"، و"أبو الطيب المتنبي"، وشارك في "النار بالنار" (2023) بدافع الحنين، لاستعادة الممثل في داخله، مؤكدا انسجام دوره مع مساره الفني.
كما توسع نحو الموسيقى اليومية والشعبية، فقدم أعمالا مرتبطة بالشهر الفضيل والمناسبات الاجتماعية في ألبوم "رمضانيات"، وكرس اهتمامه بالطفل بأكثر من 300 لحن، ضمن إنتاجات "مسرح الدمى اللبناني"، و"السنابل"، مقدما ألحانا بسيطة، لكنها مليئة بالرسائل الإنسانية والوطنية.
مع انطلاقة تلفزيون المستقبل، أسهم في برامج موسيقية موجهة للجمهور العام، مثل "لعيونك"، و"بتمون"، و"روح شوف مستقبلك"، بالتعاون مع فرقة "الطرابيش"، محققا توازنا بين الحداثة والتراث الشعبي، وبات صوته حاضرا في المنازل جزءا من الحياة اليومية، جامعا بين الفن والحنان والفرح، بعيدا عن الخطاب الرسمي المبالغ فيه.
هكذا، شكل أحمد قعبور مسارا غنائيا وتمثيليا متكاملا، يربط بين الالتزام بالقضايا الكبرى، والقدرة على مخاطبة الإنسان في تفاصيل حياته اليومية.
الحالة الفنية
لو لم تكتب أغنية "أناديكم"، لكانت صورة أحمد قعبور في الذاكرة مختلفة، فهذه الأغنية الشهيرة غطت بلا قصد مساحة واسعة من تجربته الفنية الغنية بالمعنى والإنسانية، لكنها أكسبته في الوقت نفسه مكانة فريدة، جعلت صوته علامة لا تنسى، وفنه مرجعا يثير الإعجاب والاحترام.
ومع أنه لم يسع لأن يصدر نفسه شيخ طريقة أو فنانا يؤسس مدرسة يقلدها الآخرون، وربما يعود ذلك إلى تحولات المشهد السياسي والفني في لبنان وظهور تيارات موسيقية تجارية، فقد حافظ على استقلاله الفني، رافضا أن يصبح صوته علامة تجارية استهلاكية، مفضلا الالتزام بالقضايا الإنسانية والعدالة، بدلا من الشهرة أو الانتشار العشوائي، ليكون حاضرا بقوة في الذاكرة، وإن غائبا عن الإنتاج التجاري.
فكأنه أقام مسافة بين نفسه وضوضاء الشهرة والاستهلاك السريع، وتلك مسافة جعلت كل ظهوره حدثا له وزنه الخاص، وأمنت لصوته نقاءه وصدقه، بعيدا عن الابتذال والمبالغات التجارية.
لقد كانت بوصلته الفنية واضحة، ألا وهي أن الإنسان قبل كل شيء، والكلمة قبل اللحن، والرسالة قبل الشهرة، مما جعله صوتا للحق والعدالة والإنسانية.
ويكفيه فخرا أنه لم ينتمِ إلى أي طائفة أو حزب سياسي، ولم يغنِّ تحت أي شعار أو رمز سياسي، وقد منح ذلك صوته حرية كاملة في التعبير، وجعله قادرا على التواصل مع الجمهور مباشرة، بلا وساطة سياسية أو طائفية، وكان استقلاله الفني ركيزة ثابتة في مسيرته.
بعيدا عن الأضواء، حافظ أحمد قعبور على حياته العائلية المستقرة مع زوجته الفنانة التشكيلية إيمان بكداش، وابنيه سعد ومروان.
وفي العام الماضي، أصيب بالسرطان، فكان صدمة شخصية وجسدية كبيرة، لكنه لم يسمح لهذا التحدي أن يثنيه عن الحياة أو الفن، بل جعله أكثر إقبالا على كل لحظة، وأكثر حرصا على أن يترك أثرا في كل عمل يقوم به، وقد أعاد المرض إلى تجربته الفنية نفسا جديدا من الإبداع والحيوية، فزادته إصرارا على التعبير عن الإنسان في كل تفاصيله، وعلى توظيف صوته وفنه أداة للرسالة والوجود.
فبرغم التعب، ينتصر الفن دائما، ولعل أبرز مثال على ذلك الفيديو الذي انتشر له أثناء تكريم أصدقائه القدامى له، حين انخفض ضغطه وشعر بالدوار، لكنه استمر برفع صوته متحديا خذلان جسده، ليؤكد أن الإرادة الفنية أقوى من أي عائق جسدي، وكان ذلك مصدر قوة، جعله نموذجا للفنان الذي يواجه أصعب اللحظات بفنه وإيمان راسخ بالحياة، وبثقة في قدرة الفن على البقاء واللمس العميق للآخرين.