إعلان

"قلب الظلام".. رائعة جوزيف كونراد (5)

رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية السابق لوران ديزيريه كابيلا (وكالة الأنباء الأوروبية)
  • ثلاثة وجوه للوران كابيلا ونهايات سوفوكليس!
  • ثائر رومانسي بصحبة جيفارا، زوج مسلم في سنوات النفي بمصر، وأخيرا الدكتاتور الكاثوليكي للكونغو

في شبابه الباكر، حصل الشاب الكونغولي لوران كابيلا على درجة الليسانس في الفلسفة السياسية من فرنسا، قبل أن يدرس العلوم العسكرية في الصين، ليعود ويقود حركة تمرد مسلحة ضد الطاغية موبوتو سيسي سيكو، الذي سحقها بمساعدة الولايات المتحدة، وبلجيكا.

وفي عام 1967، أعاد كابيلا تنظيم قواته في إقليم كيفو شرقي الكونغو، مستعينا بكوادر من أقلية التوتسي المناهضة للطاغية موبوتو، ومعه كذلك، وهو الأهم، مئة من الثوار الكوبيين بقيادة الزعيم الأشهر تشي جيفارا، الذي صاحبه كابيلا ثلاث سنوات على قمم جبال شرقي الكونغو. وبالرغم من تأثر كابيلا بجيفارا، فإن الأخير، بفراسته، كان دائما يوبخ كابيلا لبعض ما وصفه بـ"سلوكه البرجوازي"، بالرغم من ماركسيته.

بعد أن شاخ نظام الطاغية موبوتو سيسي سيكو، قام كابيلا بتوقيع اتفاقات وعقود مبدئية مع شركات تعدين غربية عملاقة، مقابل الحصول على دعمها ودعم بلدانها لتمويل حملة عسكرية ضخمة لإسقاط نظام موبوتو

وفي بداية السبعينيات، لجأ كابيلا إلى مصر، التي كانت موئلا لحركات التحرر الأفريقية، والتي باتت منفاه الاختياري وقاعدته التي كان يسافر منها ثم يعود إليها كل بضعة أشهر.

وفي منتصف السبعينيات، تزوج كابيلا من سيدة مصرية كانت جارة لنا في الحي نفسه الذي أعيش فيه. ولأنها مسلمة، فقد تحول الرجل عن الكاثوليكية واعتنق الإسلام. كان هذا العملاق الأفريقي، ذو الوجه البشوش، يأنس لنا إذ كنا أطفالا ثم صبية. ولأن كابيلا كان شرها للحياة، اتخذ في كل دولة من دول منافيه زوجة.

في منتصف التسعينيات، أدرك كابيلا أن جانبا مقدرا من العلاقات الدولية تصوغه شركات غربية عملاقة عابرة للحدود. ومن ثم، وبعد أن شاخ نظام الطاغية موبوتو سيسي سيكو، قام كابيلا بتوقيع اتفاقات وعقود مبدئية مع شركات تعدين غربية عملاقة، مقابل الحصول على دعمها ودعم بلدانها لتمويل حملة عسكرية ضخمة لإسقاط نظام موبوتو.

إعلان

وفي أغسطس/آب 1998، دخل كابيلا العاصمة كينشاسا في عربته الجيب، في مشهد كلاسيكي كأنه انتزع من كتب تاريخ القرون الوسطى، ليتولى بعدها حكم البلاد.

بيد أن شهر العسل بين كابيلا وحليفيه الإقليميين الرئيسيين، رواندا وأوغندا، وبالتالي بين شعب الكونغو والسلام، لم يدم سوى شهور معدودة، انقلب بعدها الحليفان عليه، وتحالفا مع متمردي التوتسي الكونغوليين في يوليو/تموز 1999.

وفي غضون أسابيع قليلة من بداية التمرد، نجحت قوات رواندا وأوغندا وبوروندي في اكتساح البلاد من ناحية الشرق، حتى وصلت إلى مشارف العاصمة كينشاسا. بعدها اشتعلت ساحة الحرب بدخول قوات أنغولا وزيمبابوي وناميبيا المعركة إلى جانب كابيلا، لتنجح هذه القوات في رد المتمردين نحو الشرق.

قال الرجل إنه من الطبيعي أن يؤجل تنفيذ أي إصلاحات سياسية حتى يتم صد العدوان المشترك من رواندا وأوغندا وبوروندي، وتحرير أكثر من نصف البلاد الواقعة تحت احتلالها

صفقة فاوست المسمومة!

والواقع أن انقلاب الحلفاء لم يكن بسبب مزاعم رواندا وأوغندا وبوروندي الخوف على أقلية التوتسي في الكونغو، وإنما بسبب رفض كابيلا مخططات أقلية التوتسي الحاكمة في البلدين للسيطرة على مقدرات وثروات الكونغو.

لكن هذه الدول الثلاث لم يكن بمقدورها خوض تلك الحرب واسعة النطاق بإمكاناتها وحدها. والحقيقة أن الولايات المتحدة هي التي بدأت الانقلاب على كابيلا، بعد تراجع الأخير عن الوعود والعقود التي وقعها مع عدد من شركات التعدين الأميركية والكندية الكبرى، التي دعمته بالأموال أثناء زحفه على العاصمة كينشاسا لإسقاط الدكتاتور السابق موبوتو، وحتى توليه الحكم.

وقد أكد لي الدكتور جان باتيست سونغو، زعيم الجبهة الديمقراطية المعارضة، أن العقود التي وقعها كابيلا مع تلك الشركات أثناء زحفه على العاصمة كينشاسا واقع حقيقي. غير أن الحقيقة الأخرى هي أنه كان يجب على تلك الشركات أن تدرك أن تلك العقود وقعت مع "المتمرد" كابيلا، لا مع الرئيس كابيلا، وأنها كانت عقودا مبدئية وليست نهائية، وقد تخضع للتعديل، بل وربما الإلغاء.

وبالعودة إلى رواية "قلب الظلام"، نجد صحة ما أكده جوزيف كونراد من أن السلطة المطلقة مفسدة أخلاقية مطلقة، وتصل إلى حد تأليه الفرد على البشر. نجد كابيلا، ذلك الأفريقي عملاق الحجم، والمثقف الذي كان دائما باشّا في وجوهنا ونحن أطفال وصبية، قد أفسدته السلطة المطلقة.

فبالرغم من أنه كان يساريا على مذهب زعيمه الراحل لومومبا، وصاحب لسنوات ذلك الثوري النقي تشي جيفارا، فإنه أعاد سيرة موبوتو في الفساد وانتهاك حقوق الإنسان، فأعدم الآلاف دون قضاء، وطرد أكثر من ثلاثمئة قاضٍ من مناصبهم، واعتقل المئات من المدافعين عن حقوق الإنسان وأصحاب المواقف السياسية، ومنع أكثر من مئتي سياسي من ترشيح أنفسهم للانتخابات الرئاسية.

إلا أن ما أغفله جوزيف كونراد في روايته، التي هي، كما قلنا، سيرته الذاتية، هو أن الواقع له أوجه متعددة، وفي بعض الأحيان لا ينفي أحدها الآخر. فعندما وضعت أمام الرئيس كابيلا تلك الحقائق في لقاء صحفي، أوضح جانبا آخر من الواقع.

إعلان

قال الرجل إنه من الطبيعي أن يؤجل تنفيذ أي إصلاحات سياسية حتى يتم صد العدوان المشترك من رواندا وأوغندا وبوروندي، وتحرير أكثر من نصف البلاد الواقعة تحت احتلالها. واحتج بأن الدول الغربية، التي تشهر به وبدكتاتوريته، تستمر في الوقت ذاته في دعم دكتاتوريات الدول الثلاث المعتدية على بلاده اقتصاديا وسياسيا وعسكريا.

وجه آخر للواقع تمثل في تبرير كابيلا حصر معظم السلطات في أبناء إقليمه ومسقط رأسه كاتانغا في المقام الأول، وقبيلته شخصيا في المقام الثاني، بحجة الفساد الذي وجده ضاربا في نخاع الدولة عند تسلمه الحكم، والذي وصل إلى حد مراجعته جميع سفريات المسؤولين الخارجية للتدقيق في بدلات سفرهم. بل وصل الأمر إلى أن موافقته كانت شرطا لسفر الفريق القومي لكرة القدم، وأن يقوم هو شخصيا باعتماد بدلات السفر.

الوجه الثالث للواقع هو أن كابيلا، المتأثر بميراث أستاذه الرومانسي تشي جيفارا، لم يدرك أن عقود التحالف مع "شيطان" الشركات الغربية العملاقة للتخلص من الطاغية موبوتو ليست قابلة للنقض، وأنه ما دام ارتضى الدخول في ذلك التعاقد، فإن التراجع عنه معناه الموت.

فهذه الصفقات مع الشركات العابرة للحدود هي بمثابة صفقات بيع النفس للشيطان، على غرار الصفقة المسمومة لفاوست، بطل رواية الكاتب الألماني يوهان غوته، حيث باع فاوست روحه للشيطان مقابل أن يمنحه أربعة وعشرين عاما إضافية من الشباب.

غير أن النهايات في الواقع جاءت على العكس من نهاية رواية فاوست، التي انتصر فيها بطل الرواية على الشيطان بقوة حبه لمعشوقته مارغريت؛ إذ إن هذه الصفقات المسمومة التي دخلها لوران كابيلا مع الشركات الغربية لا مجال فيها للتراجع، ناهيك عن تحقيق انتصار.

دفع كابيلا ثمنا لموقفه، إذ تلقت الدول الثلاث، رواندا وأوغندا وبوروندي، دعما هائلا من إسرائيل في عدوانها على الكونغو

نهايات سوفوكليس!

الوجه الرابع والأخير أن كابيلا راهن، في غمار مثالياته الثورية، على قوى العالم الثالث، وتحديدا العالم العربي، وأكثر تحديدا مصر التي عاش فيها سنوات. فبدأ بتحجيم علاقات الكونغو مع إسرائيل، التي كانت قوية في زمن موبوتو، إلا أنه لم يجد مقابل ذلك دعما سياسيا ولا ماديا. بل إن طلباته من مصر لدعمه بالخبراء والمدربين العسكريين، ولإرسال طياريه للتدريب، قوبلت بتجاهل تام.

وفي الوقت ذاته، دفع كابيلا ثمنا لموقفه، إذ تلقت الدول الثلاث، رواندا وأوغندا وبوروندي، دعما هائلا من إسرائيل في عدوانها على الكونغو. لم يدرك كابيلا أن مصر، في نهاية الألفية وبداية تاليتها، لم تعد مصر التي عاش فيها في الستينيات والسبعينيات.

بيد أن نهاية كابيلا تجاوزت، في دراميتها، دراما جوزيف كونراد في "قلب الظلام"، وإن اتفقت معها في عناصرها. وأكاد أجزم، وأنا الذي عشت لسنوات أحداثا جساما مفصلية في الكونغو، أن مأساة كابيلا تتوافق مع مآسي كثير من دول العالم الثالث، التي تتجاوز مآسي مسرحيات سوفوكليس الإغريقية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إعلان