"لا تقولي إنك خائفة".. قصة العداءة الصومالية سامية يوسف التي تستحق الخلود

"يوما ما يا أبي سوف أصبح أسرع عداءة في مقديشو بأكملها".

(سامية عمر، من الرواية)

حتما، عمَّت دقيقة من الصمت، نُكست الرؤوس، وأُقيمت الصلوات حدادا على مصير الأرواح التي غيَّبها البحر المتوسط، ونقلت المحطات الإخبارية الحادث في فقرة مُقتضبة من عناوين توشَّحت بالسواد. وقعت الحادثة المَعنية عام 2012، حين نفد الوقود من قارب صدئ متآكل مُحمَّل باللاجئين كان قد قارب على الوصول إلى السواحل الإيطالية. بعد ساعات من الاضطراب، تعالت الأصوات التماسا للعون والإغاثة، ولاح لهم أخيرا قارب إيطالي ألقى بحباله في البحر، فهبَّ مهاجرون إلى القفز (1)، وفي محاولتهم الحثيثة للوصول إلى تلك الحبال، لم يُكتب لهم النجاة. كان من بينهم فتاة هزيلة، حالمة، هي العداءة الأولمبية "سامية يوسف عمر".

وثَّقت الرواية المصوَّرة "حلم بالأولمبياد" التي عمل عليها الرسام الألماني راينهارد كلايست قصة أبطال انطلقوا بحثا عن وطن آمن جديد فابتلعهم البحر ولم يروا اليابس مجددا، وفي مقدمة روايته كتب "راينهارد": "لم نعد نلاحظ الرقم بعد الآن، بتنا في كثير من الأحيان ننسى أن الأرقام المجردة تُمثِّل حياة بشر"(2) (3). ومن بين الذين تابعوا تلك الأرقام والحيوات القابعة خلفها الكاتب والصحفي الإيطالي "جوزيه كاتوتسيلا" (4)، الذي جذبه تقرير موجز عن سامية قدَّمته قناة الجزيرة الإخبارية عقب اختتام أولمبياد لندن عام 2012.

من هذا التقرير الإعلامي بدأت فكرة الكتابة عن البطلة التراجيدية في ذهن الروائي الإيطالي، وبدأت رحلته مع البحث عن الوثائق والشهود ومعارف سامية وأقاربها (5)، لتخرج إلى النور روايته "لا تقولي إنك خائفة" الصادرة عام 2014 عن منشورات المتوسط، من ترجمة "معاوية عبد المجيد".

تُستهل الرواية بعهد الأُخوَّة بين طفلين هما سامية وعلي، يسكن كلٌّ منهما مع أسرته في بيت واحد ضيق، فيه مسكنان متقابلان يفصل بينهما فناء مُحاط بجدار منخفض من الطين، نلمس في الثلث الأول من الكتاب وهج علاقات تربط بين أفراد العائلتين، وأمسيات غنائية دافئة على صوت "هودان" شقيقة سامية، وتطلُّعات تغزلها عقولهم في العَشِيَّات.

قرَّر كاتوتسيلا أن يبدأ روايته من زمان الطفولة ويُنهيها نهاية سعيدة من اختلاقه. تعدو سامية بخفة وسط رائحة البارود في الصومال التي أهلكتها الحروب والألغام، بأحلام فتية لرفع علم الصومال الأزرق في المحافل والبطولات الدولية، والفوز في الأولمبياد وتحرير نساء وطنها، تسرّ لوالدها بما تصبو إليه، يبتسم بحزن ويَعِدُها بمفاجأة إن ربحت سباقها الأول، ويهديها رابطة رأس بيضاء لن تتخلَّى عن وضعها في المحافل لسنوات قادمة.

تُقدِّم الرواية تساؤلات ذات مغزى وجَّهتها سامية لوالدها حول إذا ما كان يخشى الحرب، وفي إجابة جادة منه يخبرها: "لا تقولي أبدا إنك خائفة يا صغيرتي سامية، وإلا فإن ما تخافينه سيكبر حتى يهزمك". تتخذ هي من محمد فرح أسوة لها، وهو لاعب القوى الدولي البريطاني الصومالي الذي غادر مقديشو عندما كان في العاشرة تقريبا، لكنها تستنكر تجنيسه ومغادرته لبلاده. تُعلِّق على الحائط صورة له من جريدة، تُحدِّثها لعشرة أعوام، تتراوح أيامها بين ساعات تتحلَّى فيها بالثقة والزهو، وأخرى حبلى بالشك والتساؤل، تبلى الصورة فتطويها بعناية وتحتفظ بها.

مع انقضاء الصفحات تكتسي لغة الرواية بألم يُنضج البطلة ببطء، وتتضح بوادر ذلك حين تسحق الدبابات والميليشيات المسلحة والجماعات المتطرِّفة فضاءات اللعب، لكن علي يُحوِّل نفسه إلى مدرب لسامية ويُجبرها على الركض بأسرع ما لديها، فيتحوَّل العَدْو إلى فعل تتحرَّر فيه من الحصار الذي تفرضه آلات القتل.

العداءة الصومالية سامية يوسف

لكن علي، مثل كل بطل في موقعه، يرحل مُفسِحا المجال لتعقيدات قلَّما تُتداول، وهي التعصُّب العِرقي في أفريقيا، حيث يعتقد السود الأقل سوادا بأفضليتهم عن السود الأفارقة، ومرد زعمهم هذا هو انحدارهم من أصول عربية، مما يمنحهم شرعية التسيُّد على القبائل الأخرى والحط من شأنها، بحسب نظرتهم. يبلغ العنف مدى يصبح معه من المستحيل أن يعيش الفصيلان معا، لكن سامية -في تلك الأثناء- لا تكف عن هرولتها، وبعد شهر من فوزها بالمركز الأول، وكانت لا تزال دون الخامسة عشرة، فارق أبوها الحياة ضحية صراع عبثي، فأسدل الظلام ستائره.

وجدت البطلة نفسها تُدفع دفعا نحو نفق مظلم ظلَّت تعدو فيه حتى تجد مخرجا، لكنه بدا بلا نهاية، تردَّدت كلمات هودان في مسامعها، تُذكِّرها بأبيها الذي حثَّها دوما على اتباع الحرية بوصفها غريزة، رغم أن ذلك قد كلَّفه حياته، في أحد اللقاءات تقول سامية: "نحن الصوماليين لا ننظر إلى الوراء، نحن فقط نمضي إلى الأمام".

قويت شوكة الجماعات المُتشدِّدة، وبالأخص "حركة الشباب الإسلامية" الصومالية التي تأسَّست عام 2006 بوصفها ذراعا عسكرية لتنظيم القاعدة (6). أُجبر الرجال على ارتداء سراويل طويلة وحلق رؤوسهم بالكامل أو إطلاق شعورهم ولحاهم، ورُدعت النساء عن القيام بأي شيء ذي مغزى، وأُرغمن على ارتداء البرقع الأسود، وبهذا تخلَّت الصومال عن زينتها وألوانها الزاهية التي طالما حجبت بها النسوة جدائلها، وحُرِّمت المسارح والسينما والرياضة والموسيقى (7)، وفي تلك الأثناء رحلت هودان وتركت سامية تُتمتم: "كنت قد بدأت أُصدِّق أنه كلما زادت إنجازاتي في الركض، زادت خسائري في الحياة".

تحفل الرواية بتفاصيل عديدة من محيط بطلتها ودواخلها، انطلاقها ليلا بملابس كاملة في ساعات الحظر وتصميمها على الركض (8)، وقوفها بعيدة خائرة القوى ناظرة إلى ملعب كونز، الذي كانت تُقام فيه جميع الفعاليات الرياضية، وهو متداعٍ والقنابل مبعثرة في مضمار السباق. فمنذ أن نشبت الحرب استُخدم الملعب الجديد مستودعا للجيش وضج بالدبابات والرجال المسلحين بدلا من الرياضيين، واكتظت المدرجات بالضباط والجنود عوضا عن الجمهور.

تنتقل الرواية في منتصفها بحسم، فبعد أن وقع اختيار اللجنة الأولمبية على سامية لتمثيل الصومال في الأولمبياد، وحين آن وقت هبوط الطائرة بها في الصين، عام 2008، في ربيعها السابع عشر، التفتت حولها لتجد نفسها مُحاطة برياضيات يرتدين ملابس رياضية من علامات تجارية عريقة، جذوعهن رشيقة ومتناسقة، ويتبعن نظاما غذائيا متوازنا.

وجدت ذاتها تُقارن بين نفسها وبينهن، سرحت في سروالها الأسود وقميصها الأبيض وحذائها الذي تبرَّع به مؤخرا فريق سباقات المضمار للسيدات في السودان. للمرة الأولى أبصرت الصومال من الخارج، ورغم كل ذلك التناقض والشك وضعت الفوز نصب عينيها. في اليوم الموعود، فاقها المتسابقون سرعة، لتجد أنها ليست حتى قريبة من الصدارة، وأن المسافة بينها وبين منافسيها تتسع.

عادت سامية إلى الصومال بعد أن حصدت المرتبة الأخيرة، استأنفت تدريبها الاعتيادي والذاتي الصارم لمدة عام، ولكن لم يكن هناك تقدُّم، لم تستطع إشاحة وجهها عن عضلاتها النحيفة، وانعدام المعدات الكافية لتقويتها، وافتقادها حقا إلى مدرب ونظام غذائي وملعب. أُجبرت أخيرا على الاعتراف بإرهاق أن حظوظها في الفوز إن بقيت في الصومال ضئيلة، بعد أن باءت مساعيها هي وزملاؤها لإيجاد مدرب في مقديشو بالفشل، فلم يكن أحد يعبأ بألعاب القوى أو يدعمها، ولم يكن بمقدور اللجنة الأولمبية التكفُّل باحتياجاتهم كافة.

إلى جانب ذلك، واجهت سامية عقب عودتها ترهيبا وتهديدات بالقتل، ويتخذ الكاتب من ذلك ذريعة للتطرُّق إلى التطرُّف الديني وتجنيد الأطفال عبر استدراجهم بوعود بالترف وحصص من الأطعمة وبندقية، وهي أشياء أغرت صغارا يتعجَّلون أن يصبحوا رجالا. هكذا وقفت البطلة بعد سنوات في حلكة الليل أمام صديقها علي الذي شبَّ وغدا قاتلا، يتردَّد في داخلها صوت "لم يعد لديه عينان، كان يلبس قناعا من الشمع، وأقنعة من الغياب". في تلك اللحظة، عقدت البطلة العزم على الرحيل من تلك الأرض التي لم ترفق بأبنائها.

تنشغل الرواية في تلك النقطة برحلة الشخصية المحورية (الهجرة غير الشرعية)، ويتبحَّر الكاتب في واقع المهاجر غير الشرعي، وتطلُّعاته البسيطة للنجاة من أسمال الأوطان التي أعياها الجوع والبحث عن الأمان والأمل، هنا نرى شاحنات تضم أناسا صبغتهم حرارة الشمس، نرى تجار البشر وشرههم الدائم إلى النقود، محطات التوقف، الهذيان والحمى والقسوة ومشقة الطريق وشدة المرض، ثم وصولها بعد زمن إلى إثيوبيا وسعادتها حين وجدت أخيرا مدربا لها. استغرقت سامية أشهرا من الإلحاح حتى وافق مدربها أن تتدرَّب ليلا في الخفاء، وتسلَّلت إلى الملعب بعد أن ينتهي اللاعبون من تدريباتهم ويهموا بالمغادرة.

لم تجد سامية ضالَّتها في إثيوبيا، فقرَّرت الرحيل مجددا، واستغرقت أسابيع لعبور الصحراء وصولا إلى حوافها، فزجَّ بها المهربون في السجون الليبية حيث عانت من بطش سجانيها، لكنها عثرت في سجنها على خطابات لنزيل سابق آنست وحشتها. بعد أشهر، يصل إليها المال من هودان وتتحرَّر، تسكن لنحو الشهر في غرفة مكتظة بفتيات أفريقيات، يترقَّبن مثلها نهاية رحلتهن، ويتبادلن الآمال والتخيُّلات بمستقبل واعد.

في محطتها الأخيرة، وهي تبلغ من العمر 21 عاما، اعتلت سامية قارب التهريب الليبي، ضمَّت حقيبتها الصغيرة التي تحوي صورة بالية ورابطة رأس بيضاء، وقبضت يدها على منديل أبيض ربطته والدتها حول معصمها حين حانت لحظة الوداع، كان المنديل قوقعة أهداها إليها أبوها منذ سنوات، قالت الوالدة: "هكذا تستطيعين حمل البحر بأكمله داخل هذه القوقعة"، وفي رحلتها الممتدة تعلَّمت سامية ومَن معها الصمت والصلاة والتضرُّع، وأن الكلمات تُنقِذ الأرواح، مهما كانت لغتها.

في الرواية، تحضر سامية إلى أولمبياد 2012 وتكتسح المركز الأول فيها، تقول: "أفوز من أجل نفسي، كي أُثبت لنفسي وللجميع أن الحرب بإمكانها أن توقف بعض الأشياء وليس كلها"، ويبدو أن الكاتب أبى أن يتحمَّل الواقع، على الرغم من أنه آمن أن "سامية" هي حكاية كان يجب أن تُخلَّد في التاريخ.

_________________________________________________________

المصادر:

  1. Somalia Olympic runner ‘drowns trying to reach Europe’
  2. The story of a Somali Olympian refugee who died at sea is the subject of a new graphic novel
  3. Interview with graphic novel illustrator Reinhard Kleist
  4. German comic book artist Reinhard Kleist on his influences, drawing methods
  5. Review: ‘An Olympic Dream: The Story of Samia Yusuf Omar’
  6. حركة الشباب الصومالية
  7. رواية "لا تقولي إنك خائفة"، جوزيه كاتوتسيلا، ترجمة: معاوية عبد المجيد
  8. The story of Samia Omar, the Olympic runner who drowned in the Med
المصدر : الجزيرة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة