مبعوث إدارة ترامب إلى سوريا والشرق الأوسط: سياسة بايدن في المنطقة لن تختلف كثيرا

أعدَّ جيمس فرانكلين جيفري، الدبلوماسي الأميركي الذي خدم في إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب مبعوثا دبلوماسيا لكلٍّ من سوريا والتحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، تحليلا نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأميركية. ركّز جيفري في تحليله على السياسة الخارجية التي انتهجتها إدارة ترامب تجاه قضايا الشرق الأوسط المُلتهبة، التي تتضمّن الملف النووي الإيراني والحرب الأهلية في سوريا، وزعزعة الاستقرار في العراق. ورأى الكاتب أن إدارة ترامب حقّقت نجاحات للمصالح الأميركية في المنطقة لم يسبق لإدارات قبلها تحقيقها. ويُدلِّل جيفري بذلك على أن إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن قد لا يتعيّن عليها أن تسلك مسلكا مختلفا عن ذلك الذي سارت عليه الإدارة السابقة.

 

هيمن الشرق الأوسط الكبير على معظم السياسة الخارجية للرئيس السابق دونالد ترامب، وذلك على غرار آخر ثمانية رؤساء للولايات المتحدة. وعلى الرغم من الحديث عن إنهاء "الحروب الأبدية" والتوجُّه نحو آسيا فإن المصالح الوطنية الجوهرية كانت تجر الولايات المتحدة مرة أخرى إلى المنطقة.

 

اختلفت أولويات ترامب في الشرق الأوسط قليلا عن أولويات سلفيه (أوباما وبوش) المُتمثِّلة في القضاء على أسلحة الدمار الشامل ودعم شركاء الولايات المتحدة ومحاربة الإرهاب وتسهيل تصدير البترول، إذ أشرفت إدارة ترامب التي خدمتُ فيها مبعوثا لكلٍّ من سوريا والتحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة على نقلة نوعية ملحوظة في نهج الولايات المتحدة تجاه المنطقة. سعى الرئيسان السابقان جورج بوش وباراك أوباما إلى حملات تغيير في الشرق الأوسط مستندين إلى اعتقاد خاطئ يقول إنهم إنْ تدخَّلوا سياسيا وعسكريا في دول المنطقة، فإن الولايات المتحدة قد تُعالج الأسباب الكامنة وراء "الإرهاب الإسلامي" والأمن المتزعزع باطراد.

 

على الرغم من أن وجهات النظر السياسية الحقيقية لترامب كانت صعبة الاستنباط فإن إدارته اتخذت مسارا مختلفا حمل نتائج واضحة. تجنَّب ترامب المآزق التي واجهت سلفيه مع الاستمرار في خدمة المصلحة الأميركية، وذلك عن طريق الحفاظ على أهداف أميركية محدودة والاستجابة للتهديدات الإقليمية الوشيكة، ولكنه من ناحية أخرى عمل ميدانيا بصورة أساسية مع شركاء الولايات المتحدة. وفي كل الجدالات الحزبية المُحتدمة حول السياسة الخارجية يجب أن يستمر هذا النموذج الجديد، وهو ما سيحدث غالبا، في تشكيل السياسة الأميركية، إذ يُمثِّل هذا النموذج الخيار الأمثل لاحتواء التحديات في الشرق الأوسط ووضع تحديات جيوسياسية لمناطق أخرى على رأس الأولويات.

 

تعتمد معظم الإدارات الجديدة إستراتيجية معينة للأمن القومي ثم سرعان ما تذهب أدراج الرياح. لكن الوثيقة التي صاغها البيت الأبيض عام 2017 قدَّمت خطة مبتكرة للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، تلك الخطة التي اتبعتها إدارة ترامب عموما. باختصار دعت تلك الإستراتيجية إلى تحويل التركيز على ما يُعرف بـ "الحروب الأبدية" إلى منافسة القوى العظمى وعلى رأسها الصين وروسيا. وبالنسبة للشرق الأوسط فإن هذا المبدأ الأول من الإستراتيجية يعني تجنُّب الولايات المتحدة التورُّط في قضايا داخلية، وفي الوقت ذاته مواجهة المخاطر الإقليمية أو تلك التي قد تمس الشركاء. وعمليا، فإن ذلك يعني العمل على احتواء إيران وروسيا وفي الوقت نفسه محو تهديدات إرهابية خطيرة.

 

لكن المبدأ الثاني، أي العمل جنبا إلى جنب مع حلفاء وشركاء في المنطقة بدلا من النهج الذي عادة ما كان مُتَّبعا باتخاذ إجراءات أُحادية الجانب كان أعقد من ذلك. فقد كان وسيلة وليس غاية، إذ عمل ترامب، مدفوعا بهذه الغاية، إلى إنهاء الدور الأميركي المحوري في حملة محاربة تنظيم الدولة بعد سقوط مدينة الرقة، عاصمة التنظيم في سوريا، في 2017، كما خفَّض ترامب مستويات القوات الأميركية في أفغانستان وأسند المُهمتين إلى حلفاء محليين. أراد مستشارو ترامب العسكريون أن تُبقي الولايات المتحدة على التزاماتها في المنطقة، فيما سعى قادة مدنيون آخرون إلى تضمين القوات الأميركية في سوريا والعراق في جهود ترامب الأوسع لاحتواء إيران. كانت الكثير من الصراعات الداخلية في إدارة تراامب نتاج هاتين الرؤيتين المتنافستين: الانسحاب وإعطاء الأولوية لمحاربة الإرهاب أو التركيز على كلٍّ من الإرهابيين وإيران. وفي النهاية استقرت الأمور على تسوية معقولة تتمثَّل في سحب عدد كبير من القوات الأميركية مع تكريس القوات الباقية لمحاربة الإرهاب وتنفيذ عمليات تستهدف إيران.

 

وجزءا من هذا المبدأ الثاني، أوضح ترامب أنه سيدعم أي أعمال إسرائيلية وتركية ضد إيران وروسيا في سوريا، وسيعتمد اعتمادا أساسيا على دول الخليج والأردن والعراق وإسرائيل في مواجهة طهران. وفي المقابل ستُثني الولايات المتحدة على هذه الجهود عسكريا عند اللزوم ببيع السلاح أو استهداف الإرهابيين أو معاقبة رئيس النظام السوري بشار الأسد على استخدام الأسلحة الكيميائية. كانت الإدارة الأميركية، على الرغم من ذلك، حذرة عموما في استخدام القوة العسكرية وخصوصا في حال عدم وجود خسائر في أرواح الأميركيين. ولكن عندما قرّرت الإدارة التحرُّك، استهدفت القوات الأميركية الأسد والجماعات الإرهابية والمرتزقة الروس والمليشيات المدعومة إيرانيا بفعالية.

 

وفي مقابل حمل إدارة ترامب هذا العبء الزائد على عاتقها، غضّت الطرف عن السلوك المحلي الذي انتهجه شركاء مُهمّون بما فيهم مصر وتركيا وحتى السعودية على الرغم من مقتل الصحافي جمال خاشقجي. كما أوضحت الإدارة أنها ستدعم إسرائيل صراحة في أي قضايا تتعلق بفلسطين والانقلاب على السياسات الأميركية والدولية التي استمرت طويلا فيما يخص نقل الأسلحة، ووضع هضبة الجولان والقدس والصحراء الغربية. هذه السياسات أنتجت "معاهدات أبراهام" التاريخية بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، في مؤشر على أن المنطقة كانت في طريقها لتجاوز الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.

 

وضعت مهمة احتواء إيران النموذج الجديد الذي ابتكرته إدارة ترامب تحت الاختبار. رأى ترامب أن اتفاق إيران النووي عام 2015 الذي صمّمته إدارة أوباما كان صفقة خاسرة، إذ كان محدودا بمدة زمنية معينة، واشتكى الحلفاء الإقليميون من أن الاتفاق فشل في معالجة السلوك الإيراني المزعزع للاستقرار. وفي النهاية، وبعد سعي إيران لمدة 18 شهرا لشروط أصعب؛ انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق. وعلى الرغم من أن إيران انتقمت بالزيادة الجنونية في نشاط التخصيب النووي فإنها لم تنسحب من الاتفاق كليا.

 

على الرغم من الخطاب المعادي، فإن سياسة الإدارة لاحقا لم تكن تغيير النظام الإيراني، على الرغم من نظرة بعض السياسيين بأن هذا خيار ممكن. وبدلا من ذلك فإن حملة "الضغط الأقصى" التي شنّها ترامب صُمِّمت لإجبار إيران على التفاوض على صفقة أوسع لتحجيم أنشطتها النووية، وبرنامجها الخاص بالصواريخ، وسلوكها الإقليمي. أثَّرت السياسة الأميركية بفعالية في كلٍّ من الاقتصاد الإيراني ومغامرات إيران الإقليمية. وعلى الرغم من استمرار طهران في تهريب البترول والغاز إلى خارج البلاد بمقابل زهيد، فإن العقوبات حدَّت من المساعدة المالية التي قد تُوفِّرها لحلفائها في العراق ولبنان وسوريا. لم تكن الصين ولا روسيا مستعدتين لإنقاذ إيران ماليا، كما أن الأوروبيين، على الرغم من معارضتهم لتصرفات إيران، لا يمكنهم فعل الكثير للانتقام من إدارة ترااامب.

 

جادل المعارضون لإدارة ترامب بأن إيران لن تُقدِّم تنازلات واسعة، لكن على الرغم من ذلك فإن مطالب ترامب كانت تختلف قليلا عن تلك التي طلبتها إدارة أوباما في البداية. وفي الحالتين كانت الإدارتان تتمسكان بمواقف تفاوضية أولية مُغالى فيها، إذ أراد ترامب، على غرار أوباما، التفاوض على اتفاق لكن باختلاف جوهري: كانت أولوية ترامب المحورية هي التصدي لمغامرات إيران الإقليمية، والحد من إمكانياتها النووية بقدر الإمكان، بصرف النظر عن الحدود الدبلوماسية، إن كان من الممكن تحقيق الاتفاق على هذا النحو، فلِمَ لا؟ وعلى عكس إدارة أوباما، التي وضعت الوصول إلى اتفاق على رأس أولوياتها، رأى ترامب إيران تهديدا شاملا، وأخضع كل التفاصيل السياسية الدقيقة الأخرى، بما فيها الملف النووي، إلى هذه الحقيقة. وبالتالي زاد ترامب من ضغطه، فإما أن يفرض شروطه التي يرغب بها وإما أن تعاني إيران مزيدا من الضعف. وحتى الآن لا يمكن الحكم على جدوى هذه السياسة، فالوقت وصناعة القرار في إدارة بايدن وحدهما سيُقرِّران ما إذا كانت سياسة "الضغط الأقصى" فتحت الباب أمام التسوية مستقبلا، أم أنها تدفع إيران لتكون أقرب لتحقيق الانتشار النووي وأبعد ما تكون عن التسوية التفاوضية.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعلن عزمه الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني بالبيت الأبيض

 

قَرَن ترامب حملة عقوباته بجهود لمكافحة توسُّع إيران الإقليمي خصوصا في سوريا والعراق. ورثت إدارته سياسة مرتبكة عن إدارة أوباما، تلك السياسة التي انتقدها فيما بعد مستشارون سابقون في إدارة أوباما نفسها. كان جزء من هذه السياسة هو الإطاحة بالأسد بيد المعارضة المسلحة، وجزء ثانٍ هو السعي لتسوية سياسية تتوسط فيها الأمم المتحدة، وجزء ثالث هو هزيمة تنظيم الدولة.

 

وبحلول نهاية عام 2017 كانت إدارة ترامب شكّلت سياستها الخاصة في سوريا، ومرة أخرى اعتمدت فيها على مبادئ مواجهة التهديدات الإقليمية، والعمل مع حلفاء وشركاء في الوقت ذاته: طرد إيران من سوريا، وهزيمة تنظيم الدولة للأبد، وحل النزاع الأهلي الدائر في البلاد. وعلى الرغم من أن الجيش الأميركي عارض التشتت فيما هو أكثر من مهمته في محاربة تنظيم الدولة، فإنه في النهاية وجَّه قواته لتحقيق كلا الغرضين في شمال شرق سوريا وجنوبها، من أجل توسيع السياسة الأميركية في البلاد عن طريق حرمان نظام الأسد وحلفائه من الموارد ومن التوغُّل ميدانيا.

 

وبحلول عام 2020 كانت الولايات المتحدة قد دشّنت تحالفا منيعا، حتى مع سعيها لخفض التزامها المباشر. كما عملت تركيا وعناصر المعارضة المسلحة في سوريا مع الولايات المتحدة من أجل حرمان الأسد من انتصار عسكري حاسم. وعلاوة على ذلك فإن الغارات الإسرائيلية المدعومة من الولايات المتحدة على أهداف إيرانية في سوريا قد قلَّلت من الخيارات العسكرية التي في يد النظام السوري. وفي هذه الأثناء قادت الولايات المتحدة تحالفا دبلوماسيا عالميا كبيرا دعَّم الجهود السياسية للأمم المتحدة لحل النزاع، وعزل دمشق دبلوماسيا، وسحق الاقتصاد المحلي من خلال العقوبات. ومع ذلك فإن نتيجة السياسة الأميركية في سوريا، كما هو الحال في السياسية الأميركية الأوسع تجاه إيران، ما زالت في طريق مسدود. وفي ظل غياب الحل التفاوضي فإنه من المحتمل استمرار حرب الاستنزاف، لكن هذه هي الطريقة التي آتت ثمارها في الحرب ضد السوفييت في أفغانستان. ومع ذلك فإن الإدارة الأميركية الجديدة يجب عليها أن توازن بين هذه الإيجابيات في مقابل مخاطر أخرى تتضمّن الخسائر في صفوف المدنيين.

ومن غير المفاجئ أن هذه السياسة الأميركية وضعت واشنطن في خلاف مع موسكو، التي رأت سوريا باعتبارها الساحة الأساسية للعودة دبلوماسيا وعسكريا من جديد إلى الشرق الأوسط. استجابت الولايات المتحدة مرارا، بما يتفق مع هدفها المُتمثِّل في مواجهة تهديدات أندادها الإقليمية، لنشاط روسيا العسكري وتوكيلها للمرتزقة في شمال شرق سوريا، كما ساعدت تركيا في صد الغارات السورية-الروسية المشتركة على الشمال الغربي للبلاد. لكن معارضة تركيا للسوريين الأكراد، وهم الشريك المحلي للولايات المتحدة في شمال شرق البلاد مُتمثِّلا في قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (بي كيه كيه)، قد عقَّدت من العلاقة الأميركية التركية. وأدّت هذه التوترات إلى حادثة عسكرية ودبلوماسية محدودة في أكتوبر/تشرين الأول 2019. وعلى الرغم من اتفاق واشنطن وأنقرة على حل الأزمة، فإن هذه الحادثة أوضحت صعوبة العمل من خلال الشركاء قسد أو الأتراك على حدٍّ سواء، الذين تتجاوز أجندتهم قدرات واشنطن على دعمها.

 

أما في العراق فقد حاولت الولايات المتحدة عزل جهودها العسكرية لمكافحة تنظيم الدولة عن المعركة الأوسع ضد إيران، لكن المليشيات المحلية الموالية لطهران بدأت تُصعِّد حملتها ضد القوات الأميركية. لكن ترامب انتقم في النهاية باغتيال قاسم سليماني، قائد فيلق "القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني، فيما ردّت إيران بإطلاق هجمة صاروخية باليستية على قاعدة أميركية لكنها فشلت في إلحاق أضرار بالغة. كانت النتيجة واضحة، على الرغم من أنها ليست نتيجة نهائية، بانتصار الولايات المتحدة. لا تزال القوات الأميركية موجودة في العراق، لكن المليشيات مثل "كتائب حزب الله" ما زالت تُمثِّل تهديدا. وما زال العراق هو الجبهة الأكثر تقلُّبا بين واشنطن وطهران.

 

حقّقت إدارة ترامب على مدار السنوات الأربع الماضية نجاحين رئيسيين في الشرق الأوسط: اتفاقات التطبيع، وتدمير خلافة تنظيم الدولة الإقليمية في العراق وسوريا. كما أنها استطاعت مواجهة التوسع الروسي في سوريا ومناطق أخرى، وأحكمت قبضتها على التهديد الإيراني المستمر متعدد الأوجه للاستقرار الإقليمي، وحشدت تحالفا لمواجهة سلوك طهران. لم يضع ترامب حدًّا للتحدي النووي الإيراني، وهو ما لم يفعله أوباما أيضا، إذ تلاشت بسرعة الحدود التي فرضتها الاتفاقات النووية الأصلية على التخصيب النووي الإيراني غير المحدود خلال السنوات الخمس الماضية فقط.

 

تعتبر نتائج هذه السياسة جديرة بالتقدير، بمعايير الشرق الأوسط الحديثة، إذ استطاع ترامب خفض التزامات الولايات المتحدة المباشرة ونفقاتها، وفعل ذلك كله بينما كان يعمل عن كثب مع حلفاء إقليميين. ومع ذلك فإنه قد يكون من الصعب على الإدارة الجديدة الحفاظ على هذا النهج، مع إعادة التركيز على الاتفاق النووي الإيراني. وحاليا يرغب الكثير من الحلفاء الإقليميين في استمرار الضغط الأميركي على الاقتصاد الإيراني ومغامرة إيران الإقليمية أكثر من رغبتهم في عودة أميركا الفورية للاتفاق النووي، وسيتعيّن على بايدن الموازنة بين هذه الأولويات بحرص.

——————————————————————————————————

هذا المقال مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة