قصة الاقتصاد المصري.. كيف تُشكِّل التغيرات الاقتصادية مصير مصر؟

مع بداية العام الجديد 2021، كشف البنك المركزي المصري عن ارتفاع الدَّيْن الخارجي لمصر بنحو 1.8 مليار دولار، ليصل إلى 125.337 مليار دولار بنهاية سبتمبر/أيلول الماضي، مقابل 123.490 مليار دولار بنهاية يونيو/حزيران عام 2020.(1)

 

كانت مصر قد سدَّدت خلال النصف الأول من عام 2020 نحو 9 مليارات دولار من التزاماتها الخارجية، مُقسَّمة على 7 مليارات دولار تُمثِّل جزءا من أصل الدَّيْن، ونحو مليارَيْ دولار خدمة للدَّيْن. وحسب تقرير "الوضع الخارجي للاقتصاد المصري" فإن قيمة الالتزامات الخارجية التي ستُسدِّدها مصر، وتشمل أصل الدَّيْن وخدمة الدَّيْن، بداية من عام 2020 وحتى النصف الأول من عام 2071 تبلغ نحو 134.9 مليار دولار مُقسَّمة على 99.9 مليار دولار أصل الدَّيْن، و35 مليار دولار خدمة الدَّيْن. (2)

 

فيما أفاد تقرير مَسحي لقناة العربية أن خدمات الدَّيْن في مصر حتى عام 2025 تبلغ 72 مليار دولار، وهو أكبر مبلغ من خدمات الديون وقعت فيه مصر منذ استقلالها.

في هذا السياق تظهر أهمية كتاب "قصة الاقتصاد المصري" للمفكر الاقتصادي المصري "جلال أمين"، الذي حمل على عاتقه في هذا الكتاب تفكيك شعار النظام الاقتصادي العالمي الذي يقول: "لا تنمية بدون قروض ربوية"، مُتجاهلا كل المؤتمرات والخطب البليغة ومئات الكتب والأبحاث التي تُقرِّر أهمية القروض في عملية التنمية الاقتصادية في عصرنا.

 

وخلال 120 صفحة فقط، يسرد أمين قصة تطوُّر النظام الاقتصادي في مصر منذ عهد الوالي "محمد علي" وحتى الرئيس الأسبق "محمد حسني مبارك"، عبر تتبُّع مصادر تمويل التنمية الاقتصادية في مصر، فقد اختار أمين أن يجعل طرحه شديد التركيز، فيتناول تاريخ الاقتصاد المصري بطريقة مَسحية لا تدعوه للتورُّط في كثير من تفاصيل الاقتصاد المُعقَّدة، مع الحرص على تقديم صورة مُبسَّطة وكاملة لخط تطوُّر الاقتصاد المصري مقترنا بالتغيرات السياسية الداخلية والتغيرات العالمية والدولية، التي يُقرِّر في النهاية أن لها التأثير الأكبر على الاقتصاد المصري طوال 200 عام.

 

وعبر 13 فصلا، هي المحطات التي مَرَّ بها الاقتصاد المصري الحديث طوال قرنين من الزمان، يستخلص أمين جوهر طرحه في هذا الكتاب الصغير، حول دوران الاقتصاد المصري في دورات تاريخية تتأثر إلى حدٍّ كبير بالسياسات الدولية. فمنذ قيام النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي، أصبحت القروض مصيدة سياسية خطيرة في أيدي الدول الكبرى، وعبرها تقع الدول في أسر الديون، التي تتحكّم من خلالها الدول الدائنة في سياسة الدول المَدينة.

 

فرسم أمين قصة الاقتصاد المصري، عبر سرد قصة وقوع مصر المتكرر في تلك المصيدة، خلال دورتين تاريخيتين، وقعت مصر خلال الدورة الأولى تحت الاحتلال الإنجليزي بسبب تراكم الديون وعجز الخزانة المصرية عن السداد، وانتهت الدورة الثانية بقيام ثورة يناير 2011 بعدما دفع إرث ديون الرئيس محمد أنور السادات ومن بعده مبارك إلى انهيار الاقتصاد المصري، والآن تدخل مصر في خضم دورة جديدة تغرق خلالها في الديون.

 

إلا أن أمين يعود ويُقرِّر أن مصيدة الديون التي تُحاصر اقتصاد الدولة لا يتحكم فيها "مدى حاجة الدولة إلى الاقتراض، أو مدى رعونة الحاكم أو حكمته في إدارة شؤون البلاد، وإنما أيضا مدى استعداد الدول لإقراضك، ومدى تلهُّفهم إلى توريطك في الديون، وهنا نرى انطباق القاعدة التي كثيرا ما نصادفها في عالم الاقتصاد: "العرض يخلق الطلب"، ومعنى ذلك أن تورُّطك في الديون لا يتوقف فقط على مدى حاجتك إليها، وإنما يتوقف أيضا على مدى حاجة غيرك إلى إقراضك". لذلك سنجد أن الدولة المصرية تورّطت في أكبر ديونها خلال عصور الرخاء وليس عصور الحاجة، وتعرّضت لأشد إذلال وتغيير قسري في سياساتها في عصور الشدة عندما تراكمت عليها الديون، والأغرب أن خروج مصر من أزماتها الاقتصادية واستقرار نظامها الاقتصادي يكون مؤشرا على تغيير سياسي كبير. لكن قبل أن نشرح هذه المعادلة المعقدة، هل يوجد تنمية بدون قروض حقا؟

 

"تجربة محمد علي في بناء تنمية اقتصادية مستقلة نجحت إلى حدٍّ كبير في تحقيق الاعتماد على الذات، حتى ضُرِبت من القوى العالمية". هذا هو التشخيص المشهور لتجربة محمد علي الذي تُسميه المناهج المدرسية في مصر "مؤسس مصر الحديثة"، إلا أن المؤلف يُقرِّر أن هذا التشخيص لتجربة محمد علي يُشير فقط إلى نصف الحقيقة.

 

إذ يحكي جلال أمين أن مصر تحت حكم محمد علي شهدت اندماجا في الاقتصاد العالمي بدرجة لم تعرفها طوال قرون طويلة سابقة، وكانت أقل اعتمادا على النفس بكثير مما كانت عليه طوال الحكم العثماني على الأقل، فقد أصبحت صادرات مصر من القطن هي المصدر الأساسي للدخل القومي وإيرادات الحكومة.

 

وفي عهد محمد علي اعتمدت مصر اعتمادا أساسيا على سوق واحدة هي السوق البريطانية التي كانت عند وفاته عام 1849 تستوعب وحدها ما يقارب من نصف إجمالي الصادرات المصرية، وتُزوِّد مصر بأقل قليلا من نصف إجمالي وارداتها.

 

فلم يكن الاقتصاد المصري إذن "مستقلا" عن الاقتصاد الرأسمالي في عهد محمد علي، "لا بمقياس ضآلة دور التجارة الخارجية، ولا بمقياس تنوع أسواق التصدير والاستيراد، ولا بمقياس الاعتماد على الخبرة والمهارات المحلية". فمن أين إذن يأتي الحديث عن "التنمية المستقلة" في عهد محمد علي؟ يُجيب أمين أن اعتبار تجربة محمد علي تجربة تنموية مستقلة يصح من ثلاثة وجوه:

محمد علي باشا
  • أولا: يتعلق بما تَوفَّر لمصر في عهد محمد علي من اكتفاء ذاتي في الغذاء، حيث كانت واردات مصر تتكوّن أساسا من الآلات والسفن والمدافع والحديد والخشب، ولكنها لم تكن تستورد الغذاء، بل كان لدى مصر فائض من الأرز تُصدِّره لتستورد السفن، ومن القمح والفول والذرة الذي تنتجه لسد حاجات المصانع والجيش.
  • ثانيا: كانت مصر في عهد محمد علي تتمتع بدرجة عالية من القدرة على المساومة مع المصدرين والمستوردين على السواء، عبر تحكُّم الدولة بالصادرات والواردات والأسعار.
  • ثالثا: على الرغم من بناء محمد علي للخزانات والسدود، وإحداث ثورة في التعليم، وإرسال البعثات، وبناء أقوى جيش في المنطقة، فإنه لم يسمح لنفسه قط بالتورُّط في الديون.

 

يروي المؤرخ كراوشلي أن محمد علي احتاج في عام 1833 احتياجا شديدا إلى مزيد من المال لتمويل حملته إلى سوريا، وتدفقت عليه العروض بتقديم القروض، ولكنّ المقرضين الأجانب طالبوا بتخصيص إيرادات بعض المديريات لضمان السداد، الأمر الذي رفضه محمد علي رفضا باتا ولم تتم الصفقة.

 

فالعبرة في الاستقلال -كما يقول أمين- "ليست بمدى استغناء الدولة عن التجارة الخارجية، أو عن علاقتها الاقتصادية بالعالم الخارجي، وإنما بمدى ما تتمتع به من قوة المساومة في علاقاتها الخارجية. وتأتي التبعية حينما تضعف قدرة الدولة على المساومة بحيث لا يكون لديها أية وسيلة لدفع الخطر عنها إذا أرادت دولة أخرى إخضاعها والتحكُّم في إرادتها، وهذا هو ما نجح محمد علي في تجنُّبه".

 

إلا أن أمين يُقرِّر أن نجاح محمد علي في تجنُّب الوقوع في مصيدة الديون ليس بسبب حكمته أو صلاحه، وإنما بسبب الظرف الدولي لعصره، فأثناء فترة حكمه لم تكن حاجة المقرضين الأجانب إلى الإقراض قد بلغت أشدها مثلما حدث في عصر إسماعيل، وهو السياق الدولي نفسه الذي تكرَّر إلى حدٍّ ما مع بداية الدورة التاريخية الجديدة للاقتصاد المصري في عهد جمال عبد الناصر.

فبعد أن سدَّدت مصر كل ديونها عام 1943، ظلّت حتى نهاية عام 1958 غير مَدينة للخارج بشيء، إذ اعتمدت مصر في سنواتها السبع الأولى بعد انقلاب عام 1952 على بعض المنح والمساعدات المالية والغذائية وبعض القروض الصغيرة التي تُسدَّد بالعُملة المصرية، إلى جانب أن واردات مصر في تلك الفترة لم تزد إلا زيادة طفيفة، وبالتالي كان متوسط العجز في ميزان المعاملات التجارية، أي الفرق بين الصادرات والواردات، كان طفيفا.

 

غير أن هذا الميزان في السنوات التالية قد اختلَّ اختلالا كبيرا، فالتحوُّل الصناعي الكبير الذي اندفع إليه عبد الناصر زاد من العبء المُلقى على ميزان المدفوعات، وعلى الرغم من ذلك فإن الخزانة المصرية كانت قادرة على التحمُّل والمثابرة على مسيرة التنمية، حتى جاءت حرب اليمن فزاد الإنفاق العسكري لتمويل الحرب، وبالتالي لم يعد لدى مصر أي احتياطي أجنبي لضبط ميزان المدفوعات، بجانب زيادة الواردات السلعية بنسبة 48%، فلم تستطع إيرادات مصر من العملات الأجنبية أن تواجه هذه الزيادة، فزاد عجز ميزان المعاملات التجارية.

 

كان لدى مصر في بداية هذه الفترة رصيد مستحق في خزانة بريطانيا، إذ إن بريطانيا قد أخذت قروضا من مصر بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت بريطانيا في مطلع عام 1959 مَدينة لمصر بـ 80 مليون جنيه إسترليني، إلا أن هذا المبلغ كان أقل مما تحتاج إليه مصر لتمويل خطتها في التنمية ومواجهة أعبائها وتسديد ما ورّطها فيه الضباط الأحرار، فقد كان على مصر دفع تعويضات لحملة أسهم قناة السويس المؤمَّمة وغيرها من الممتلكات الأجنبية، فضلا عن التعويضات المستحقة للسودان بسبب إغراق بعض أراضيها نتيجة بناء السد العالي، إلى جانب تعويضات رعايا اليونان وفرنسا ولبنان وإيطاليا وسويسرا عن ممتلكاتهم المؤمَّمة، ثم جاءت حرب اليمن فقضت على الخزانة المصرية بالكامل.

 

ولم يجد عبد الناصر في ذلك الوقت مفرًّا من الاقتراض، حيث يُقدِّر الدكتور علي الجريتلي ما تلقّته مصر من مساعدات وقروض خلال الفترة الممتدة من يونيو/حزيران عام 1958 إلى يونيو/حزيران عام 1965 بما يعادل 800 مليون جنيه مصري. رغم ذلك يرى جلال أمين أن تلك القروض كانت ضرورية ومفيدة اقتصاديا في ذلك الوقت لمسيرة التنمية، وأنها كانت بشروط يسيرة وفوائد ضئيلة، وكانت مصر قادرة على سدادها، غير أن تلك القروض كانت فاتحة لسنوات من الانهيار الاقتصادي امتدت حتى عام 2010.

وعلى الرغم من تشابه السياق الدولي في عهد محمد علي وجمال عبد الناصر، مما سمح لهما بتأسيس تجارب تنموية جديرة بالنظر، فإن التجربتين قد انتهتا بفشل ذريع، فقد انتهت تجربة محمد علي التنموية بمعاهدة لندن عام 1840 التي أنهت سياسة الاحتكار التي فرضها محمد علي، كما وضعت حدًّا لتوسُّعاته الخارجية، وخلف من بعده أبناؤه الضعاف الذين قدَّموا مصر لقمة سهلة للجشع الأوروبي، وانتهت تجربة جمال عبد الناصر مُفرطة الطموح هزيلة التخطيط بهزيمة عسكرية ثقيلة في عام 1967، ومن ثم عودة مصر إلى حفرة الديون مرة أخرى.

 

ودَّع محمد علي العالم مع انتصاف القرن التاسع عشر، فخلف من بعده ولاة ضعاف، تزامن حكمهم مع فترات تراكم المال الأوروبي، وبحث رؤوس الأموال عن أسواق جديدة للاستثمار والإقراض، إذ ظلَّ الفائض السنوي في ميزان المدفوعات البريطاني يتراوح بين 5-6 ملايين جنيه خلال الربع الثاني من القرن التاسع عشر، ثم قفز إلى 6-7 ملايين جنيه خلال السنوات الخمس السابقة على اعتلاء سعيد عرش مصر.

 

وهذه الزيادة الكبيرة يؤيّدها ما بدأ يظهر من إعلانات في الجرائد البريطانية لإغراء أصحاب الأموال بفرص الربح المُجزية المتاحة أمام الإقراض في بلد مثل مصر، فقد كُتب في أحد الإعلانات: "ميدان العمليات المالية ليس له حدود.. المزارعون والتجار في مصر العليا والسودان يستطيعون أن يقترضوا بسعر 4-5% في الشهر".

 

وسرعان ما بدأت البنوك الأوروبية تفتح لها فروعا في مصر، خاصة في الإسكندرية، لتمويل التجارة الخارجية ورهونات الأراضي وتقديم القروض للوالي الجديد. "كان المرابون والأفّاقون من الصيارفة والتجار قد بدأ يسيل لعابهم حتى قبل مقتل عباس الأول، فإذا بهم بمجرد سماع خبر مقتله يتدفقون على مصر بأعداد هائلة، فدخل مصر بين عامَيْ 1857-1861 ما يقرب 20 ألف أجنبي سنويا".

 

قبل ذلك، كان سعيد قد اعتلى عرش مصر عام 1854، بعد الموت الغامض لعباس الأول، وبعد أقل من ثلاث سنوات على بداية حكمه بدأ يتأخر في دفع مرتبات موظفيه ودفع الجزية للسلطان العثماني، فلجأ سعيد في البداية للاقتراض من بعض البنوك الأوروبية التي نشأت حديثا في الإسكندرية، ثم استجاب لاقتراح ديليسبس في إصدار أذونات على الخزانة، تتراوح مُددها بين ستة أشهر وثلاث سنوات، ويتراوح سعر فائدتها من 15-18% بينما كان السعر السائد على القروض التجارية لا يزيد على 7%، وكان سعيد يستخدم أحيانا تلك الأذونات في دفع مرتبات الموظفين، فكان يحدث أن يتجمع على أبواب وزارة المالية دائنو الموظفين من الخبازين والجزارين ليُطالبوا بقيمة الأذونات التي في أيديهم!

الخديوي سعيد وديليسبس

وفي عام 1860 لجأ سعيد إلى عقد أول قرض خارجي مع أحد المصارف الفرنسية، لكنه كان قرضا باسمه لا باسم الحكومة المصرية، قيمته الرسمية 1.2 مليون جنيه إسترليني، وبسعر فائدة 6%، ولكن لم يتسلم سعيد من قيمة القرض، بعد خصم الأتعاب والعمولات والمصروفات، إلا أقل من ثلاثة أرباعه، وخصصت لضمانه حصيلة جمارك ميناء الإسكندرية، ومع هذا فلم يمضِ أكثر من عام حتى أصبحت خزانته خاوية من جديد.

 

فلجأ سعيد في عام 1862 إلى عقد أول قرض خارجي تعقده الدولة المصرية في تاريخها الحديث، قدَّمه لها مصرف أوبنهايمر الألماني بمبلغ 2.5 مليون جنيه إسترليني، بسعر فائدة 11%، ومضمونا بحصيلة ضريبة الأطيان على أراضي الدلتا، لكن لن يحصل سعيد من هذا القرض بعد خصم العمولات والمصروفات إلا على 84% من قيمته الاسمية، وكان عليه أن يدفع لسداده عبر ثلاثين عاما، بعد إضافة الفوائد والرسوم الثانوية، 8.2 ملايين جنيه، أي نحو أربعة أمثال المبلغ الذي تسلّمه.

 

مات سعيد عام 1863، وكانت مصر حينها مَدينة بنحو 8 ملايين جنيه إسترليني مستحقة السداد عبر ثلاثين عاما، بالإضافة إلى مليون آخر واجب الدفع عبر ثلاث سنوات، وديون قصيرة الأجل تبلغ نحو 9 ملايين جنيه، فكان إجمالي حجم الدَّيْن المصري طويل الأجل وقصيره نحو 18 مليون جنيه عند وفاة سعيد، أو ما يُعادل نحو خمسة أمثال إيرادات الحكومة المصرية في السنة السابقة على وفاته.

 

وعلى الرغم من وصف المؤرخين لسعيد بأنه كان "متلافا للنقود" على حد قول الرافعي، "وكثرة نفقاته على قصوره ومعيشته الخاصة"، فإن جلال أمين يُرجع السبب الأكبر لتورُّط سعيد في كل تلك الديون إلى الأجانب والمنتفعين الذين حاوطوه، "فلم يكن سعيد في الواقع يشتري ما يحتاج إليه أو حتى ما يرغب فيه، بل لشراء ما يحتاج البائع إلى تصريفه، أو لملء جيوب المرابين بالفوائد، أو لتمويل مشروع يعود على الأجانب بالربح".

ثم تولّى الخديوي إسماعيل عرش مصر، فسار على نهج عمه سعيد، في تقريب الأوروبيين وتقوية علاقاته بقناصل الدول الأوروبية، حتى وصفوه "بالحاكم العظيم البالغ الاستنارة والنشاط، حتى وهو يُطبِّق نظام السخرة لتنفيذ مشروعاته، ويُعرِّض الفلاحين للموت جوعا تحت وطأة ضرائبه، بل عمل قناصل الأوروبيين على الحصول له على قسط أكبر من الاستقلال عن السلطان العثماني".

 

كانت الحرب الأهلية الأميركية قد بدأت قبل تولّي إسماعيل العرش بنحو عامين، وترتب عليها انخفاض شديد في المعروض من القطن الأميركي، ومن ثم زاد الطلب على القطن المصري، فارتفع سعر القطن المصري بنحو 100% في السنتين الأوليين من حكمه (1863-1865)، وزاد حجم الصادرات بالنسبة نفسها، ومن ثم زادت قيمة صادرات القطن المصري خلال هاتين السنتين إلى أكثر من ثلاثة أمثالها، ومع ذلك لجأ إسماعيل إلى الاستدانة حتى خلال هذين العامين، فعقد قرضا خارجيا بمبلغ 5.7 ملايين جنيه سنة 1864 وآخر بمبلغ 2.4 مليون في السنة التالية.

 

وبعد ثلاثة عشر عاما من حكم إسماعيل، أي في سنة 1876، وهي السنة التي خرجت إدارة المالية المصرية عن سيطرته وأصبحت في يد المراقبين الماليين من الأجانب، بلغت ديون مصر الخارجية (بما فيها ديون الخديوي الخاصة) نحو 91 مليون جنيه، يبلغ حجم خدمتهم السنوية (أي حجم الأقساط السنوية والفوائد) أكثر من ستة ملايين جنيه أو ما يُمثِّل نحو 80% من إجمالي إيرادات الدولة في تلك السنة، وذلك بالمقارنة بعبء خدمة الديون في آخر عهد سعيد الذي لم يزد على 260 ألف جنيه أو ما يُمثِّل أقل من 5% من إجمالي إيرادات الدولة في عام 1863.

 

اضطر إسماعيل في السنة التالية 1876 إلى قبول إنشاء صندوق الدَّيْن المُكوَّن من مراقبين أوروبيين يُمثِّلون أهم الدول الدائنة، مهمتهم تسلم وتوزيع ما تضعه الحكومة تحت تصرفهم من إيرادات مصر بغرض تسديد الديون. أما محاولة إسماعيل الأخيرة لاستعادة سيطرته، فقد كلّفته عرشه، عندما تجرَّأ على عزل مجلس الوزراء الذي فرضه الأوروبيون، فأسرعت حكومتا بريطانيا وفرنسا للسعي لدى الباب العالي لعزله، وهو ما حدث بالفعل عام 1879. بعدها دخلت مصر في دوامة من الاضطراب السياسي انتهت بقصف البارجات البريطانية لقلاع الإسكندرية، ودخول الإنجليز القاهرة مُدجَّجين بالرشاشات الآلية الحديثة عام 1882.

لتنتهي الدورة التاريخية الأولى للاقتصاد المصري وتراكم الديون بوقوع مصر تحت الاحتلال البريطاني المباشر، وتبدأ الدورة التاريخية الجديدة للاقتصاد المصري تحت وطأة الديون وسيطرة الحكومة البريطانية، حتى استطاعت مصر تسديد كل ديونها (97 مليون جنيه) وبدا أن الاقتصاد المصري قد استقر، لكن يُخبرنا أمين في مؤلفه أن الاقتصاد والسياسة وجهان لعُملة واحدة في مصر، فإذا ما استقر الاقتصاد لا بد للوضع السياسي أن يتغير، وهذا ما حدث بعد تسديد مصر لديونها بنحو 10 سنوات، إذ وقع انقلاب الضباط عام 1952، ليتكرَّر وقوع مصر في فخ الديون مرة أخرى حتى اقتربت مصر من الإفلاس في بداية تسعينيات القرن العشرين. فكيف حدث ذلك؟

 

فوجئ السادات عام 1975 بالوضع الاقتصادي الخطير، إذ عجزت الخزانة المصرية عن سداد القروض قصيرة الأجل التي اقترضتها الدولة المصرية منذ بداية حكم السادات، حيث وصف السادات نفسه الاقتصاد المصري في ذلك الوقت بأنه "بلغ درجة الصفر". فيخبرنا أمين جلال أن ديون مصر قصيرة الأجل عام 1970 لم تتجاوز 148 مليون دولار، فتضاعف نحو ثماني مرات في خمس سنوات ليصل إلى 1168 مليون دولار عام 1975.

 

وبالتالي سعى السادات لدى دول الخليج العربي الغنية مُستخدما الرصيد الرمزي لانتصار أكتوبر ومُستعرضا بطولات الجيش المصري للحصول منهم على أي مساعدات أو قروض بشروط ميسرة، وذلك لإنقاذ الاقتصاد المصري من الانهيار تحت وطأة عجز الميزانية ومصروفات خدمة الديون. لكن قوبلت كل مساعيه بالرفض، ويُفسِّر أمين ذلك الأمر قائلا: "إن حكومات دول النفط لم تكن قد تلقّت بعد إيماءة الموافقة من الولايات المتحدة وهيئات المعونات الدولية بزيادة حجم المعونات لمصر، ولم يكن هذا ليتم إلا إذا أظهرت مصر استعدادها نهائيا لقبول توصيات صندوق النقد الدولي، ولاتخاذ خطوة حاسمة في اتجاه عقد اتفاقية سلام مع إسرائيل".

وهي المُحدِّدات التي ستُؤطِّر سياسة الدولة المصرية من وقتها حتى يومنا هذا. ومن ثم اتخذت مصر في عام 1976 خطوات واسعة لإرضاء صندوق النقد الدولي وإسرائيل، حتى استيقظ المصريون في أحد أيام نوفمبر/تشرين الثاني عام 1977 على خبر زيارة رئيس الجمهورية المصرية للكنيست الإسرائيلي ووضعه إكليل الزهور على قبر الجندي الإسرائيلي المغتَصِب.

 

وبعد مرور فترة عصيبة من الركود والإجراءات الاقتصادية القاسية، يقول أمين إن الاقتصاد المصري عاد رويدا رويدا للانتعاش، فقد بلغ معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي ما بين 8-9% سنويا، وزادت إيرادات مصر من الصادرات البترولية وغير البترولية، وكانت الفرصة -كما يقول أمين- مواتية للحد من القروض وتخفيض الديون والخروج من حفرة تكاليف خدمة الدَّيْن التي تُثقل كاهل الدولة المصرية.

 

لكن ما حدث هو العكس تماما، فكما فعل الخديوي إسماعيل بالضبط في فترة الرخاء وزيادة إيرادات البلاد، لجأت مصر مرة أخرى ودون داعٍ اقتصادي إلى الاقتراض، فزادت الديون التي قد بلغت نحو 4.8 مليارات دولار عام 1975 إلى 8.1 مليارات دولار عام 1977، ثم زادت الديون إلى 14.3 مليار دولار عام 1981، لتنتهي حقبة السادات بجثته مُلقاة ومُلطَّخة بالدم على منصة العرض العسكري، وتبدأ حقبة جديدة في مصر ستستمر لثلاثين عاما.

وبتولّي محمد حسني مبارك حكم مصر، كانت هناك حاجة مُلِحَّة إلى إعادة النظر في سياسة مصر الاقتصادية، خاصة أن الاقتصاد المصري عاد لحالة الركود، مع انتهاء عصر المنح والهبات العربية وتزايد مصروفات خدمة الديون، لكن الإدارة السياسية المصرية قد اختارت أن تلتزم بخط السياسات الاقتصادية نفسها للرئيس المقتول، الذي كانت سماته الأساسية هي: تبني معدل مرتفع للاستثمارات خاصة في المرافق العامة والطرق والكباري وغيرها من إنجازات وهمية، مع عدم إخضاع الواردات العسكرية والإنفاق العسكري (اقتصاد المؤسسة العسكرية) لأي نوع من التقييد أو المحاسبة، مع الاستمرار في الاعتماد على القروض الخارجية في تمويل العجز بين الموارد والإنفاق.

 

وبالتالي بلغت قيمة الديون الخارجية لمصر في 30 يونيو/حزيران عام 1986 نحو 45 مليار دولار. وفي السنة نفسها انخفضت بشكل حاد أسعار البترول، كما انخفضت تحويلات المصريين بالخارج، وعاد كثير من المصريين العاملين بدول الخليج بعد تقلُّص الوظائف، مما شكَّل عبئا إضافيا على سوق العمالة المصرية، واقترن كل ذلك بأعمال العنف التي ضربت السياحة المصرية في مقتل، فانغلق آخر مصدر للعُملة الأجنبية لمصر.

 

وفي هذه السنة أيضا قد حان موعد سداد بعض أقساط الديون السابقة، فطبقا لتقدير صندوق النقد الدولي، كان المُستحَق على مصر دفعه في تلك السنة لخدمة ديونها لا يقل عن 5.5 مليارات دولار، مما أصاب الاقتصاد المصري الهش في مقتل، وتعرَّض بنيان الاقتصاد المصري كله لصدمة عنيفة، مما جعل مصر تلجأ إلى الاستدانة مرات ومرات كي تستطيع فقط سداد فوائد ديونها وتسيير السنة المالية.

 

مما جعل عبء الديون على الدولة المصرية من أعلى أعباء الديون في العالم وقتها، ولم يُنقذ مصر إلا اشتراك جيشها في حرب الخليج الثانية، والمشاركة في تحرير الكويت بجانب قوات الولايات المتحدة، وخلال الأشهر الستة التالية حصلت مصر على تعهُّدات بمساندات مالية بلغت 4726 مليون دولار من بعض الدول العربية التي رفضت مساعدتها قبل عقد اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل، كما أُعفيت مصر من نصف ديونها الخارجية على الأقل، لتصل ديون مصر إلى 24 مليار دولار تقريبا، مع التزامها بتوصيات صندوق النقد الدولي والتطبيع مع إسرائيل.

 

بوقوع الانقلاب العسكري بمصر عام 2013، بعد محاولات قصيرة لإصلاح تركة مبارك من الديون والفساد والهشاشة الاقتصادية، عادت مصر إلى السياسات نفسها مرة أخرى، ليبلغ حجم ديون مصر اليوم 125 مليار دولار، وفي الوقت نفسه تلتزم الدولة المصرية بالسياسات نفسها التي وضعها السادات وسار عليها مبارك، وهي زيادة الاستثمار في المرافق العامة والخدمات والمنتجعات السياحية والعقارية وإنشاء الطرق والكباري والقصور لتشغيل قطاع المقاولات، بجانب محاولة تطوير القطاع السلعي بتدمير التراث العمراني والسياحي سعيا وراء الأموال التي ادخرها المصريون أو وصلتهم بتحويلات من خارج مصر بالاستهلاك تارة وبالجباية مرات عديدة، فقد استفحل أمر الجباية في مصر مع قوانين جمع الضرائب على كل شيء تقريبا، من راديو السيارة وحتى العقارات.

 

مع تعميق التبعية الخارجية خاصة في ملف العلاقات مع إسرائيل، لضمان تدفُّق المساعدات والمنح والقروض، مع عدم إخضاع اقتصاد المؤسسة العسكرية لأي نوع من الرقابة أو المحاسبة، إلى جانب الاستمرار في الاعتماد على القروض الخارجية في تمويل العجز بين الموارد والإنفاق، وبالطبع تنفيذ توصيات وخطط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في رفع الدعم عن السلع الأساسية والطاقة وتقليص البيروقراطية وتسهيل إجراءات وضمانات الاستثمار الأجنبي.

 

وهي السياسات التي يُخبرنا جلال أمين أنها تجعل الاقتصاد المصري مرتبطا بالمصالح الأميركية ومصالح الدائنين الغربيين، ومرتبطا بما يمكن "أن يؤديه النظام المصري من خدمات للسياسة الأميركية والإسرائيلية".

ويرى أمين أن "هذا الاستسلام التام الذي بدأ في سنة 2004، إزاء المطالب الإسرائيلية من ناحية، ومطالب رأس المال الدولي والأميركي بوجه خاص من ناحية أخرى، هو الذي يُفسِّر تدفُّق الاستثمارات الأجنبية الخاصة إلى مصر، ابتداء من عام 2005، بمعدلات أكبر بكثير مما عهدته مصر منذ الأخذ بسياسة الانفتاح قبل ذلك بثلاثين عام". لكنه يجعل الاقتصاد المصري شديد التأثُّر بالأزمات الاقتصادية العالمية، مثل أزمة 2008 التي تدهور بسببها معدل تدفُّق الاستثمارات الأجنبية إلى مصر ومن ثم معدل نمو الناتج القومي وحالة الصادرات.

 

وينتهي أمين إلى أن ما يحمي مصر من انهيار اقتصادي وسياسي مثلما حدث للخديوي إسماعيل والسادات ومبارك ليس المزيد من الاستدانة أو الخضوع أو إرسال الجيش المصري في مهمات إقليمية ودولية تُنفِّذ أجندة الغرب في المنطقة، لكن ما يحميها وما يُحقِّق نهضة اقتصادية حقيقية هو "أن تتمتع مصر بدرجة معقولة من استقلال الإرادة".

————————————————————————————————

المصادر

  1. البنك المركزي: الدين الخارجي لمصر سجل 125.3 مليار دولار نهاية سبتمبر.
  2. البنك المركزي: مصر تسدد 11.6 مليار دولار التزامات خارجية في النصف الثاني من 2020.
  3. قصة الاقتصاد المصري، من عهد محمد علي إلى عهد مبارك، جلال أمين، دار الشروق، عام 2012.
المصدر : الجزيرة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة