تفاهة الشر.. كيف تحول النظم الفاشية العاديين إلى أشرار؟

عام 1995، كتب أستاذ القانون والقاضي الألماني "برنارد شيلنك" روايته "القارئ" التي حققت نجاحا هائلا كونها أعلى إيرادات للبيع، وتُرجِمت إلى أكثر من 27 لغة حول العالم، وأُدرِجت في مناهج دراسية حول أدب المحرقة، وتحوَّلت إلى فيلم سينمائي من بطولة "كيت وينسلت" عام 2008. تحكي الرواية عن شخصية ألمانية لامرأة عادية جدا، تعمل جابيةَ تذاكرٍ في إحدى المحطات في ألمانيا الغربية، يقع في غرامها شاب في مقتبل العمر، ليكتشف بعد اختفائها لسنوات أنها واقعة تحت محاكمة لارتكابها فعلا نازيًّا بإحراق مجموعة من اليهوديات داخل كنيسة.

 

الشخصية بحسب الرواية لا تعرف الكتابة ولا القراءة، ومن هنا خرج اسم الرواية " القارئ"، إذ كانت تستغل الشاب الصغير ليقرأ لها الكتب مقابل علاقة غرامية، ولكنها لم تعترف له يوما بأنها أُمية. حين يكبر هذا الشاب وتدور به السنين ليتخصّص في المحاماة ويحضر جلسات محاكمة النازيين، يعود ليرى البطلة التي اختفت من حياته بشكل مفاجئ بين يدي المحكمة بتهمة النازية. وفي أهم أحداث الرواية تضطر البطلة للاعتراف بأنها المسؤولة عن كتابة رسالة الأمر الإداري بإحراق اليهوديات داخل الكنيسة، وذلك بإغلاق البوابات عليهن عمدا مع نشوب الحريق، ورغم أنها لا تستطيع كتابة هذا الأمر الإداري ولا قراءته، فإنها توافق على التهمة ولا تعترف بأنها أُمية بالفعل، وأن كل ما فعلته هو مجرد تقليد لزميلاتها اللواتي باشرن بإغلاق الأبواب على اليهوديات، فهل كانت بطلة " القارئ" بالفعل شخصا شريرا وقادرا على التفكير واتخاذ القرارات الإجرامية؟ هل كانت هذه السيدة الأُمية تعني معنى ذلك الشر الذي ساهمت في ارتكابه؟

 

موضوع الخير والشر أحد أكثر المواضيع التي طرحها الإنسان على نفسه بصيغة السؤال، ومن المحتمل أن الإجابات كانت تأتي متباينة عادة بحكم تأثُّرها بالحضارة والثقافة والوعي الفكري للمجتمعات المختلفة على مر العصور. كان اليونانيون الأوائل يسألون هل هناك فعلا مقياس مطلق لموضوع الخير والشر؟ وهل توجد قيم وقواعد ثابتة لا تقبل الشك والتغير مع مرور الزمن؟ كانت محاولاتهم تصعد وتهبط واحدة تلو الأخرى كونها نتيجة لظهور نظريات ومفاهيم أو اكتشافات جديدة من قِبل فلاسفتهم. لقد كانوا يبحثون عن قوانين مطلقة لا تقبل الشك ولا تزول، مثل وصايا الله العشر للعبرانيين. ثم بدأ قسم آخر منهم، يعتقد أن الخير والشر نسبيان، ففي الوقت الذي يكون عملٌ ما شرا في زمان ومكان محددين، فإن هذا العمل يمكن أن يكون سببا لخير في ظروف أخرى أو في زمان ومكان آخرين.

 

يعتبر بعض الفلاسفة أن سقراط هو مؤسس علم الأخلاق، حيث قضى حياته في تعليم الناس ما الخير وما الشر، وما أهمية الأخلاق والمعرفة، وكان في اختلاف شديد مع السفسطائيين، وقال إن أفضل خير في الوجود هو المعرفة، وإن الإنسان يولد بريئا وعقله كصفحة بيضاء ولا يحمل أي نزعة في داخله(1)، أي إن الشر ينشأ عن الجهل، لأنه لا يمكن لأي شخص أن يرتكب الشر طالما أنه يعلم بأنه يجلب الألم والضرر، إلا إذا كان جاهلا بآثار أفعاله، وهذا ما قد يؤسس لنا للأرضية التي انطلقت منها الفيلسوفة "حنا آرنت" حول الشر.

 

أما أفلاطون فقد كان يرى أنه لا أحد شرير بطبيعته، ومعرفة الخير هي التي تمنع من ارتكاب الشر. أي، وفقا لنظرية التذكُّر الأفلاطونية، يكفي أن يعرف الإنسان الخير لكي يتذكر حياته الخيرة السابقة عندما كانت نفسه تسكن في عالم الملائكة. فالإنسان عند أفلاطون يختار الشر لأنه يُخطئ التقدير، أو كما يقول سقراط عمل الشر ممتع، ولذلك الذي يختار الشر يرتكبه بسبب جهله، لأنه يحكم على الشر بأنه خير، أي إنه يبدل الخير بالشر.

ويقول أفلاطون إن الله هو مثال المُثل – مثال الخير، وإنه صنع العالم على غرار عالم المثل، وبالتالي فالأشياء في العالم لا تجسد الخير الكامل لأنها نسخ ناقصة. وفي محاورة السياسي يقول أفلاطون إنه عندما يسيطر الله على الوضع يطغى الخير على الشر، وإذا ترك النظام الطبيعي يعمل لوحده، فسرعان ما يتفشى الشر، ولكن الله يتفقد هذا النظام ويأخذه زمامه من جديد.

 

كما يقول إن عالم المثل خالٍ من الشر لأنه عالم الكمال المطلق، أما في العالم الطبيعي فالشر ضروري، لأنه نقيض الخير، ولهذا يجب الفرار إلى العالم الروحي. وهكذا فإن نظرة أفلاطون قريبة من النظرات الدينية. كل الخير والشر في الجسد وفي الإنسان ككل ينشأ من النفس، ومنها يفيض إلى بقية الأجزاء. والعلاج هو الكلمات الجميلة، التي توازن النفس، وحيث يحل التوازن تنتشر الصحة في كل الأجزاء(2). أما أرسطو فقد كان يرى أن الشر أمر وجودي لا وجود له، إلا ما خيره كثير وشره قليل، وتتعلق الذات الإلهية بالخير الكثير لما فيه من نظر للنظام العام، وتتعلق بالشر القليل لما فيه من خير كثير، فيكون المحرك الأول علة بالذات للخير وبالعرض للشر(3).

 

ودون المبالغة في استعراض آراء الفلاسفة القدماء حول الشر، وتتبُّع مفهوم الشر والخير عبر التاريخ والأديان، نستطيع القول إن كانط في فلسفته الأخلاقية كان مرحلة فاصلة في تفسير السلوك الإنساني على نحو مغاير عن سابقيه، في ربطه لمسألة الأخلاق بالدين، أي السلطة بمعنى آخر، حيث يعد كانط أول مَن قدَّم نظرية علمانية بحتة حول الشر في كتابه "الدين في حدود مجرد العقل"، حيث عالج مشكلة الشر في إطار تفكيره في موضوع الدين وسلطة المؤسسات الدينية.

 

وباختصار، إن قضية مثل قضية "الإنسان الشرير" لا تعني، بحسب كانط، إلا أن الإنسان واعٍ بالقانون الأخلاقي، وعلى الرغم من ذلك، فإنه ينحرف عن مسلماته مؤقتا، ويُفضي هذا القول إلى أن الشر ضروري من الناحية الذاتية في كل واحد من الناس، حتى في أفضل إنسان، ونتيجة لهذه القضية، يخلص كانط إلى إقرار يتضح من خلال القول: "سوف يمكننا أن نسمي هذا النزوع نزوعا طبيعيا للشر، وبما أنه ينبغي أن يكون مذنبا على الدوام في ذاته، فنحن نستطيع أن نسميه هو ذاته شرا جذريّا، فطريّا، في الطبيعة الإنسانية"(4)، وبهذا فهو يرى أن الشر متجذر في الإنسان مثله مثل الخير، ولا يُمثِّل فسادا ما في العقل الأخلاقي، وإنما هو نابع من حرية الإنسان التي تُشكِّل ماهيته وتُميِّز وجوده.

 

حنة آرنت

إذا كانت الفلسفة الأخلاقية الكانطية قادرة على تبرير الشر بإرجاعه إلى أصل الطبيعة البشرية كونه شرا متجذرا في الوجود البشري، وميلا مخالفا للقانون الأخلاقي، فإن آرنت لا تجد حرجا في تفسير الشر تفسيرا سياسيا، باعتباره عملا تافها/عاديا تتحمل مسؤوليته الأنظمة الشمولية من جهة، والفرد نتيجة عوز الفكر من جهة أخرى(5)، أي الجهل كما سمّاه سقراط.

 

حيث عملت الفيلسوفة على التأصيل لمشكلة الشر انطلاقا من منظور الفكر السياسي لا من الفلسفة السياسية أو الأخلاقية فقط، وهو المنظور الذي شكَّل محور اهتمامها طوال حياتها؛ ذلك أن معظم مؤلفاتها يتمحور بالأساس حول مشكلة التوتاليتارية والتحكم السياسي المطلق (النظام الشمولي) الذي تعاظم في العالم المعاصر، وتتكامل فلسفة آرنت في نظرتها للعنف والسلطة وتأثير السلطة على حياة الفرد وقراراته، ومعنى حريته في هذا السياق.

 

تقول آرنت: "إن قدرة الإنسان على الفعل هي ما تجعل منه كائنا سياسيا"، وهي التي تُمكِّنه من أن يلتقي أمثاله من البشر، وأن يفعل معهم بشكل متناسق، وأن يتوصل إلى تحقيق أهداف ومشاريع ما كان من شأنها أبدا أن تتسلل إلى عقله لو أنه لم يتمتع بتلك الهبة"، وبذلك فالفعل، وبتعددية الأفراد كونها بيئة للتفاعل، يأخذ هيئة نقد لكل أشكال القسر التي يتضمنها معنى هيمنة طرف من الناس على الآخرين بشكل الحكم(6)، وكأن آرنت بذلك تُعيد عنصر التاريخية لمفهوم النشاط، وهذا العنصر يتضمن عدم اليقين في الشؤون الإنسانية، والتمثلات التي تؤدَّى داخل التفاعل السياسي.

 

وبذلك فإن سُلطة مجموعة من الأفراد على غيرهم تؤثر بشكل أو بآخر على فعلية حريتهم في فعل ما، إن كان ذلك الفعل ناتجا عنهم بمطلق الإرادة الفردية، أم هي إرادة متأثرة وخاضعة لإرادة أعلى، وكيفية هذا الخضوع لإرادة الأخرى بجعلها أعلى أو ذات سلطة، حيث إن "هذه السلطة لا تحتاج إلى تبرير طالما استمدّت مشروعيتها من اللقاء الأول، ولا تحتاج إلى تبريرات مستقبلية في كل فعل يلي ذلك"(7)، وهذا ما يمتد نحو فكرتها الأخص في أُسس التوتاليتارية.

 

أول مَن استعمل مصطلح الشمولية – التوتاليتارية كان جيوفاني أمندولا، وهو صحفي وسياسي مناهض للفاشية، عام 1923، وذلك في إشارة منه إلى معاداة موسوليني لليبرالية واستهانته بقواعد القانون ومبادئه(8).

جيوفاني امندولا

وترى آرنت في كتابها "أسس التوتاليتارية" أن التوتاليتارية كونها حركة ونظاما قد عملت على تهديم وسائط المجال العام بتجسيد لإرادة السلطة، وذلك أدّى إلى خلق مناخ متدهور "بجعل الناس راغبة في دفع الثمن على شكل تأييد لقيام دولة بوليسية تمارس إرهابا خفيا هدفه أن يسود في الشارع شعار القانون والنظام"(9)، وهو ما يُذكِّرنا بتبريرات ميكافيلي لممارسات السلطة، حيث يدفع ذلك الشعور -الرغبة بالأمان والنظام- بعجلة التوتاليتارية بأن تُحكِم قبضتها على فاعلية المجتمع، وتحوِّلها إلى انصياع تام لتلك الهيمنة.

 

إذن تهدف التوتاليتارية -كما ترى آرنت- إلى القضاء على الفعل الإنساني، فسيطرتها تنحو إلى إلغاء الحرية الموصوفة، بل تميل إلى القضاء على كل ظاهرة عفوية بشرية عامة، ولا تكتفي بتقليص الحرية، أيًّا كان مبلغ الاستبداد في ذلك، وأتمت التوتاليتارية خطتها في الاستحكام بخلق تصوُّر لدى الجماهير بأن الشعب يشارك بأغلبه في صنع القرار وبصورة فاعلة، وذلك عبر تأييد ذلك الحزب أو هذا، كونه شيئا فاعلا في الديمقراطية المُدَّعاة، في سُلطة الحكم.

 

ومن هنا تبدأ الجماهير بتقديم قرابين الولاء والطاعة، تصوُّرا منها أنها بدأت تُمسك زمام الأمور، ويحصل ذلك من خلال منهجيات في صهر الوعي وتلقين ودعاية تُمثِّل العمود الفقري للفاشية، فهذه المناهج من حيث كونها تقنيات في الحكم تتبدّى في بساطتها ذات فعالية شديدة، فهي لا توفر احتكارا للسلطة فحسب، بل ثقة لا نظير لها في أن كل الأوامر ينبغي أن تُنفَّذ على الدوام، وإلا فالبديل هو حالة من الذوبان والانفلات والضياع الذي يُمثِّله الجماهير(10).

 

تقوم الحركة التوتاليتارية بالأساس على تنظيمات جماهيرية، تضم إليها أفرادا مبعثرين ومعزولين، بهدف البحث عن ولاء لا محدود وغير مشروط من قِبل هذا الفرد إزاءها، أفرادا لا يستشعرون قيمتهم إلا من خلال انتمائهم إلى هذه الحركة أو الحزب وتقديم الطاعة والولاء دونما وعي بالمصالح المشتركة أو الفعلية، وهكذا تبدو اللا مسؤولية جوهرا مفهوما وواقعا لهذه الجماهير.

 

وحين تتسلّق التوتاليتارية سد السلطة، تعمل على تدمير كل التقاليد السياسية والاجتماعية والتشريعات القانونية القائمة في البلد، وتعمل على تحويل الطبقات الاجتماعية وصهرها إلى جماهير مجردة لا تعي مهامها ولا مسؤولياتها، وذلك عن طريق بروباغندا في غسل العقل الجمعي الجماهيري وتوجيهه وخداعه، ويسحب النظام معه إلى الحكم أدوات الحركة، كشمولية السيطرة على حياة أفراد الدولة بكل أجزائها وفي كل مجالاتها، عن طريق التلويح بالإرهاب ليسهل سوقهم والسيطرة عليهم(11).

 

ومن هنا يمكننا الفهم كيف عملت التوتاليريات على مسخ إنسانها، وتحويله من فاعل إلى كادح فقط، وجعله محصورا بما يحتاج إليه لقوته دونما الحاجة إلى التفكير أو الفعل بوصفه حرا، ومن هنا خرج توصيف آرنت للشر بوصفه فعلا سياسيّا، وبوصفه فعلا تافها، فهو ليس متجذرا في أصل الإنسان في هذه الحالة، وإنما هو عبارة عن تبعية أدائية لسلطة سياسية أعلى، وتنفيذ للأوامر فحسب دون أي تفكير، فالتفاهة هنا تكمن في استقالة العقل والضمير عن تحمل المسؤولية بوعي حقيقي، لأن سلطة التوتاليتارية تجعل من مرتكب الجرائم -الشر- غير شاعر بفظاعتها أو مأساويتها، وإنما هي أمر تنفيذي لقرارات إدارية لمَن هم أعلم منه وأقدر على اتخاذ القرار، وما عليه سوى الامتثال لأوامرهم.

 

ولد أدولف أيخمان في 19 مارس/آذار 1906، وعمل ضابطا في القوات الألمانية الخاصة (قوات العاصفة) كونه أحد كبار المسؤولين عن إبادة اليهود وحرقهم، باعتباره رئيسا للبوليس السري المسؤول عن الغستابو، وكان أيضا المسؤول عن الإعداد لتلك الجرائم لوجستيا وتقنيا. ينتمي أيخمان إلى عائلة مهتمة بالسياسة إلى حدٍّ ما، غادر المدرسة دون أن يحصل على أي شهادة تعليمية، وبدأ في تعلم الميكانيكا، وفشل في المهنة الجديدة أيضا.

أدولف إيخمان

وفي سنة 1932 استُدعي مع أبيه إلى اجتماع للحزب النازي، وكان المستدعي إرنست كالتنبرونر، وهو صديق قديم لعائلته جنّده في إبريل/نيسان من السنة نفسها في القوات الخاصة عضوا، وتدرّج بعد ذلك حتى بلغ أعلى سُلطة. ففي ربيع 1933، حين استولى هتلر على السُّلطة، طلب انخراطه المطلق في القوات الخاصة، وفي نوفمبر/تشرين الثاني عُيِّن في الفريق الإداري لمعسكر الاعتقال بداشو الذي بدأ استقبال المعتقلين السياسيين منذ مارس/آذار 1933. وفي سنة 1960 ألقى جهاز الاستخبارات الإسرائيلية القبض على أيخمان في بوينس آيرس، ونقله إلى القدس حيث جرت محاكمته، وأُعدِم شنقا في سنة 1962(12).

 

وفي تطبيق لكل ما سبق فإن آرنت لا ترى أن أيخمان يمكن نعته بالرجل الشرير أو الشيطان، بل على العكس من ذلك، كان رجلا عاديا جدا، تصرَّف كما يتصرَّف أي مواطن لا يمتلك الفكر أو القدرة على القرار، فهو ضحية من ضحايا النظام التوتاليتاري، لكنه مع ذلك مسؤول عما قام به، ليس لأنه لا إنساني أو شرير بطبعه، بل لأنه جزء صغير وتافه من ماكنة البيروقراطية التوتاليتارية التي لا تدع لهم أي مجال بأن يحسوا بإنسانيتهم، ومن ثم ينتظر منهم العمل باتجاه ما هو إنساني، وذلك ليس تسويغا لفعلتهم، بل إدانة بصورة أخرى أشمل من اختزالهم بالحادثة وإنما في كينونتهم الإنسانية واستحالتهم إلى كائن لا معنى له.

 

وكتاب "أيخمان بالقدس" لم يكن سوى تقرير لما حصل من حقائق داخل المحكمة، حيث دُعيت آرنت للتغطية لجريدة النيويوركر الأميركية، وتضمّن الكتاب الحوارات والاستجوابات وخطابات المدعي العام وتوجُّه القضاة وردود أيخمان وإفادات الشهود، ومن خلال كل تلك التسجيلات والمشاهدات، خرجت آرنت أن تلك المحاكمة لم تكن سوى مسرحية، أو فرجة كما وصفتها، عُني بها بن غوريون للحصول على المزيد من الدعم المالي، وأوضحت في تقريرها دلائل كثيرة على تعاونات وُجدت للقادة الصهاينة مع النازيين، بحيث اعتبرتهم آرنت قد أجرموا بحق اليهود أكثر من ذلك الجندي معدوم الشخصية، المنفذ للأوامر، فتقول:

"ولكن من الأكيد أن مَن قام بتصوُّر قاعة المحكمة كان يفكر في المسرح، بمقاعده الأمامية وبشرفاته، وخشبة المسرح الأمامية، ومنصته وأبوابه الجانبية لدخول الممثلين، ومن الواضح أن هذه القاعة لم تكن سوى ديكور مشين لفرجة تصوّرها دافيد بن غوريون"(13). ويُمثِّل هذه النص اختصارا لتصورات العلاقة بين الحقيقة والسياسة كما تراها آرنت، كما تقول: "والعدالة التي قد تكون غامضة في نظر مَن لهم النهج الفكري نفسه لبن غوريون، اتضحت في النهاية أكثر قسوة من الوزير الأول ونظامه العتيد"(14)، وهذه العبارة تربطنا بالانتقادات العديدة التي وجهتها آرنت فيما بعد للحركة الصهيونية التي رأتها آرنت تحيد تماما عن مسارها الصحيح في بداياتها، فحين ناضل اليهود من أجل تحقيق العدالة ورد الظلم عنهم في مختلف البلدان، تحولت تلك العدالة إلى نظام فاشيّ، يرتكب المجازر في حق غيره، ويعيد سيرته في سيرة شعب آخر وهو الشعب الفلسطيني.

 

سبّبت الفرضية التي طبقتها آرنت حول تفاهة الشر في تقريرها لمحاكمة أيخمان جدلا واسعا، واتُّهِمت آرنت جرّاء ذلك بالخيانة والعداء ضد السامية، وطلبت منها حكومة "إسرائيل" التراجع عن موقفها، وهُدِّدت بطردها من الجامعة التي كانت تحاضر فيها، إلا أن كل ذلك لم يُثنِ آرنت عن التراجع عن موقفها رغم محاولاتها العديدة لتفسير اللغط الدائر حول نظريتها وموقفها من أيخمان.

 

وبرغم النتيجة التي قد تتصور بأنها أضعفت آرنت ونشاطها، فإنها صرّحت في أكثر من مرة أن محاكمة أيخمان حوّلتها لتفضيل الحياة النشطة على الحياة الفلسفية التأملية -فلسفتها حول الفعل السياسي النشط- وعلاقة الفكر بالعالم، وبهذا، وبنقد آرنت للممارسة التوتاليتارية وتسليط الضوء على العنف الممنهج، تحاول آرنت توضيح إمكانية استعادة الفعل السياسي للشعوب وإمكانية استعادة الحرية بمفهومها الصحيح.

_______________________________________________________________________

المصادر

  1. يوحنا بيداويد،" مفهوم الخير والشر عبر التاريخ الجزء الأول" ،الحوار المتمدن، العدد2939، 2010.
  2. أفلاطون، محاورات أفلاطون، (تقديم وترجمة زكي نجيب محفوظ)، القاهرة: مكتبة الأسرة، 2001.
  3. محمد حرب، "مقارنة أوغسطينوس وتوما الأكويني مشكلة الشر نموذجًا"، تعليم الفلسفة والحضارات، مقرر دراسي لعام 2010.
  4. إبراهيم مجدلية، "أنثروبولجيا الإنسان الخطاء، الشر جذريّا، الشر تافهًا، الشر مؤولًا"، مجلة تبّن للدراسات الفكرية والثقافية، عدد19، 2017، (30-35).
  5.  رشيد العلوي،"الشرط الإنساني و مشكلة الشر : مفهوم الشر السياسي عند حنه أرندت"، تبين للدراسات الفكرية و الثقافية، 2015،ص3.
  6.  حنة آرنت، في العنف،( ترجمة إبراهيم العريس)، بيروت : دار الساقي، 1992،ص72.
  7.  المرجع السابق،ص46
  8.  إيزاك، جفري سي، الفكر السياسي في القرن العشرين، ترجمة مي مقلد، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2009، ص256.
  9.  حنة آرنت، في العنف،( ترجمة إبراهيم العريس)، بيروت : دار الساقي، 1992،ص70.
  10.  حنة آرنت، أسس التوتاليتارية، ترجمة أنطوان أبو زيد، بيروت: دار الساقي، 1993، ص16.
  11.  حنة آرنت، أسس التوتاليتارية، ترجمة أنطوان أبو زيد، بيروت: دار الساقي، 1993،(243-271)
  12.  رشيد العلوي،"الشرط الإنساني و مشكلة الشر : مفهوم الشر السياسي عند حنه أرندت"، تبين للدراسات الفكرية و الثقافية، 2015، ص3.
  13.  حنه آرنت، آيخمان في القدس "تقرير حول تفاهة الشر"، ( ترجمة نادرة السنوسي)، بيروت : دار الروافد الثقافية، 2014، ص31.
  14.  المرجع السابق، ص32.

المراجع

  •  آرنت، حنة. ما السياسة. ( ترجمة وتحقيق زهير الخويلدي وسلمى مبروك)،بيروت: منشورات ضفاف. 2014.
  • آرنت، حنة. أسس التوتاليتارية.( ترجمة أنطوان أبو زيد). بيروت: دار الساقي، 1993.
  • آرنت، حنة. آيخمان في القدس "تقرير حول تفاهة الشر". ( ترجمة نادرة السنوسي).بيروت : دار الروافد الثقافية، 2014.
  • آرنت، حنة. " الحقيقة والسياسة: قيم الصدق والكذب في الاجتماع السياسي".( ترجمة كريم عبد الرحمن). المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية. العدد 4. 2016.
  • آرنت، حنة، في العنف.( ترجمة إبراهيم العريس). بيروت : دار الساقي. 1992.
  • أفلاطون. محاورات أفلاطون. (تقديم وترجمة زكي نجيب محفوظ). القاهرة: مكتبة الأسرة. 2001.
  • المحمداوي، علي عبود، " تدبير الذات سياسيّا : حنه آرنت وفهمها للوضع الإنساني". مؤسسة مؤمنون بلا حدود للنشر. العدد4. 2014.
  • العلوي، رشيد، "الشرط الإنساني و مشكلة الشر : مفهوم الشر السياسي عند حنه أرندت". تبين للدراسات الفكرية و الثقافية. 2015.
  • إيزاك، جفري سي. الفكر السياسي في القرن العشرين.( ترجمة مي مقلد). القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2009.
  • بورديو، بيير، العنف الرمزي.( ترجمة نظير جاهل)، بيروت : المركز الثقافي العربي. 1994.
  • بيداويد، يوحنا. " مفهوم الخير والشر عبر التاريخ الجزء الأول". الحوار المتمدن. العدد2939. 2010.
  • حرب، محمد. "مقارنة أوغسطينوس وتوما الأكويني مشكلة الشر نموذجًا". تعليم الفلسفة والحضارات. مقرر دراسي. 2010.
  • مجدلية، إبراهيم. "أنثروبولجيا الإنسان الخطاء، الشر جذريّا، الشر تافهًا، الشر مؤولًا". مجلة تبّن للدراسات الفكرية والثقافية. عدد19. 2017.
  • هانسس، بنس. " قراءة حنة آرنت في الشرق الأوسط: ملاحظات أولية في الشمولية والثورة". (ترجمة ثائر ديب).مؤسسة الدراسات الفلسطينية. العدد95. 2013.

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة