تؤذي من حولك أولا.. كيف تمزق اضطرابات الشخصية علاقاتك بالآخرين دون أن تشعر؟

"في كلّ خُطوة في الحياة، نُصادفُ إحباطا وخيبة وإهانة. فكيفَ لا تُصبح شخصيتُنا مُمزّقة؟"

(أمين معلوف، الهُويّات القاتلة)

يبدو أنّ معظم النّاس بإمكانهم أن يفهموا تماما المقصود بمصطلح "الشخصية" حتّى دون أن يقرؤوا الأوصاف العِلمية لهذا المصطلح؛ وذلك لأنّنا نتعامل في حياتنا اليومية مع مَن حَولنا على هذا الأساس، إنّنا نقول إنّ فُلانا يُحبّ الخروج من المنزل كثيرا، أو نقول إنّ فلانا انطوائيّ ويعزل نفسه ولا يُحبّ الخروج من المنزل، ونحوها من الأوصاف التي تُعبِّر عن شخصيات الأفراد من حولنا.

 

وقد يكون لدى معظمنا ذلك الصديق شديد الخجل والحياء، وقد نُقابل في الجامعة شخصا مُريبا، غريبَ الأطوار في سلوكه ولباسه وكلامه، وقد نتعامل في العمَل مع شخص ما شديد الشكّ والارتياب ولا يثق بأحد مهما كان، ويحدث أن نُصادِف مسؤولا نرجسيا لا يستمع لأحد، يتكلّم دائما عن نفسه بالإنجازات والفضل، ويؤذي النّاس مِن حوله ويُهينهم بالقول والفعل.

 

لماذا لدى معظمنا هذا الحِسّ البَدهيّ، الذي لا نعرف مصدره، والذي يجعلنا نتّفق جميعا أنّ فُلانا يتصرّف بطريقة غير طبيعية؟ ولماذا نتّفق أنّ فُلانا مزعج بالفعل؟ ولماذا يقول جميع أولئكَ الذين يتعاملون معه الشيءَ نفسه؟ لماذا لا يرى بعض الناس بأنفسهم أيّة مشكلة؟ وهل يُمكِن أن يُصاب الإنسان بمشكلات سلوكية وعاطفية واستجابات غير سويّة دون أن يُدرِك ذلك؟

 

لكلّ شخص منّا مجموعة من السِّمَات المُميّزة التي نتفرّد ونتميّز بها، فالبشر يستجيبون بطُرق مختلفة للموقف الواحد، بعضهم بشكل مسالم، وبعضهم بشكل عدائيّ، وبعضهم بشكل انسحابيّ. وهكذا فإنّ لكلٍّ منا شخصيته وطريقته المختلفة في التعاطي مع الحياة، ومع الناس من حوله، وله أساليبه المختلفة في التواصل الاجتماعيّ والمهنيّ.

 

ابتداء، لا بدّ لنا أن نُشير إلى أهمية التفريق بين السمة الشخصية (Trait) والمِزاج (Mood) والطبع (Temperament). فالمِزاج محدود زمنيا، والطبع أكثر ديمومة من المِزاج، وأمّا السِّمَات الشخصية فهي الشكل الأكثر ثباتا في شخصيتنا والتي يعرفنا الناس بها(1)، إذ حينَ يقول النّاس إنّ فلانا شديد الانفعال أو شديد الانضباط فهذه سمة شخصية تُلازمه طوال الوقت في معظم المواقف الحياتية. وهناك عدد من اختبارات الشخصية العِلمية في علم النفس التي تُعمّق فهمنا لذواتنا والتي تزيد من فهمنا لتصرّفاتنا وانفعالاتنا، ولعلّ من أبرزها على سبيل المثال: نموذج السمات الخمس للشخصية.

 

وكما أنّنا نحمل فضائلنا وسماتنا الجيّدة، فنحن نحمل عيوبنا وسماتنا السيئة، وهذا لا يعني أنّ كل سِمة سلبية أو مزعجة تُعبِّر بالضرورة عن اضطراب نفسي أو اضطراب في الشخصية، إذ لا شك أن بعض الاختلافات مقبولة، وبعض الطِّباع السيئة غير مؤذية، وبعض الطِّباع السيّئة مُحتَمَلة ومن الممكن التعايش معها دون أن تتسبّب لنا أو لمَن حولنا بخلافات جوهرية.

 

يُوصَف اضطراب الشخصية بأنّه مجموعة التصرّفات والانفعالات وأنماط التفكير الثابتة في شخصيّتنا، والتي تتسبّب لنا بمشكلات وصعوبات في فهم المواقف والأشخاص والتعاطي معهم، وتؤدّي اضطرابات الشخصية إلى مشكلات بالاتّجاهين: صعوبات في التعامل مع الآخرين، وصعوبات للآخرين في التعامل مَعنا، الأمر الذي يترتّب عليه مشكلات عديدة على مستوى العلاقات والعائلة والوظيفة والمدرسة والجامعة ونحوها من الأوساط الاجتماعية. ومن اضطرابات الشخصية: الشخصية النرجسية، الشخصية المُرتابَة (الشكّاكة)، الشخصية الاتّكالية، وغيرها ممّا سيأتي شرحه بالتفصيل.

 

لا بدّ لنا أن نُشير إلى أن الفروقات بين الاضطراب النفسي وبين اضطراب الشخصية تُعَدُّ ظاهرية. فالاضطرابات النفسية هي اختلالات طارئة على مستوى الإدراك أو السلوك أو المشاعر والانفعالات، والتي تتسبّب بإعاقة الفرد عن ممارسة حياته اليومية بشكل طبيعيّ أو تتسبّب له بالانزعاج الداخليّ أو تتسبّب له بإيذاء نفسه أو غيره، أو كلّ ما قد يُشكّل حالة استثنائية مخالفة لسلوك أو انفعالات أو إدراك النّاس السليمين.

 

ومن أمثلة الاضطرابات النفسية: التوحُّد، واضطرابات المِزاج كالاكتئاب، واضطرابات القلق والوسواس القهري، والفصام والاضطرابات الذهانية، بالإضافة إلى اضطرابات النوم وغيرها. وفي هذه الحالة، تجد الشخصَ منزعجا من حالته النفسية، إذ تتسبّب له هذه الاضطرابات بالألم والمعاناة؛ لأنّه يَعي أنّ ما يجري له لا يُمثِّل حالته الطبيعية، أي كأن يكون خائفا جدّا، أو قَلِقا بشكل غير طبيعيّ، أو يشعر بهبوط حادّ في مزاجه، ما يحرمه من أداء وظائفه اليومية كالدراسة أو مهامه الوظيفية بالشكل المطلوب.

 

أمّا اضطرابات الشخصية فهي نمط ثابت تقريبا في شخصية الفرد من سلوكيات وانفعالات وتصرّفات لا تتلاءَم مع المجتمع والمحيط، ما يتسبّب بمشكلات يومية للفرد مع نفسه أو مع زملائه وأقربائه وعائلته. إنّ اضطراب الشخصية هو مشكلة في طريقة تعاطينا مع ذواتنا ومَع مَن حولنا، من تفضيلات وأنماط سلوكية واستجابات مؤذية دون أن نُدرك ذلك.

 

وبإمكانك أن تتخيّل على سبيل المثال أثر اضطراب الشخصية المُرتابة (الشكّاكة) على مَن حوله، وعلى علاقاته، حينما يشعر أنّ النّاس مِن حوله يتآمرون عليه، وحين يستمرّ باتّهام نيّات زملائه، وحين يفترض سوء النيّة ابتداء، فيُسيء فهم كلام الناس مهما كان كلامهم عاديا، ما يجعله يشعر بالاضطهاد، أو يشعر أنّ مَن حوله يستهزئون به أو يحاولون خداعه.

 

من هنا، فإنّ أحد الملامح المُهمّة في اضطرابات الشخصية أنّ نسبة غير قليلة من المصابين بها هُم غالبا أشخاص منسجمون ذاتيا مع عيوبهم (Ego-Syntonic)، ولا يشعرون بأيّ تناقض داخليّ يدفعهم لمراجعة ذواتهم أو مساءلة تصرّفاتهم، الأمر الذي قد يَحول دون سعي هؤلاء للبحث عن علاج أو مراجعة الأطباء لتقويم سلوكهم(2).

لا ينطبق هذا على الجميع بالطبع، فبعض المصابين باضطرابات الشخصية يشعرون بعدم الانسجام الذاتي (Ego-Dystonic) لكن بنسبة أقل بكثير ممّا يحدث في حالة الاضطرابات النفسية كالاكتئاب والقلق والرهاب الاجتماعيّ الذي يُزعِج المصابين به ويُعطّلهم عن أداء وظائفهم الطبيعية(3).

 

لذلك يحدث كثيرا أن يأتي الأشخاص المُصابون باضطرابات الشخصية للعلاج عن طريق توصية وإصرار شديد مِن قِبَل عائلاتهم، أو مديريهم في العمل، أو مِن قِبَل الزوج أو الزوجة؛ نتيجة لتعرُّض الشخص المُصاب لخسارات كبيرة على مستوى العلاقات كالطلاق، أو لخسارات على المستوى المهني كأن يُطرَد من العَمَل بعد عدّة مشكلات مع زملائه، أو بسبب سلوك عدائي متكرّر تسبّب له بالسجن والعقوبات المتتالية. ولذا قد يأتي بعض المصابين باضطرابات الشخصية لتلقّي العلاج بسبب نصائح متكرّرة أو خسارات كبرى، دون أن يكونوا مقتنعين تماما بأنّهم يعانون من أي مشكلة ما.

 

بحسب الدليل الإحصائي والتشخيصي للاضطرابات النفسية (DSM-5) فإنّ معدّل انتشار اضطرابات الشخصية بالنسبة لمجموع السُّكّان يبلغ ما نسبته 12%-15%، وهي نسبة تختلف من مجتمع لآخر ومن ثقافة لأخرى بطبيعة الحال، إذ ترى بعض الدراسات أنّ نسبة الانتشار التي نعرفها حول العالَم هي 6%.

 

وكما هو مُلاحَظ، فإنّ عدد الحالات المُسجّلة سريريا أقلّ بكثير من الواقعية، على اعتبار أن الكثيرين لا يرون في أنفسهم مشكلة تستدعي التدخّل العلاجيّ، وحتى أولئك الذين قد يتنبّهون لمشكلاتهم قد يجدون صعوبات مادية أو مجتمعية متعلّقة بالوصمة الاجتماعية وغيرها من حواجز تلقّي العلاج النفسيّ، بالإضافة إلى بعض المشكلات البحثية المتعلّقة بالقدرة على عمل استقصاء أو مسح بحثي شامل لتحديد نِسَب دقيقة.

 

بشكل عام فإنّ شخصياتنا -نحنُ البشر- تتكوّن وتتطوّر بفعل عدّة عوامل: عوامل جينية وراثية، وعوامل بيئية خارجية. إذ وفقا لنموذج السمات الخَمس للشخصية، وهو النموذج الأكثر اعتمادا اليوم في الوسط العلميّ، تلعب الجينات ما نسبته 40% تقريبا في تشكيل كلّ سمة من سمات الشخصية.

 

في الوقت الذي تتشكّل فيه شخصيتنا بصورة كبيرة بفعل تجارب الطفولة بحسب نظرية التعلّق، وبفعل الثقافة والمجتمع الذي نحيا به والذي يُؤثِّر على سلوكياتنا وشخصيتنا وكيفية تواصلنا الاجتماعيّ، كما تؤدّي الثقافة والعادات والتنشئة الاجتماعية دورا في تشكيل شخصيتنا أو تعزيز أحد جوانبها. على سبيل المثال، قد تزيد المجتمعات الفردانية من المساهمة في تَشكُّل السلوك النرجسيّ لدى الأفراد الذين ينشؤون ويترعرعون بها.

 

يؤدّي التركيب العضوي والعصبي السليم للمخ ووظائف الدماغ دورا مهمّا في سلامة شخصية الإنسان، وقد تؤدّي الإصابات البالغة في المخ إلى التأثير على سلوك المتضرّر وشخصيته. أحد الأمثلة الأكثر شهرة في علم النفس الحادث الذي أصاب "فينس غيج" الذي كان يعمل في مشروع لبناء السكك الحديدية في أميركا، وتعرّض لحادث أدّى إلى دخول قضيب حديدي في رأسه مدمّرا جُزءا كبيرا من الفصّ الجبهي لدماغه.

 

ومن حسن حظّنا على الأقل أنّ "غيج" استطاع أن ينجو بعد تلقّي الإسعاف والتدخّل الجراحي والعلاج، لكنّ أصدقاء "غيج" لاحظوا أنّ تصرّفاته لَم تَعُد كما كانت في السابق، إذ تغيّر سلوكه وشخصيته إلى درجة جعلتهم يعتقدون أنّه لَم يَعُد ذلك الشخص الذي كانوا يعرفونه من قبل.

 

من هنا، فإنّ نشأة اضطرابات الشخصية من حيث هي تشوّهات في شخصية الإنسان إنّما قد تنشأ لخلل وظيفيّ أو إصابة تؤثّر على عمل الدماغ، ويلعب العامل الوراثي جُزءا في تشكُّل شخصيته كما تُرشدنا الأبحاث، وهو ما يتطابق مع المَثَل الشعبي القائل: "مَن شابه أباه فما ظلم"، وتلعب تجارب الطفولة السيّئة والإساءة والعنف والإهمال العاطفي وبيئة المنزل: مثل انفصال الأهل، دورا في تشويه شخصية الإنسان، وكذلك فإنّ الحَيّ أو المدرسة والبيئة والمجتمع المحيط والتجارب التي نمرّ بها خلال حياتنا جميعها تُسهم في تعزيز نشوء اضطراب الشخصية.

 

بشكل عام، يُمكن القول، ومع الأسف، إنّ اضطرابات الشخصية أكثر استعصاء على العلاج مقارنة بالاضطرابات النفسية(4). ويرجع هذا لطبيعة اضطرابات الشخصية، إذ إنّ غالب الأشخاص لا يرون في أنفسهم أيّ مشكلة أساسا، كما أنّهم عالقون في قالب متصلّب من السلوكيات والاستجابات والانفعالات التي اعتادوا التصّرف على أساسها طوال عمرهم، وصارت مُلازمة لهم ولما يعرفونه عن أنفسهم.

 

لا يشمل هذا جميع الاضطرابات بالطبع، فبعدما كان علاج اضطراب الشخصية الحدّية أمرا شديد الصعوبة قبل عشرات السنين، بات اليوم أكثر سهولة نسبيا بعدما قامت مارشا لينهان (عالمة النفس) بتطوير العلاج الجدلي السلوكيّ، الذي أثبت فاعلية علاجية عالية للمصابين باضطراب الشخصية الحدّية(5).

 

ومن الجدير بالذكر أنّ لينهان نفسها كانت مصابة باضطراب الشخصية الحدّية وقضت فترة صعبة من حياتها تُعاني بسبب اضطراب شخصيتها وانفعالها وإقدامها على الانتحار عدّة مرّات، فيما قضت جزءا غير قليل من حياتها في المشافي النفسية، متنقّلة بين المعالجين والأطباء النفسيين بلا جدوى، إلى أن قامت هي نفسها بالتعمّق في فهم اضطرابها وإدارة انفعالاتها واستحدثت تقنيات العلاج الجدليّ السلوكيّ، الذي صار اليوم أحد أفضل العلاجات النفسية المستخدمة لاضطراب الشخصية الحدّية واضطرابات نفسية أخرى.

 

والحقيقة أن علاج اضطرابات الشخصية يحتاج إلى أطباء ومعالجين نفسيين مَهرة وصَبورين وشديدي الاحترافية. ولأنّ التقدّم يكون في معظم الحالات بطيئا للغاية على مستوى العملية العلاجية، فإنّ بعض المعالجين لا يُحبِّذون قضاء فترات طويلة لعلاج المصابين باضطرابات الشخصية دون أن يَروا أي تقدُّم ملحوظ.

رغم هذا كلّه، تُشير الدراسات إلى بعض الآمال العلاجية الواعدة(6)، والتي تُبدي قدرا من الفاعلية والنجاح لعدد من اضطرابات الشخصية، مثل العلاج التخطيطيّ، والتحليل النفسيّ، والعلاج الجدليّ السلوكيّ، والعلاج المعرفي السلوكيّ، وفلسفات تعميق فهم الإنسان لذاته وتسليحه بتقنيات علاجية لإدارة مشكلاته الداخلية. وقد يقوم الطبيب النفسيّ بوصف الأدوية في بعض الحالات المحدودة للسيطرة على انفعالات أو سلوكيات مُحدّدة مُصاحبة لبعض الاضطرابات.

 

من الأمور المُبشّرة أيضا أنّ هناك العديد من التقنيات العِلاجية التي تُسهم في علاج الأعراض الحادّة للعديد من الاضطرابات، ومِن ثَمّ -كطريقة إجرائية، وبدلا من علاج الاضطراب ككلّ- يساعدك الطبيب النفسيّ والمعالج، على الأقل، على أنّ تُسيطر على الكثير من الأعراض والمشكلات الحادّة وأن تضبطها وتخفّف من حِدّتها وآثارها السلبية، مثل تقنيات ضبط العواطف والانفعالات والتأمّل، وتحييد طرق التفكير المُقلِقَة، الأمر الذي يرفع من جودة حياتك الشخصية، ويُقلّل العديد من المشكلات اليومية، ويحدّ من الاصطدام مع الظروف الخارجية بشكل غير صحّي(7).

 

يتبيّن لكَ أنّ اضطراب الشخصية يُعبِّر عن مشكلات دائمة وطويلة المَدى موجودة في شخصية الإنسان، تعوقه عن التواصل بشكل صحّي ولائق مع المجتمع والنّاس من حوله، بالإضافة إلى مشكلات متعلّقة بالطريقة التي يتعاطى بها الإنسان مع ذاته وعواطفه وتفكيره وانفعالاته. وحين نقول إنّ شخصا ما مُصاب باضطراب الشخصية فهو غالبا يُعاني من صعوبات في التعاطي مَع مَن حوله بدون مشكلات، ويعاني من قلق داخلي بسبب ما تَعُود به عليه سماته الشخصية من مشكلات وإحراج وفشل.

 

لكن وجود هذه التصنيفات الاضطرابية للشخصية بحدّ ذاته يُعبِّر بطريقة أو بأخرى عن مِزاج عالمي يوافق اعتبارات جديدة في كلّ مرّة، بحيث إنّ الطبيعي/غير الطبيعي قد يتغيّر تبعا للمناخ العام للمجتمعات. هذا لا يعني أنّه لا يوجد بالفعل اضطرابات شخصية، لأنّ معاناة الأشخاص من أنفسهم وتعبيرهم عن تعطّلهم الذاتي وانزعاجهم من مشكلاتهم هو أكبر دليل على وجود ما هو غير طبيعي.

على سبيل المثال، يستند كثير من الأطبّاء لتأكيد أنّ "المثلية" ليست اضطرابا إلى أنّ النسخة الخامسة من الدليل الإحصائيّ والتشخيصي للاضطرابات النفسية قد أزالت المثلية من صفحاتها، دلالة على أنّه لَم يَعُد اضطرابا. لكن بالنظر للدليل الإحصائي نفسه في نسخته الثالثة مثلا، نجد أنه كان يعتبر أنّ العديد من النساء يُمكِن تشخيصهن باضطراب الشخصية المُستقلّة(8) (Independent Personality Disorder)، وهو الاضطراب الذي يُشخّص الإناث بأنّهن يحتجن إلى علاج نفسي؛ لأنّهنّ يجعلن أولويات عَملهن ووظيفتهن فوق علاقتهن الشخصية، ويتردّدن في اتّخاذ القرارات العائلية لأنّهن يحسبن أثر القرار على وظائفهن، كما أنّهنّ على استعداد للاستعانة بأشخاص آخرين للاهتمام بالأمور العائلية مثل: الطلب من الزوج أن يعتني بالأطفال في غيابهنّ.

 

لاحظ أنّ اضطراب الشخصية المُستقلّة اضطراب قائم على فهم ذكوريّ قديم للمرأة، وهو وإن لم يعد موجودا اليوم لكنّه يطرح أسئلة حول هذه المرجعية السياقية، والتي تتأثّر بالمناخ العالمي في ظِلّ لحظة تاريخية محدّدة، ويطرح الشكوك إذا ما كُنّا اليوم نُصنِّف الكثير من النّاس باضطرابات بسبب مِزاج عالمي مهيمن قد يتغيّر بعد عشرات السنين، فيصير ما هو غير طبيعي أمرا طبيعيّا، والعكس.

 

منهجيا، يستخدم الأطباء النفسيون وعلماء النفس طريقتين للتعاطي مع اضطرابات الشخصية، تُمثِّل الطريقة الأولى التصنيف الفئوي لاضطرابات الشخصية، بحيث تُقسَّم الاضطرابات إلى أنواع وأقسام لها شروط تشخيصية مشتركة، وهذه الطريقة هي الأكثر شيوعا والمستخدمة في هذا المقال. في المقابل، هناك طريقة أخرى أوسع وأكثر مرونة تُمثِّل طيفا من سمات الشخصية التي تُعبِّر عن اضطراب، ومن ثم يتعامل هذا النموذج مع الشخصية كأبعاد حول إدراك الواقع والذات والانفعال والسلوك، وكلّ تعطّل بكُلّ سِمة أو بُعد من أبعاد الشخصية يُعبِّر عن اضطراب بحدّ ذاته.

 

وقبل البدء بذكر أنواع اضطرابات الشخصية(9)، جدير بالذكر أنّ الإنسان الواحد قد يُصاب بأكثر من اضطراب شخصية في الوقت نفسه، بل هناك دراسات تُبيّن الترافق الإحصائي بين أكثر من اضطراب شخصية، بحيث إنّ الشخص المُصاب باضطراب الشخصية الارتيابية قد يكون -في الغالب- مُصابا أيضا باضطراب الشخصية الانعزالية، وهكذا. ستجد في نهاية كلّ نوع من اضطرابات الشخصية اقتراحا لفيلم سينمائي تُمثِّل أحداثه والشخصيات الرئيسية فيه تطبيقا عمليا للاضطراب الموصوف سابقا.

 

المجموعة الأولى: غريبو الأطوار

 

اضطراب الشخصية الارتيابية (PPD)

"لا يُمكنني أن أثق بأحد، الجميع يتربّص بي".

على الرغم من أنّ الحذر من الآخرين سلوك طبيعي، فإنّ الإفراط في عدم الثقة بالآخرين يُؤثِّر سلبا في إمكانية إنشاء الصداقات ويعوق التواصل والنجاح في بيئة العمل، لأنّها بيئة تقتضي التعامل مع الآخرين، وحين نرتاب منهم أو نشكّ في نيّاتهم أو نشعر بأنّهم يريدون استغلالنا أو اضطهادنا فإنّ هذا سيؤدّي إلى إبعادنا وكراهيتنا وفشل العلاقات التي نخوضها؛ لأنّ أساس أيّ علاقة: الثقة. من هنا، فإنّ الشخص الارتيابي يُعاني كثيرا على مستوى العلاقات، ويُرهِق الدوائر القريبة من حوله بكثرة التشكّك والارتياب وحتّى الاتّهام، أيّ اتّهام أبسط التصرّفات والمَقولات باعتبارها عبارات وأفعالا مقصودة أُريدَ بها سوء النيّة.

 

الأشخاص الارتيابيون كثيرو الشكّ في نيّات الآخرين ومقاصد أفعالهم وأقوالهم، لذلك كثيرا ما يسألون أسئلة من نوع "ما الذي تقصده؟" في محاولة لاتّهامك ولحمل كلامك على مقصد غير الذي قصدت ابتداء. ينجم هذا بالطبع عن شعور داخلي بالاضطهاد والشعور بالاستهداف، ولهذا فحين يتحدّث شخصان في مكتب العمل وحدهم في الاستراحة، فإنّ الشخص الارتيابي لَن يرتاح وسيعتقد جازما أنّهم يتحدّثون عنه، ويرى في نظراتهم وسلوكياتهم اللاحقة تأكيدا لشكوكه وإن كانوا لا يفكّرون به أساسا.

فيلم نظرية المؤامرة (Conspiracy Theory)

الشكّ وكثرة الاشتباه وإساءة الفهم وتأويل كلام النّاس لمقاصد سلبية كلّها سلوكيات تُعبِّر عن اضطراب الشخصية الارتيابية. مع هذا فإنّ الشخصيات الارتيابية تتمظهر بطرق مختلفة، بعضها قد يبقى صامتا، وبعضها قد يكون كثير الهجوم والجدل، وبعضها قد يكون كثير الشكوى والتذمّر. ويُعتَبَر اضطراب الشخصية الارتيابية من الاضطرابات صعبة العلاج؛ لأنّ الجزء الأهمّ في العملية العلاجية أن يثق الشخص الذي يعاني من هذا الاضطراب بالمُعالِج أو الطبيب النفسيّ وبخُططه العلاجية دون ارتياب.

 

اضطراب الشخصية الانعزالية (SZPD) 

"ليس لديّ رغبة بالتعرّف على أيّ شخص، العلاقات العاطفية فوضى ولا يُمكِن احتمالها، والعلاقات الاجتماعية لا تعود علينا إلّا بالأذى".

هل تعرف ذلك الشخص الذي يُفضِّل أن يكون وَحيدا؟ يأتي إلى المحاضرة وحده ويغادر وحده، وينزعج إذا ما قام أحد باختراق عزلته، ويكره أن يشاركه أي أحد أيّ نشاط أو مشاعر، ولا يشعر بأيّ مشكلة في بقائه وحيدا؟

 

بشكل عام، المُصابون باضطراب الشخصية الانعزالية ليس لديهم أيّ رغبة داخلية بإنشاء العلاقات الحميمية كالصداقات أو إنشاء عائلة، ولديهم رغبة قليلة أو شبه معدومة على مستوى التجربة الجنسية مع شخص آخر. يفتقرون للأصدقاء المقرّبين، لا يتأثّرون بالمديح أو النقد حيال سلوكهم الاجتماعي، لكنّ النسخة الجديدة من الدليل التشخيصي تُشير إلى أنّ بعض المُصابين قد يكون لديهم حساسية تجاه نقد الآخرين لهم، لكن دون رغبة لديهم بالتعبير عن مشاعرهم حيال النقد.

فيلم "بقايا اليوم" (The Remains of The Day)

 

اضطراب الشخصية الفصامية (STPD)

"أعتقد أنّني سأتلقّى اتّصالا أو رسالة من الفضائيين خلال السنين القليلة القادمة".

المُصابون باضطراب الشخصية الفصامية يُظهِرون أعراضا شبه فصامية تقترب من الاضطراب النفسيّ الشهير الفصام، لكنّه ليسَ فصاما تامّا أو حادّا ولا يظهر على شكل تهيّؤات صوتية أو مَرئية، لكنّهم قد يُطوِّرون بعض القناعات الغريبة والسحرية بخصوص أمور بعيدة عن الواقع.

 

بشكل عام، المصابون باضطراب الشخصية الفصامية لديهم صعوبات في التواصل الاجتماعي وبعض الأنماط السلوكية الغريبة. يحدث أن يتبنّى هؤلاء الأشخاص قناعات تتعلّق بالرسائل الكونية لشخوصهم، مثل تأويل العديد من الأحداث وكأنّها تخصّهم شخصيا وأنّها تُوجّه لهم رسالة ما، وقد يكون لديهم بعض القناعات الغريبة التي لا تتلاءم مع الثقافة العامّة للمجتمع، مثل إيمانهم بقدرتهم على الاستبصار أو استشراف المستقبل أو التخاطر أو أنّهم يملكون حاسّة سادسة.

 

أيضا قد يظهر المصابون باضطراب الشخصية الفصامية بملابس غير متناسقة أو بمظهر غير لائق يُعبِّر عن شخص غريب الأطوار، وقد يستخدمون عبارات غامضة وغير مفهومة، وقد ينهمكون بإجراء تجارب أو اختراعات غريبة مثل التواصل مع الجدران مثلا.

فيلم "سائق التاكسي" (Taxi Driver)

المجموعة الثانية: الجامحون

اضطراب الشخصية النرجسية (NPD)

"بما أنّني شخص مميّز واستثنائي، فأنا أستحقّ معاملة مختلفة وامتيازات إضافية"

اضطراب الشخصية النرجسية قد يكون أحد أكثر الاضطرابات شُهرة وشيوعا بين النّاس، من حيث التداول العالي للفظة "النرجسية" التي تُعبِّر عن الشخص المُعتدّ كثيرا بنفسه إلى حدٍّ يصل إلى ما يُسمّى بجنون العظمة.

 

يُبالغ النرجسيون بنسبة الإنجازات والمواهب لأنفسهم، ويُفضِّلون دائما أن يتباهوا بأنفسهم وأن يُظهِروا بكلّ صراحة مدى تفوّقهم على الآخرين، وهذا لا يتمّ في كثير من الأحيان إلّا عبر تسخيف وإهانة الآخرين والحطّ من قدرهم.

 

يُحبّ الشخص النرجسيّ أن يكون مَوضع اهتمام وحديث الآخرين، ويُزعجه أن يكون في وَسَط لا يُحقّق له هذا، وهو شخص مهجوس بأوهام مُتعلّقة بالقدرات غير المحدودة مثل الجَمال أو القوّة غير المحدودة. أمّا على مستوى العلاقات فالشخص النرجسي استغلالي وانتهازيّ، أيّ إنّه يستغلّ شريكه والآخرين بطريقة تخدم مصالحه الخاصّة فقط، ولو كان هذا على حساب سحقهم وإيذائهم.

 

الشخص النرجسيّ غالبا لا يشعر بالتعاطف مع الآخرين ويعتبر أنّهم يستحقّون مُعاناتهم أو فقرهم أو فشلهم، ويصعب عليه أن يضع نفسه مَوضع الآخرين من شدّة تمركزه حول ذاته، كما أنّه غالبا ما يحسد الآخرين ويعتقد أنّ الآخرين يحسدونه وينافسونه على ما يملك.

فيلم "الموت من أجله"  (To Die For)

 

اضطراب الشخصية الدرامية (HPD) 

"أُريد أن أكون محطّ اهتمام الآخرين، لا بدّ أنّهم يُحبّونني ومُعجَبون بي".

اضطراب الشخصية الدرامية يُعبِّر عن الشخص الذي يقوم بشكل دائم بسلوكيات وردود أفعال تمثيلية للغاية بطريقة مليئة بالانفعالات الدرامية بوصفها وسيلة لإثارة انتباه الآخرين ولَفت أنظارهم إليه، ويبالغ كثيرا في طريقة التعبير عن مشاعره.

 

المُصابون باضطراب الشخصية الدرامية لا يشعرون بالارتياح حيال المواقف والأماكن التي لا يكونون فيها مَركز اهتمام الآخرين؛ لذلك قد يقومون بارتكاب أفعال غريبة وغير اعتيادية لكي يَلفتوا انتباه الآخرين إليهم.

 

يستخدم الأشخاص الدراميون كثيرا التعابير والإيماءات الجسدية ومَظهرهم الخارجي لكي يلفتوا انتباه الآخرين إليهم، وقد يستخدمون بعض الطُرُق الإغوائية أو الابتزازية كي يتمكّنوا من ذلك.

فيلم "فتيات لئيمات" (Mean Girls)

اضطراب الشخصية الحدّية (BPD) 

"أنا أستحقّ العقاب والإهانة"

يُعتبر اضطراب الشخصية الحدّية من أكثر الاضطرابات التي تُظهِر فرقا على المُستوى الجندري، فالإناث يُسجّلن ثلاثة أضعاف الرجال من حيث نسبة الإصابة بهذا الاضطراب. ولفظة "الحدّي" في توصيف الاضطراب هي تعبير عن الانتقال السريع والمُفاجئ بين الانفعالات والمشاعر المتناقضة، مثل الانتقال بين الحبّ الشديد والكراهية الشديدة، أو الهدوء والغضب، أو الرغبة بالشيء وعدم الرغبة الفُجائية به.

 

بشكل عام يُمكن أن نفهم الكثير عن اضطراب الشخصية الحدّية إذا ما فهمناه على هيئة عجز الفرد المُصاب عن إدارة انفعالاته ومشاعره وسلوكياته. ومن ثم فنحنُ هُنا نتحدّث عن انفعالية عالية، واندفاعية مرتفعة، وعدم استقرار الشخص نفسيا على المُستوى الداخلي واضطرابه وتبدّله الفُجائي حيال ما يُريده وما لا يُريده، وتبدّله السريع بين المشاعر المُتناقضة.

المُصاب باضطراب الشخصية الحدّية لديه خوف مرتفع من الهجران أو التخلّي عنه، وغالبا يحدث هذا على هيئة تخوّفات مُتخيّلة في ذهنه. كما أنّ هناك تبدّلات حادّة وغير مستقرّة على مستوى التعميمات أو التصوّرات التي يبنيها الشخص حيال النّاس من حوله، وهذا المظهر النفسي مهم جدّا لدى المُصابين باضطّراب الشخصية الحدّية "الفصل" (Splitting) والتفكير على هيئة ثُنائية حادّة (أبيض/أسود) مثلا:

– كلّ النّاس مُجرمون.

– هذا الشخص هو الشخص الوحيد الرائع.

– كلّ الأطباء الذين قابلتهم سيّئون، أنتَ الوحيد الجيّد.

 

الغضب الشديد، والانفعال غير الطبيعي بالصراخ والتكسير، والشعور بالفراغ، جميعها أعراض تترافق مع هذا الاضطراب. ومن الشائع أيضا أن ينخرط المُصابون بهذا الاضطراب في أفعال متهوّرة عديدة وجامحة للغاية، مثل الجنس غير المنضبط، وتعاطي المخدرات، أو الشراهة غير العادية في تناول الطعام، بالإضافة إلى شعور متذبذب بتدنّي تقدير الذات، وما يعقبه من محاولات لإيذاء النفس.

 

الإقدام على محاولات الانتحار والابتزاز بإيذاء النفس والتهديد والمُضايقة من السلوكيات الشائعة عند المصابين باضطراب الشخصية الحدّية، ولكن لحُسن الحظّ فإنّ اضطراب الشخصية الحدّية من بين جميع الاضطرابات -كما سبق الذكر- يملك أسلوبا علاجيّا فعّالا جدّا، وهو العلاج الجدلي السلوكيّ الذي طوّرته مارشا لينهان.

فيلم "فتاة، قوطعت"  (Girl, Interrupted)

اضطراب الشخصية المُعادية للمُجتمع (AsPD)

"يحقّ لي أن أخرق القوانين بالكيفية التي أُريد".

يشيع تداول عبارة "Anti-Social" ليُعبِّر بعض الأشخاص عن أنفسهم بأنّهم مُنعزلون ولا يُحبّون الاختلاط بالمُجتمع، وهذا يختلف عن الاستخدام العِلمي والطبّي لمصطلح العِداء للمُجتَمَع (Anti-Social) للتعبير عن المجرمين الذين ينتهكون الأنظمة والقوانين ويؤذون مَن حولهم بلا رأفة.

 

من بين جميع اضطرابات الشخصية، يحتلّ اضطراب الشخصية المُعادية للمُجتمع مكانة خاصة وحسّاسة، وهو الاضطراب الذي يحظى بأكبر اهتمام بحثيّ في العالَم اليوم لغايات مُجتمعية وقانونية. يُعبِّر اضطراب الشخصية المُعادية للمُجتمع عن الشخصية التي لا تشعر بالرأفة أو الرحمة أو العطف، وهو التشخيص الذي يُوصَم به جزء كبير من القاتلين المُتسلسلين والمُجرمين ومَن يخترقون القوانين باستمرار.

 

يتداول النّاس مُصطلحات عديدة من أجل الإشارة إلى الشخصية الإجرامية أو المريضة نفسيّا، مثل عبارات "Psychopath" أو "Sociopath" أي المُعتلّ النفسيّ أو المُعتلّ اجتماعيا. وحين يُوصَف أحدهم بالاعتلال، إشارة إلى الأشخاص المُتلاعبين بالآخرين وشديدي الأذى، فنحنُ غالبا نتحدّث عن أحد الاضطرابات التي تقع في هذه المجموعة (الجامحون) من الاضطرابات، وبالأخصّ اضطراب الشخصية النرجسية واضطراب الشخصية المُعادية للمُجتمع. عِلميا لَم تَعُد لفظة المُعتلّ نفسيا (Psychopath) مُستخدمة ولا تُعبِّر عن تشخيص بعينه، وإنما استُبدلَت بحسب التشخيص والسلوكيات بأحد الاضطرابات الموجودة ضمن عائلة "الجامحون" في الغالب.

وُضِعت تفسيرات علمية عديدة كمحاولة للإجابة عن مشكلة عدم الشعور بالرأفة أو الرحمة، واستمرار انتهاك القانون وإيذاء النّاس، من بينها نظريات تتحدّث عن عطب بيولوجيّ يمنعهم من الشعور بهذه الرأفة، ومنها نظريات تتحدّث عن مستوى الإثارة الشعوري المُتدنّي للشخصيات المُعادية للمُجتمع، بوضعهم الطبيعي، وأنّهم لا يشعرون بالإثارة إلّا إذا أقدموا على هذه السلوكيات الخطيرة والجامحة.

 

النقطة المُهمّة هُنا هي أنّ هذا الاضطراب تحديدا، من بين اضطرابات الشخصية جميعها، هو الأكثر استعصاء على العلاج، على الرغم من وجود محاولات علمية عديدة ونماذج علاجية عديدة تحاول ضبطها قدر الإمكان، ويُعَدُّ تيد باندي (الذي يظهر في الصورة أدناه) أحد أشهر القتلة المُتسلسلين الذين شُخِّصوا باضطراب الشخصية المُعادية للمجتمع.

المجموعة الثالثة: القَلِقون

اضطراب الشخصية الاجتنابية (AvPD)

"لو عَرَفَ النّاس شخصيتي الحقيقية لرفضوا الحديث معي ولتراجعوا عن إعجابهم بي"

كما يُوحي الاسم فإنّ اضطراب الشخصية الاجتنابية يُعبِّر عن الشخصية التي تتجنّب الاختلاط الاجتماعيّ؛ لأنّها تشعر بالقلق والخَوف من آراء الآخرين حيالهم. هذا الاضطراب تعبير عن حساسية المَرء لانطباعات الآخرين عن ذاته، والخوف من الرفض أو النقد. وهذا الاضطراب -خلافا لباقي الاضطرابات- من أكثر الاضطرابات التي تجد تدخّلات علاجية كثيرة وناجعة قائمة على تمارين التقويم السلوكيّ.

 

يفترق اضطراب الشخصية الاجتنابية عن اضطراب الشخصية الانعزالية في أنّ الشخصية الاجتنابية تودّ الانخراط والقيام بأنشطة اجتماعية لكنّها تشعر بالخوف والقلق حيال صورتها ونجاحها أو فشلها؛ الأمر الذي يدفعها لتجنّب الاختلاط الاجتماعي من أساسه كطريقة لتخفيف القلق والتوتّر الناجم. لكنّ الشخصية الانعزالية لا تعاني من قلق داخلي، هي بالفعل غير مهتمّة داخليا بإنشاء أيّ تواصل مع الخارج الاجتماعي ولا تجد رغبة في القيام بأنشطة اجتماعية، فتُفضِّل أن تبقى وحدها دون أن تشعر بالأسى حِيال عدم الانخراط الاجتماعيّ.

 

يرتبط اضطراب الشخصية الاجتنابي بتدنّي تقدير الذات، والصورة السلبية التي يراها الفرد عن نفسه، وهي الصورة نفسها التي يخشى أن تنكشف للآخرين. يُعتَقَد عِلميا بمركزية العامل التربوي في نشأة هذا الاضطراب، فمثلا يُشار إلى أنّ الأبناء الذين يُولَدون بطِباع صعبة وحادّة عادة ما يتلقّون نقدا حادّا من قِبَل أهاليهم، ورفضا وإهمالا وانتقادات متواصلة خلال فترة طفولتهم، الأمر الذي يُؤدّي إلى تدنّي صورة الذات؛ ومن ثم الحرج منها والميل لتجنّب النشاطات الاجتماعية.

فيلم "زليج" (Zelig)

وقد يسأل المَرء كيف يفترق هذا عن الرهاب أو القلق الاجتماعيّ (Social anxiety)؟ وبشكل عام يُمكِن القَول إنّ الرهاب الاجتماعيّ يختصّ بمواقف مُحدّدة وفترة زمنية محدودة مثل التحدّث أمام الجماهير، واجتماع العمل، لكنّه لا ينسحب لخارج نطاق المواقف المُثيرة للقلق. أمّا في حالة اضطراب الشخصية الاجتنابية فهذا يشمل تجنّب مُعظَم النشاطات الاجتماعية حتّى مع العديد من الدوائر القريبة والمُقرّبة وبشكل مُستمرّ على مدار السنين.

 

اضطراب الشخصية الاتّكالية (DPD) 

"أحتاج إلى وجود أشخاص من حولي، لا أريد أن أتحمّل مسؤولية أيّ قرار، أحتاج إلى علاقة تمنحني المال لكي أكون سعيدا".

يُعبِّر اضطراب الشخصية الاتّكالية عن الأشخاص الذين يعتمدون بشكل مُفرِط على الآخرين في حياتهم ليتّخذوا عنهم قراراتهم اليومية صغيرها وكبيرها، ويتشبّثون بشركائهم بطريقة تصل إلى حدّ الخضوع والإهانة أحيانا. يرتبط هذا بشعور عالٍ بالخوف من الهجران، وهم حسّاسون جدّا للنقد، لأنّ النقد بنظرهم يُعبِّر عن الرفض، تماما كما يحدث عند اضطراب الشخصية الاجتنابية. أيضا يحتاج الاتّكاليون إلى التأكيد الدائم على أفعالهم وتصرّفاتهم وقراراتهم، هذا يُشعرهم بأنّهم موجودون وأنّ الآخرين يعتنون بهم ولَم يهجروهم بَعد.

 

يجد الاتّكاليون صعوبة في اتّخاذ قراراتهم اليومية، ويحتاجون دائما إلى عنصر أساسيّ لتوكيد أفعالهم ليمنحهم الاطمئنان، ولا يحبّون أن يتحمّلوا أيّ مسؤولية لأي فعل، وهُم أيضا لا يُحبّون الخلاف أو معارضة آراء الآخرين؛ لأنّ هذا -باعتقادهم- من شأنه أن يُعرّضهم للرفض والإقصاء.

 

كأيّ اضطراب شخصية ونفسي آخر، يتداخل العامل الوراثي في حدوث هذا الاضطراب، لكن يبدو أنّ عامل التنشئة الاجتماعية مهم جدّا في نشأة هذا الاضطراب وهذا النمط السلوكيّ، إذ يعتمد كثيرا على الطريقة التربوية للطفل من حيث إبقاؤه شخصا اتّكاليّا واعتماديّا لا يختبر حرّيته ولا يُحمَّل مسؤولية اتّخاذ قراراته، ومن ثم فاتّخاذ جميع القرارات بالنيابة عن الطفل وحرمانه فرصة اعتماده على نفسه قد يؤدّي إلى أعطاب دائمة في سلوكياته واعتياد بقائه شخصا سلبيّا خاضعا للآخرين ولوجودهم.

 

وبإمكانك أن تتخيّل أنّ واحدا من أسوأ أنواع العلاقات العاطفية هو المزيج الذي يجمع طرفا مُشخّصا باضطراب الشخصية الاتّكالية والطرف الآخر مُشخّصا باضطراب من المجموعة الثانية (الجامحون) مثل: شخصية نرجسية أو حدّية، بحيث يعزّز كل طرف اضطراب الآخر، ويستمدّ أحدهم قوّته من ضعف الآخر، فيما لا يستطيع الضعيف إلّا أن يزداد اتّكالية واعتمادية وبؤسا.

فيلم "عندما يحب رجل امرأة"  (When a Man Loves a Woman)

 

اضطراب الشخصية الوسواسية (OCPD)

"يجب أن تكون جميع الأمور في مكانها الصحيح، يجب على الآخرين أن يكونوا دقيقين في كلّ شيء"

يُوصَف المُشخَّصون باضطراب الشخصية الوسواسية بأنّهم الأفراد الذين يُكثرون من التشديد على سير الأمور بطريقتها المُثلى والصحيحة، إنّهم دقيقو المُلاحظة، يهتمّون بالتفاصيل، ولا يستطيعون أن يتجاوزوا الأمور الناقصة أو المُشوّهة أو غير الصحيحة دون أن يقوموا بنقدها أو تصحيحها أو إتمامها على أكمل وجه. ويظهر هذا في أنماط سلوكية جامدة وصلبة وعنيدة لا توافق على أيّ شيء بسهولة دون تحليل للتفاصيل، وهو أمر مرهق للآخرين ومستنزف للتواصل اليوميّ بطبيعة الحال.

 

وقد يحسد النّاس هذا النوع من الأشخاص؛ لأنّهم -كما يبدون للوَهلة الأولى- مُثابرون ومتفانون، لكنّ مثاليتهم الزائدة تحرمهم إنجاز الكثير من الأمور؛ لأنّهم يظلّون عالقين بأنشطة كثيرة غير راضين عن نقصها، وهذا بالطبع يتسبّب لهم بالقلق والانزعاج الدائم، ولذلك تقع هذه الشخصية تحت مجموعة الاضطرابات الثالثة للشخصية (القلقون)، لأنّهم لا يرتاحون، وهم منهمكون دائما بتخفيف انزعاجهم من عدم سير الأمور بطريقتها الصحيحة، وتتبُّع التفاصيل الدقيقة للأمور.

 

هنا أيضا يجب أن نُميِّز بين اضطراب الشخصية الوسواسية (OCPD) وبين الاضطراب النفسي الشهير الوسواس القهري (OCD).

فيلم "الطيار"  (The Aviator)

 

أولا: لا تقم بتصنيف النّاس من حَولِك ولا تشخيصهم.

هذه مهمّة الطبيب النفسيّ وليس مهمّتك الشخصية؛ لأنّ عملية التشخيص تتطلّب معرفة واسعة بالطبّ النفسيّ، وتستدخل عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية عديدة، بالإضافة إلى أنّها تحتاج إلى تتبّع زمني للسلوكيات والانفعالات، ولأنّ دخولك لمعترك التشخيص قد يتحوّل إلى متلازمة وهَوس لا يمكنك أن تفهم النّاس إلّا من خلاله، وهذا أحد محاذير الهوس بالتشخيص الذي قد يتحوّل لاضطراب بحدّ ذاته، مثل متلازمة طالب الطبّ (Medical student syndrome).

ثانيا: كُن دائما على استعداد لمراجعة ذاتك وتلقّي النقد.

في حال واجهتك العديد من المشكلات المهنية والاجتماعية، وفي حال كُنتَ تتلقّى نقدا دائما من نوع مُعيّن، فمن الضروري ألا تحصر نفسك في خانة من الاتّهام والشعور بأنّك ضحية بقدر سعيك لأخذ ما يتكرّر من ملاحظات حولك بعين الاعتبار. هذا لا يعني بالضرورة أنّ انتقادات النّاس ستكون صحيحة، لكنّها قد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة، لذلك يجب أن تبقى منفتحا دائما لتلقّي النقد ومراجعة نفسك وإن كان الاعتراف مؤلما.

ثالثا: الجأ دائما إلى المختصّ والطبيب النفسيّ لمساعدة نفسك.

إنقاذك لنفسك مسؤوليتك الشخصية، لا تشعر بأيّ حَرَج في أن تذهب لمراجعة الطبيب النفسيّ، ففي نهاية المطاف يذهب كلّ أولئك الذين تخشاهم، وتعيش حياتك وحدك تُعاني بسبب انفعالاتك وسلوكياتك التي تعود عليك وعلى غيرك بالأذى. لذلك لا تعبأ بكلام الآخرين؛ لأنّها في النهاية مسؤوليتك الشخصية، ولا يعيبك أن تذهب لتقويم نفسك، ولكن يعيبك أن ترفض مساعدة نفسك.

رابعا: أن تفهم تعقيدات اضطراب الشخصية.

الاضطراب النفسي واضطراب الشخصية كما سبق الذكر يتداخل في نشأته عوامل بيولوجية وتربوية واجتماعية، لذلك يجب أن تدرك أنّ النّاس ليسوا سببا في تشوّههم بالضرورة، البعض لا يتاح له أن يُولَد في بيئة صحّية، والبعض قد ينشأ لدى والدين لئيمين أو مضطربين يؤذون أطفالهم ويُهملونهم، بالإضافة إلى العامل الوراثي والبيولوجي، هذا يجب أن يدفعك لأن تتفهّم أنّ الناس أحيانا ليسوا إلّا ضحايا لظروف عديدة لم تكن باختيارهم.

خامسا: التعاطف ومساعدة الناس من حولك.

إذا شعرت أنّ أحد أصدقائك أو أحد أفراد عائلتك يعاني من مشكلات حادّة في شخصيته تحرمه من تحقّق ذاته بشكل كامل، أو تتسبّب له بالكثير من المشكلات الاجتماعية في الوظيفة والجامعة والأُسرة ومَع مَن حوله، فالأفضل أن تكون عنصرا لتفَهُّمه واحتوائه بدلا من انتقاده وهجومه. وحين تفهم تعقيدات اضطرابات الشخصية فهذا يُتيح لكَ فرصة أفضل للتعاطف معه ومساعدته، من هنا كُن حذرا في نصيحته وفي إرشاده لمراجعة الطبيب النفسيّ بطريقة لا تُشعره بالإهانة أو الهجوم، وإنّما بطرق ذكية وغير مباشرة.

______________________________________________________

المصادر

  1.  Xinyin Chen Louis A. Schmidt. Temperament and Personality, 2015
  2.  Hart, W., Tortoriello, G. and Richardson, K., 2018. Are personality disorder traits ego-syntonic or ego-dystonic? Revisiting the issue by considering functionality. Journal of Research in Personality, 76, pp.124-128.
  3.  Berghuis, H., Kamphuis, J. and Verheul, R., 2012. Core Features of Personality Disorder: Differentiating General Personality Dysfunctioning from Personality Traits. Journal of Personality Disorders, 26(5), pp.704-716.
  4.  Anthony W Bateman, John Ganderson, Roger Mulder,Treatment of personality disorder, 2015. The Lancet.
  5.  Marsha M Linehan, Klaus Lieb, Martin Bohus. Borderline Personality Disorder, 2004. The Lancet.
  6.  Jana Volkert, Sophie Hauschild, Svenja Taubner. Mentalization-Based Treatment for Personality Disorders: Efficacy, Effectiveness, and New Developments. 2019
  7.  Hill, C. L. M., & Updegraff, J. A. (2012). Mindfulness and its relationship to emotional regulation. Emotion, 12(1), 81–90.
  8.  A woman's view of DSM-III, Kaplan M. (1983), APA PsycNet
  9. David H. Barlow, V. Mark Durand, Stefan G. Hofmann. Abnormal Psychology: An Integrative Approach. 8th Edition (2018) Jeffrey S. Nevid, Spencer A. Rathus, Beverly Greene. Abnormal Psychology in a Changing World. 10th Edition (2017) James Neal Butcher, Susan Mineka, Jill M. Hooley. Abnormal Psychology. 17th Edition (2016)

حول هذه القصة

ييستخدم الاستهلاك وسيلة للحصول على المكانة والتدليل عليها، ومن رحم الاستهلاك التفاخري ولد الإهدار التفاخري، فمعظم صناعة الإعلانات والدعاية المعاصرة تسعى لخلق مجتمع "مهووس بالامتلاك".. إليكم القصة.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة