بن سدرين: فرنسا نهبت ثروات تونس وعليها تعويضنا

بن سدرين كشفت عن جهات حكومية بينها رئاسة الجمهورية تعرقل عمل هيئة الحقيقة والكرامة (الجزيرة)
بن سدرين كشفت عن جهات حكومية بينها رئاسة الجمهورية تعرقل عمل هيئة الحقيقة والكرامة (الجزيرة)

حاورها من تونس: خميس بن بريك

نشرت هيئة الحقيقة والكرامة في تونس مؤخرا وثائق تكشف أسباب تشبث المستعمر الفرنسي بمدينة بنزرت التونسية (شمال)، إضافة إلى وثائق أخرى تبين حقائق خطيرة عن استنزاف فرنسا للثروات الباطنية في البلاد.

وفي حوار مع الجزيرة نت، دعت رئيسة الهيئة سهام بن سدرين إلى ضرورة مطالبة فرنسا بالتعويض المادي لتونس وجبر الأضرار الاقتصادية التي لحقتها وما زالت تعاني من آثارها إلى اليوم.

نشرتم وثائق عن أهمية القاعدة العسكرية ببنزرت لدى فرنسا ووثائق كشفت عن استغلالها الفاحش للثروات. لماذا قمتم بنشرها في هذا التوقيت؟

في الحقيقة لم يكن لدينا أي توقيت خاص لنشر هذه الوثائق الأرشيفية، وكل ما فعلناه هو متابعة عملنا بشكل دائم لكشف الحقيقة حول مختلف الحقب التاريخية التي نشتغل عليها، وفق ما حدده لنا القانون وتشمل الفترة الزمنية من 1955 إلى غاية سنة 2013.

لمعرفة الحقائق نسعى للنفاذ إلى الوثائق والتسجيلات الأرشيفية قصد تحديد السياقات التاريخية التي حصلت فيها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. ويعتبر الأرشيف الداخلي والخارجي مهما جدا لكشف أي تجاوزات أو انتهاكات حدثت خلال تلك الفترات التاريخية المختلفة.

كيف حصلتم على هذه الوثائق السرية من الأرشيف الفرنسي؟

منذ فترة تنقل فريق عمل من هيئة الحقيقة والكرامة إلى مدينة "نانت" الفرنسية (وسط غرب) وقمنا بنسخ بعض الوثائق الأرشيفية حول معركة بنزرت التونسية سنة 1961 ضد فرنسا.

لكن اكتشفنا أن بعض "الأوعية" الأرشيفية كانت فارغة ولم ترفع عنها السرية حتى اليوم رغم أن القانون الفرنسي يجيز للعموم النفاذ إليها بعد خمسين عاما. ولذلك قمنا بطرقنا القانونية الخاصة بالبحث عن تلك الوثائق وتمكننا من الحصول على وثائق مهمة من مصادر لا يمكننا كشفها حماية لها.

ما هي الحقائق الخفية التي كشفت عنها تلك الوثائق فيما يتعلق بمعركة بنزرت 1961؟

خلال تجميع الوثائق الأرشيفية المتعلقة بمعركة بنزرت عثرنا على شريط وثائقي منشور بالمعهد الفرنسي للسمعي البصري، واكتشفا على لسان الأميرال موريس آمون قائد القاعدة العسكرية ببنزرت آنذاك أن هذه القاعدة كانت تحتل موقعا إستراتيجيا مهما للغاية بالنسبة لفرنسا من حيث موقعها الجغرافي المطل على البحر المتوسط والواقع في أقصى شمال أفريقيا.

وقد اكتشفنا أن معركة بنزرت لم تكن مجرد معركة بين مستعمر وبلد يرغب في استرجاع أرضه وإنما كانت بمثابة حمام دم سقط فيه آلاف الضحايا التونسيين بسبب تشبث فرنسا بتلك القاعدة العسكرية الإستراتيجية التي اعترف قادة فرنسيون بأنها قادرة على أن تعلب دورا مهما في حالة اندلاع حرب ذرية وقادرة على التصدي لأي هجوم نووي خلال الحرب الباردة.

الجنوب التونسي شهد خلال السنوات الماضية احتجاجات على نهب الثروات الطبيعية (الجزيرة)

ولكن بعض المؤرخين اعتبروا أن الهيئة لم تقدم أي شيء جديد وأن وثائق معركة بنزرت متاحة للعموم.

نحن مهمتنا هي كشف الحقيقة بناء على شكاوى تقدم بها تونسيون، وقد تلقت الهيئة شكاوى من بعض أهالي بنزرت وغيرهم ممن قتل ذووهم في معركة بنزرت وأرادوا أن ينبشوا عن تلك الحقائق، وبالتالي كان علينا أن نبحث في خفايا تلك الفترة حتى نفهم ما كان يحدث.

للأسف بعض المؤرخين استنقصوا عمل الهيئة، وقالوا إنهم كانوا على علم بتلك الحقائق دون أن يسبق لهم أن نشروا شيئا بشأن الموضوع، وهذا عذر أقبح من ذنب، وأنا أتساءل: هل أن دور المؤرخ هو توثيق الوقائع التاريخية وكشفها للناس أم أن دوره معرفة الحقائق ثم كتمانها وعدم إطلاع الناس عليها؟

الوثائق تعرض حقائق خطيرة عن استغلال فرنسا لثورات تونس في وقت تعيش فيه مناطق الجنوب التونسي الغنية بالطاقة تهميشا وحرمانا، هل تعتقدين أن تونس دولة مستقلة حقا أم أنها مستعمرة اقتصادية؟

أنا لا يمكنني أن أجيب على السؤال بهذه الطريقة، ولكن دعني ألفت انتباهك لقيمة تلك الحقائق التي كشفتها هيئة الحقيقة والكرامة. قبل الاستقلال بسنة أي عام 1955 وقعت تونس على وثيقة الاستقلال الداخلي وتتعلق بتنظيم كل المجالات الأمنية والاقتصادية والقضائية والاجتماعية وغيرها، وهي اتفاقية بقيت سارية المفعول حتى بعد توقيع وثيقة الاستقلال 1956 والتي اقتصرت فقط على جوانب بروتوكولية ولم تتطرق إلى الجوانب الاقتصادية.

وثيقة الاستقلال الداخلي لسنة 1955 لم تضمن الحقوق الدنيا لحماية مصلحة الدولة التونسية، بل أعطت امتيازات مجحفة للمستعمر الفرنسي في استغلال الأراضي التونسية لاستخراج المواد الطاقية ونقلها، دون أن يكون لتونس الحق في تغيير العقود أو مراجعتها رغم أنه كانت هناك بعض المحاولات في السبعينيات من الدولة التونسية لتحسين شروط التفاوض.

وفي ظل ضعف القدرة التفاوضية للدولة التونسية مع شركات النفط الفرنسية، واصل المستعمر بعد الاستقلال يوم 20 مارس/آذار 1956 استنزافه المجحف للثروات الطبيعية التونسية، مما كبد تونس خسائر مالية طائلة نتيجة تداعيات تلك التركة القديمة.

التونسيون يشتكون عدم انعكاس الثروة البترولية على واقعهم المعيشي (الجزيرة)

هل سترفعون شكاوى للمحاكم الدولية ضد فرنسا لمطالبتها بالاعتذار والتعويض المادي لتونس؟

نحن نطالب بتعويض تونس عن تلك الأضرار الجسيمة التي لحقتها وجبر الأضرار وشطب ديونها، وفي واقع الأمر فرنسا مدينة لتونس وليس العكس.

أما بالنسبة إلى الشكاوى فهذا أمر يتعلق بقرار الحكومة، ونحن سنقدم لها تقريرنا الختامي نهاية ديسمبر/كانون الثاني والذي سيتضمن بالطبع تفاصيل أخرى حول استغلال الثروات التونسية من قبل فرنسا.

ومن وجهة نظري، ليس ضروريا الوصول إلى المحاكم الدولية وإنما يجب القيام بحصيلة عن الخسائر التونسية في العلاقة مع فرنسا جراء استنزاف مواردها الباطنية، ثم الجلوس على طاولة مفاوضات مع فرنسا لمطالبتها وديا بالتعويض عن تلك الأضرار.

استعادة الأموال المنهوبة قد تمكننا من مجابهة الأوضاع الاقتصادية المتردية التي لم تنطلق من اليوم وإنما جاءت نتيجة الاتفاقيات المجحفة التي فرضها المستعمر الفرنسي.

لكن هل تعتقدين أن فرنسا ستستجيب لهذا المطلب؟

لماذا بقيت ألمانيا لليوم تعوض دول الحلفاء في الحرب العالمية الثانية مثل بريطانيا وفرنسا؟ المستعمر الفرنسي أضر بنا وعليه أن يعلم بأن مستعمراته السابقة ترغب أيضا في التعويض. وهذا المطلب هو موضوع تفاوض ومباحثات والأهم أن تكون هناك إرادة سياسية.

كيف تتوقعون أن تتعامل معكم مؤسسات الدولة في هذا الملف؟ هل ستتعاون معكم أم ستواجهون العراقيل؟

في تقريرنا الأخير وضعنا بابا كاملا سميناه "العراقيل" وكشفنا عن الجهات التي لم تتعاون معنا مثل المحكمة العسكرية والقطب القضائي المالي ووزارة الداخلية ورئاسة الجمهورية في بعض الأشياء وبعض الإدارات الأخرى.

نحن سنستمر في الفترة القادمة في مخاطبة بعض الأطراف مثل المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية للتعرف على مضامين عقود النفط مع الشركات الأجنبية التي -حسب علمي- لا أحد يعرف مضامينها.

المصدر : الجزيرة