صياح الطوري.. أيقونة صمود بدو صحراء النقب

الشيخ صياح الطوري (ثاني يمين) برفقة قادة من فلسطينيي 48 خلال الاعتصام قبالة سجن الرملة (الجزيرة)
الشيخ صياح الطوري (ثاني يمين) برفقة قادة من فلسطينيي 48 خلال الاعتصام قبالة سجن الرملة (الجزيرة)

محمد محسن وتد-أم الفحم

بشموخ وكبرياء واجه السبعيني الفلسطيني صياح الطوري السجان الإسرائيلي ملوحا بإشارة النصر على أعتاب سجن الرملة، حيث دخله لقضاء عشرة أشهر وراء القضبان لدوره بالدفاع عن مسقط رأسه قرية العراقيب بالنقب جنوبي فلسطين التي هدمتها سلطات الاحتلال للمرة الـ137.

غاب الطوري في سراديب ظلم السجان، في حين بقيت كلماته لمودعيه تصدح عاليا، إذ أوصاهم بالبقاء على العهد في مواصلة معركة الصمود، والبقاء في قرية العراقيب التي بقيت أبوابها موصده وحصنا منيعا في وجه مخطط الهدم والتشريد الذي يتهدد القرى البدوية التي لا تعترف بها سلطات الاحتلال.

كعادته لم يتحدث الشيخ السبعيني كثيرا، فأفعاله كما مسيرته التي حولته إلى أيقونة صمود البدو في فلسطين تختصر الكثير من التصريحات، واكتفى بالقول "أوصيكم بالعراقيب والرباط بها خلال فترة سجني حتى تجمعني بكم مجددا، سأبقى عند حسن ظنكم بي، وكما عهدتموني لن أساوم، فأدخل السجن بكرامة وشرف وسأخرج منه منتصرا".

خاض الطوري نضالا قضائيا إلى جانب المسار الجماهيري والشعبي في معركة الصمود والبقاء فوق الأرض بمنطقة النقب التي يقطنها قرابة 240 ألفا من البدو، نصفهم في تجمعات سكنية غير معترف بها.

قرية العراقيب هدمتها السلطات الإسرائيلية للمرة الـ137 منذ عام 2010 (مواقع التواصل)
دفع الطوري ثمنا لنضاله بسلب السلطات الإسرائيلية حريته بعد أن فشلت محاولات سلبه أرضه وتهجيره، فقد حكم عليه بالسجن عشرة أشهر بعد أن وجهت إليه 40 تهمة تحت مزاعم الاعتداء على ما تسمى "أراضي الدولة" واقتحام أرض عامة.

ثمة من راهن في المؤسسة الإسرائيلية على تصعيد وتيرة الهدم تارة، والإغراءات المالية تارة أخرى لدفع الشيخ الطوري إلى الرحيل طواعية عن العراقيب، بيد أن الجرافات كما القوات الإسرائيلية المدججة بالأسلحة التي أصبحت مشهدا اعتياديا بمضارب عشيرته لم تنجح في النيل من عزيمته، بل زادت صموده وتشبثه بالأرض، ليتحول إلى رمز لصمود بدو فلسطين في وجه مخططات الاقتلاع والتهجير.

سيرة ومسيرة
رفض الطوري الملقب بـ"شيخ العراقيب" أن تحل نكبة ثانية بقريته، مستذكرا أن عشيرته استقرت في المكان واشترت آلاف الدونمات من الأرض في بوابة النقب الشمالي عام 1905، لافتا إلى أن أغلبية سكان عشيرته هجروا من القرية إبان النكبة لمدة ستة أشهر بأمر عسكري، وعادوا إليها بعد رفضهم مقترح السلطات الإسرائيلية بأن يستأجروا أراضي في منطقة بعيدة.

صمد من تبقوا من سكان القرية في حرب 48، وتحدوا مخطط التهجير الذي تنفذه العصابات الصهيونية التي تمكنت تحت تهديد السلاح من تهجير وتشريد العديد من العشائر، لتبقى العراقيب صامدة حتى مطلع خمسينيات القرن الماضي حين استشهد مؤسس القرية أبو صياح في معركة مع الجنود الإسرائيليين، عندها شرع السكان بالعودة المتدرجة للعراقيب.
جانب من الأراضي التي يتمركز فيها بدو النقب وتعتبر محور تواصل جغرافي بين قطاع غزة والضفة (الجزيرة)

لم تتوقف أطماع إسرائيل في هدم العراقيب للسيطرة على مدخل النقب الشمالي، وكانت أولى محاولات الهدم عام 1997، حيث وصف شيخ العراقيب المشهد عندما تسلح السكان بأسطوانات الغاز قبالة جرافات الهدم التي عادت أدراجها.

تكررت المحاولات الإسرائيلية بين عامي 2000 و2005، إذ استخدم الاحتلال الطائرات لرش السكان والمواشي والمحاصيل بالمبيدات، مما أدى لنفوق مئات المواشي والجمال وإتلاف آلاف الدونمات الزراعية، وتوفي لاحقا -كما ذكر الطوري- العديد من سكان القرية بمرض السرطان، ومنهم من ما زال إلى يومنا هذا يعاني أعراض المبيدات الكيميائية.

هدمت خيام ومنازل الصفيح بالعراقيب للمرة الأولى عام 2010، وكان الطوري يعيد إعمارها مع السكان ليتكرر مشهد الهدم 137 مرة، وكان يعقب ذلك في كل مرة مشاهد إعمار ما دمره الاحتلال كرمز للبقاء والصمود والتحدي.

تهجير وتهويد
لعقدين من الزمن واجه الطوري مخطط السلطات الإسرائيلية المعروف بقانون "برافر" الهادف لوضع اليد على ثمانمئة ألف دونم (80 ألف هكتار) لبدو النقب تزعم إسرائيل ملكيتها على الرغم من أن السكان البدو يدحضون هذه الحجج بوثائق تعود للفترة العثمانية وتؤكد ملكيتهم وأحقيتهم بالأرض.

وتصر إسرائيل على مصادرة آخر ما تبقى للبدو من أراض عليها أربعون قرية مسلوبة الاعتراف، إذ تواجه القرى جرافات الهدم بهدف تهجير قاطنيها البالغ تعدادهم 120 ألفا وتجميعهم في سبعة تجمعات سكنية بدوية.

وقد تملك بدو فلسطين قبل النكبة نحو 3.5 ملايين دونم (350 ألف هكتار) بصحراء النقب البالغة مساحتها 13 مليون دونم (1.3 مليون هكتار)، حيث وضعت إسرائيل اليد على أغلبية الأراضي، وسجلت بملكيتها نحو 93% من الأراضي التي بقيت داخل الخط الأخضر.

وفي الوقت الذي تمعن إسرائيل بمخطط التهجير والتجميع لبدو النقب تواصل عسكرة وتهويد المكان بالمصادقة على إقامة 11 مستوطنة جديدة، وشرعنة 152 مزرعة استيطانية فردية ممتدة على مساحة عشرات آلاف الدونمات خصصت لليهود بالمجان.

مظاهرات لبدو النقب في القدس رفضا لمخططات الهدم والتشريد وقانون "برافر" لمصادرة ثمانمئة ألف دونم من أراضيهم (الجزيرة)

كما شرعت وزارة الدفاع الإسرائيلية في نقل معسكرات الجيش من منطقة المركز وتل أبيب إلى النقب عبر بناء قاعدة للاستخبارات العسكرية، وأربعة مطارات ومراكز للصناعات العسكرية، ومساكن للجنود الدائمين والاحتياطيين ضمن مخطط لاستقدام ثلاثمئة ألف يهودي، إلى جانب أربعمئة ألف يقطنون النقب.

تصفية الوجود
وتعقيبا على ملاحقة الاحتلال الشيخ الطوري وقرى النقب قال النائب عن التجمع في القائمة المشتركة جمعة الزبارقة إن إسرائيل تسعى إلى تصفية الوجود الفلسطيني بصحراء النقب.

وأضاف الزبارقة أن الطوري وأهل بلده يقارعون جرافات الدمار والخراب ويتصدون لسياسة التهجير، وهم يعيشون بأبسط مقومات الحياة على الرغم من كل التحديات حفاظا على الأرض والوجود، و"هذه أقوى رسالة لحكومة اليمين الفاشي أننا باقون هنا".

كما أشاد عضو الكنيست عن الحزب الشيوعي دوف حنين بنضال سكان العراقيب وصمودهم الباسل في وجه جرافات الهدم وسياسة الاقتلاع، مشيرا إلى الصمود الأسطوري للشيخ الطوري وعشيرته، والظلم الذي تعرض له من المؤسسة الإسرائيلية ليس لجريمة اقترفها سوى تمسكه بأرض العراقيب، ورغبته في العيش مع عائلته بكرامة على أرضه التي ولد ونشأ فيها.

المصدر : الجزيرة