حاخامات مغتصبون.. جرائم الاعتداء الجنسي تهز المجتمع الحريدي الإسرائيلي

"اقترب مني وبدأ يلامس صدري، حاولت إبعاد يده، لكنه استمر وحاول وضع يده تحت قميصي"، هكذا نقلت صحيفة "هآرِتس" الإسرائيلية الشهادة الصادمة لإحدى فتيات المجتمع اليهودي الأرثوذكسي، التي وصفت تعرُّضها لاعتداء جنسي من أحد رجال الدين، مستغلا مكانته وسلطته؛ للاعتداء جنسيا على مراهقين وأطفال من الذكور والإناث طيلة عقود. إنه "يهودا مِشي زهاف"، مؤسس ورئيس جمعية "زاكا" الخيرية والإغاثية الشهيرة في إسرائيل، الذي كشف تحقيق صحفي النقاب عن فضائحه الجنسية، التي أخذت الشهادات بشأنها تتوالى الواحدة تلو الأخرى على ألسنة الضحايا، لتهُزَّ أركان مجتمع الحريديم المحافظ والمتشدِّد، في دولة الاحتلال الإسرائيلي.

حظي "زهاف" بمكانة مرموقة داخل أروقة مجتمع الحريديم المغلق، الذي يكاد يحرِّم التحدُّث علنا عن تعرُّض أشخاصه للاعتداءات الجنسية، وهو ما منحه حصانة من عواقب أفعاله لفترة طويلة، ولكن يبدو أن ما حملته الأشهر الأخيرة من فضائح لعدد من رجال الدين، أنطَقَ الألسنة المتحفظة والمتكتِّمة سابقا، وكان من أبرز تلك الفضائح فضيحة كاتب قصص أطفال شهير وحاخام بارز اعتدى على نحو عشرين شخصا بينهم أطفال. ونتيجة لذلك، لم يعُد من السهولة بمكان كنس الفضائح في مجتمع الحريديم -الذي يشكل نحو 12% من سكان دولة الاحتلال- إذا ما مسَّت شخصيات مهمة.

"والدر".. سقوط المستشار الجنسي

يعرف الأرثوذكس المتطرفون في دولة الاحتلال الإسرائيلي جيدا وجه المعلم والمعالج الديني "حاييم والدر"، الذي يعيش بينهم في مدينة "بني براك" ذات الأغلبية الحريدية الواقعة بضواحي تل أبيب، فهو رجل بوجه ممتلئ وعينين خضراوين، ويرتدي دوما قُبَّعة الكيباه والمعطف الأسود مثله مثل معظم سكان الحي. يعد وايلدر كذلك أحد أبرز المؤلفين في إسرائيل، إذ تنتشر كُتبه بين الحريديم، وتتناول شخصيات متديِّنة تتحدث صراحةً عن مشكلاتها وعواطفها في هذا المجتمع المغلق. علاوة على ذلك، يكتب "والدر" للأطفال الأرثوذكس، فهو كاتب سلسلة "الأطفال يتحدثون (Kids Speak)" الشهيرة التي لا يكاد يخلُ منها بيت أرثوذكسي، كما أنه مؤسس مركز الطفل والأسرة في "بني براك". هذا وما انفك "والدر" يفسر أحداث العالم الجارية من حوله عبر منظور الحاخامات، فنال شعبية كبيرة، وحشد العشرات من الأتباع في السنوات الأخيرة.

بيد أن أبرز المدافعين عن الأطفال في المجتمع الأرثوذكسي، والمذيع المشهور الذي صاغ لأول مرة في تاريخ الأرثوذكس اليهود برنامجا إذاعيا عن الحماية من الاعتداء الجنسي في المدارس الأرثوذكسية المتشددة، هُزت شعبيته ومكانته بقوة حين كشف تحقيق أعدته صحيفة "هآرتس" العبرية أنه هو بنفسه استغل على مدار عقدين من الزمن فتيات ونساء لجأن إليه للحصول على المشورة الجنسية.

ففي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، نشرت الصحيفة اليسارية اتهامات وجَّهتها ثلاث نساء إلى "والدر" بأنه اعتدى عليهن جنسيا حين كن في سن ١٢ و١٥ و٢٠ عاما على الترتيب، كما وصف مقرَّبون منه بأنه أقام علاقات جنسية قسرية وتحرَّش بالنساء والفتيان في مكتبه وفي عدد من الفنادق، ومن ثم فتحت شهاداتهن الباب على مصراعيه أمام نساء أخريات لرواية قصص مماثلة حول علاقته بهن؛ ما أثار اشمئزاز المجتمع الحريدي. وقد روت إحدى الفتيات التي أقام معها "والدر" علاقة جنسية أن استغلاله إيَّاها بدأ عندما كانت في عمر ١٣ عاما، ثم تطور الأمر إلى حدِّ استغلالها في لقاءات جنسية أسبوعية في فندق "ريمونيم" بـ"رمات غان"، إحدى المدن المركزية في تل أبيب، وقد كان أول تلك اللقاءات احتفالا ببلوغ تلك الفتاة وفقما أقنعها به "والدر" حينئذ.

أقدم "والدر" على الانتحار مطلقا الرصاص على نفسه في مقبرة "بِتاح تِكْفا" وسط دولة الاحتلال.  (Wikipedia)

لم يمضِ وقت طويل حتى أحيل الأمر إلى القضاء، إذ خرجت تلك الحوادث بأدلة لا مجال للتغاضي عنها، وقد نظرت "المحكمة الخامسة الأرثوذكسية" -التي تتعامل مع قضايا الاعتداء الجنسي- في 22 شهادة لصبي وفتاة أكَّدوا تعرُّضهم للاعتداء الجنسي حين ذهبوا لتلقي العلاج عند "والدر"، الذي رفض بدوره حضور جلسة التحقيق. وكما قال الحاخام الرئيسي ورئيس المحكمة "شموئيل إلياهو": "إن المحكمة استمعت إلى شهود شهدوا على زنا والدر بالعديد من النساء المتزوجات، وإن هناك أدلة لا لبس فيها بما في ذلك تسجيلات سُمِع فيها والدر نفسه يشهد على الأفعال الشائنة التي ارتكبها".

بعد أسابيع من كيل الاتهامات إليه من جانب عدة نساء، وبالتحديد في 27 ديسمبر/كانون الثاني الماضي، أقدم "والدر" على الانتحار مطلقا الرصاص على نفسه في مقبرة "بِتاح تِكْفا" وسط دولة الاحتلال، ووجدت السلطات جثته بجوار قبر نجله الذي توفي قبل عدة سنوات بمرض السرطان. على أي حال، لم يكن ضحايا "والدر" الوحيدين الذين تحدثوا مؤخرا عن الاعتداءات الجنسية التي لحقت بهم، فقد روى "أديل بار شاؤول" (43 عاما)، وهو حريدي متشدد من مدينة "بني براك" أيضا، تجربته عندما كان طفلا، حيث فقال إنه تعرض للاغتصاب عدة مرات عندما كان في العاشرة من عمره على يد أحد معارفه المقربين…، وحدث الاغتصاب الأول عندما استضافت أسرة شاؤول مهاجمه في أحد أيام السبت، وهي فترة مقدسة للراحة والعبادة لدى الحريديم.

الهجرة الدينية إلى إسرائيل.. سبيل النجاة لجُناة الجنس

ورغم تعدد جرائم الاعتداء الجنسي التي كُشف عنها وسط صفوف الحاخامات ورجال الدين، تتبع السلطات الدينية في دولة الاحتلال نهجا ثابتا في التعامل مع هذه الجرائم، يتلخص في التجاهل أولا ثم الإنكار، ولاحقا الدفاع عن الجناة واستنكار عقابهم، ومحاولة كبح روايات الضحايا عن الظهور إلى النور، والضغط عليهم للحيلولة دون الإدلاء بشهاداتهم.

توجَّه الحاخام "ديفيد لاو" نحو بيت عائلة "والدر" من أجل تعزيتهم ومواساتهم، مُقدِّما بذلك دعم المتهمين على دعم الضحايا، وضاربا بعُرض الحائط ردود الفعل التي قد يواجهها. (ويترز)

 

ففي الوقت الذي كانت الفضائح الجنسية للحاخامات تُخيّم فيه على النقاش العام في شتى أنحاء دولة الاحتلال، توجَّه الحاخام الأشكنازي الأكبر في إسرائيل "ديفيد لاو" نحو بيت عائلة "والدر" من أجل تعزيتهم ومواساتهم، مُقدِّما بذلك دعم المتهمين على دعم الضحايا، وضاربا بعُرض الحائط ردود الفعل التي قد يواجهها في ذلك التوقيت الذي تتزايد فيه الدعوات غير المسبوقة لمعاقبة جناة الاعتداء الجنسي من رجال الدين.

لم يقتصر الأمر على ذلك، إذ أثنت صحيفة "ياتيد نئمان" الأرثوذكسية المتشددة هي الأخرى على "والدر" الذي كان يكتب فيها، مشيرة إليه بوصفه "رجل التعليم والعمل الصالح اللامع الذي أُخذ فجأة في أوج عطائه"، وركزت الصحيفة على "العار العام الذي عانى منه السيد والدر"، بدلا من التركيز على ضحاياه، وقد حذت وسائل إعلام حريدية أخرى حذو "ياتيد نئمان"، فتجاهلت المجني عليهم وتحدَّثت عن مقتل "والدر" دون أن تمر على ذكر الاتهامات الخطيرة التي وُجِّهَت إليه بأي صورة.

بعيدا عن قضية "والدر"، تجدر الإشارة إلى أن المجتمع الأرثوذكسي المتطرف في إسرائيل يعيش حياة منغلقة ومعزولة، وأن الحاخامات اعتادوا فيه على التعامل مع حالات العنف وسوء السلوك الجنسي داخليا دون تنبيه السلطات الخارجية التي تعتبر أجنبية بالنسبة إليهم. وعلى سبيل المثال، وصل التعتيم على إحدى قضايا الاعتداء الجنسي إلى حدِّ تواطؤ طاقم "تكناه"، وهو هيئة مؤلفة من الحاخامات لمعالجة قضايا الاعتداءات الجنسية في المدارس الدينية بالتعاون مع وزارة العدل الإسرائيلية، من أجل عدم إيصال قضية اغتصاب طالبة يهودية إلى المحكمة، ورغم أن تلك الفتاة التي درست في الكلية الدينية "بَايِت فَغَان" في القدس تعرَّضت للاغتصاب من أحد المعلمين في الكلية، فإن تلك الجهات أصرت على اعتبار القضية محض علاقة جنسية بين شخصين بالغين لإغلاق الملف.

عاشت "لَيفر" حياة طبيعية داخل إسرائيل، وبذل الأرثوذكس المتطرفون جهودا مُضنية من أجل عرقلة تسليمها إلى أستراليا، لكن بعد فترة طويلة من الهرب سلمت لتواجه المحاكمة.

ونتيجة لهذا النمط الممنهج للإفلات من العقاب، باتت دولة الاحتلال في السنوات الأخيرة ملاذا للعشرات من اليهود الذين ارتكبوا اعتداءات جنسية وفرَّوا من العدالة في بلدانهم الأصلية. وبموجب قانون العودة الإسرائيلي الذي يمنح اليهود حق الهجرة إلى إسرائيل دون الاهتمام بسجلهم الجنائي في بلدانهم الأصلية، استطاع العديد من رجال الطائفة الأرثوذكسية الحريدية أن يجلبوا أصدقاءهم أو أقاربهم إلى إسرائيل، وبعضهم فار من اتهامات مماثلة. وتعد قضية "مالكا لَيفر"، مديرة مدرسة للفتيات الأرثوذكس في "ملبورن" بأستراليا، واحدة من أبرز القضايا في هذا الصدد، حيث تمكن المجتمع الحريدي في إسرائيل من منح "لَيفر" فرصة للهرب من العدالة طيلة سنوات، بعد أن وصلت إلى إسرائيل عام 2008 وفي جَعبتها 74 تهمة تتعلق بالاعتداء الجنسي على طالباتها في السابق.

عاشت "لَيفر" حياة طبيعية داخل إسرائيل، وبذل الأرثوذكس المتطرفون جهودا مُضنية من أجل عرقلة تسليمها إلى أستراليا، فتارة أعلنوا أنها غير مؤهلة عقليا للمثول أمام المحكمة، وتارة جمعوا التبرعات لـ"تحريرها" بوصفها أسيرة، ولكن بعد فترة طويلة من الهروب من العدالة، وبسبب جهود ضحاياها في أستراليا، سُلِّمت "لَيفر" أخيرا بعد عملية معقدة في يناير/كانون الثاني 2021 لتواجه المحاكمة في بلادها بتهمة ارتكاب جرائم جنسية.

الأكثر غرابة ربما أن بعض الجناة من مرتكبي الاعتداءات الجنسية كانوا يجدون الفرصة للعثور على ضحايا جدد بعد الفرار من بلدانهم إلى إسرائيل، كما حدث مع الأميركي الإسرائيلي "جيمي كارو"، الذي هاجر إلى دولة الاحتلال وهو مطلوب في قضية اعتداء جنسي في الولايات المتحدة، حيث وفَّرت له الحاضنة الدينية بإسرائيل مكانا للعيش في مستوطنة أرثوذكسية متشددة بالضفة الغربية، مع فرصة عمل مكنته من الاعتداء من جديد على فتيات إسرائيليات في القدس المحتلة.

القبضة الرخوة للعدالة

"لا أحد يملك الحق في لمس المناطق الخاصة بجسمك"، كُتِب هذا التعليق التحذيري تحت رسم توضيحي في كتاب صدر لأول مرة عام 2012 لمعالجة قضايا الاعتداء الجنسي على الأطفال في المجتمع الحريدي (المصدر: NBCNEWS)

"لا أحد يملك الحق في لمس المناطق الخاصة بجسمك"، كُتِب هذا التعليق التحذيري تحت رسم توضيحي في كتاب صدر لأول مرة عام 2012 لمعالجة قضايا الاعتداء الجنسي على الأطفال في المجتمع الحريدي داخل دولة الاحتلال. كان إصدار هذا الكتاب في صورة دليل عائلي لمنع الاعتداء الجنسي محاولة غير مسبوقة لكسر حاجز الصمت في المجتمع المنعزل للحريديم، ولذا احتاج مؤلفو الكتاب إلى العمل من كثب مع قادة دينيين متفهِّمين لأهمية مكافحة تلك الاعتداءات المتزايدة، وكذلك لإقناع معلمي الدين في المدارس الأرثوذكسية بأهمية تشجيع الطلاب وعائلاتهم على قراءة الكتاب.

آنذاك، لم تكمُن صعوبة الأمر فقط في مقاومة الحاخامات لمواجهة حقيقة الاعتداءات الجنسية داخل مجتمعهم، ولكن أيضا في كيفية معالجة تلك القضايا داخل مجتمع بعقلية ثقافية مغلقة للغاية جعلت أطفال الأرثوذكس لا يعرفون حتى المفردات اللازمة لوصف حادثة الاعتداء الجنسي عليهم إن أدركوا حصولها في المقام الأول، حيث لا يتم تعليم هؤلاء الأطفال الأسماء العبرية للأعضاء التناسلية مثلا، ضمن سياق متشدد ينأى بهم قدر الإمكان عن تناول تلك المواضيع، ويؤجلها إلى أكبر سنٍ ممكنة.

علاوة على ذلك، يهاب ضحايا الاعتداءات الجنسية في المجتمع الأرثوذكسي من إبلاغ السلطات عمَّا ينالهم من اعتداءات؛ لأنهم يشعرون أن تسليم أي شخص منهم إلى السلطات العلمانية (الدخيلة في نظرهم) هو أمر مرفوض دينيا حتى لو كانت تلك السلطات إسرائيلية. بيد أنه مع تزايد الفضائح الجنسية التي أخذت تهز الجالية الأرثوذكسية المتشددة في إسرائيل، ومع استمرار كيل الاتهامات إلى شخصيات دينية بارزة، وآخرها قضية "والدر" التي تسبَّبت في إحداث صدمة هائلة في المجتمع الأرثوذكسي، بات صعبا مواصلة إخفاء تلك القضايا، لا سيِّما مع تبدُّل الأحوال في صفوف شباب الحريديم من الأجيال الجديدة الذين يزداد انفتاحهم يوما بعد يوم على غيرهم من اليهود داخل دولة الاحتلال وخارجها، وخصوصا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

للدلالة على ذلك، يقول القائمون على مركز تأهيل الأزمات بالقدس المحتلة -وهو مركز مُخصَّص لدعم الأطفال والنساء في المجتمعات اليهودية المتطرفة- إنه عندما افتتح المركز خط تواصل قبل ثلاثة عقود لمساعدة ضحايا العنف المنزلي والاعتداء الجنسي والاغتصاب، كانت المكالمات نادرة نسبيا، أما اليوم فيتلقَّى المركز حوالي 500 مكالمة شهريا.

في سياق مشابه، لكنه أكثر تنظيما وأكثر شبها ربما بمبادرات مكافحة التحرش والاغتصاب العالمية، ظهرت مبادرة "لن تصمت" التي تعد اليوم واحدة من أكثر الدعوات انتشارا بين اليهود الأرثوذكس ليعلنوا صراحة عن الجرائم والجناة دون خوف من قبضة رجال الدين داخل مجتمعهم، ودون تقيُّد بالاعتقاد الديني الصُّلب القائل بأن السلطات العلمانية لا يحق لها مساءلة رجال الحريديم. دعوة يبدو أنها تهز أركان السلطات الدينية المنغلقة، حيث يدور الحديث فيه عن إنشاء منتدى أرثوذكسي خاص لاستقبال الشكاوى، والرقابة على ممارسات رجال الدين، في أول اعتراف بأن الظاهرة تجاوزت حد السكوت، وبات ينبغي التعامل معها قبل انهيار سمعة المجتمع الحريدي وتقوض تقاليده بلا رجعة.

المصدر : الجزيرة